Professor Jassem AJAKA
Physicist | Economist

القطاع الصناعي ينتظر خطّة النهوض

Print Friendly, PDF & Email

جريدة الشرق | بروفسور جاسم عجاقة

تراجعت صادرات لبنان الصناعية منذ العام 2012 من 4.3 مليارات دولار أميركي إلى 2.64 مليار د.أ في العام 2017. وإذا كان عدد المؤسسات الصناعية قد إرتفع من 1962 إلى 2284 مؤسسة بين العامين 2011 و2015 إلا أن الملاحظ أن هذه الزيادة تطاول الصناعات المورّدة إلى السوق الداخلي الذي يُشكّل 81% من إجمالي الإنتاج.

وبالتالي فإن التراجع في الصادرات يُشكّل تراجعًا بنسبة 12% اقلّه بمداخيل القطاع على إعتبار أن لا معلومات تؤكّد تراجع الإستهلاك الداخلي كما تُثبته طلبات الترخيص والتي بلغت 652 طلبا في العام 2017 (219 منها لصناعة المواد الغذائية).

بالطبع إقفال معبر نصيب أثّر بشكلٍ ملحوظ على الصادرات الصناعية التي كانت تُشكّل 22% من إجمالي الصادرات التي تمرّ عبر هذا المعبر (250 شاحنة يوميًا). إقفال المعبر دفع بالشركات إلى تحمّل قسم من كلفة التصدير عبر البحر والقسم الأخر تحمّلته الدوّلة اللبنانية (16.6 مليون دولار أميركي).

وبالنظر إلى هيكلية القطاع الصناعي اللبناني، نرى أن 9 قطاعات منه تُشكّل أكثر من 93% من إجمالي الصادرات: اللؤلؤ والمعادن النفيسة والمجوهرات باستثناء سبائك الذهب الخام، المواد الغذائية المعدة، معادن عادية ومصنوعات من معادن عادية، منتجات الكيماويات، الآلات الكهربائية والأجهزة الميكانيكية، البلاستيك ومشتقاته، الورق ومشتقاته، المواد المصنعة المتنوعة، والألبسة والمنسوجات.

لكن الإستثمارات في هذه القطاعات تبقى خجولة بحسب الأرقام وبالتالي يُمكن القول أن إقفال معبر نصيب ليس السبب الوحيد لتراجع الصادرات الصناعية بل أن نقص الإستثمارات هو سبب أساسي في التراجع. فأرقام كفالات تُظهر أن عدد القروض الصناعية الممنوحة في العام 2017 بلغ 184 قرضا وبلغت قيمة محفظة كفالات الصناعية في الـ 2017، 279.3 مليون دولار أميركي أي ما يوازي 140 ألف دولار كمعدّل للقرض الواحد (أرقام ضئيلة لقطاع يتطلّب رأسمال عال).

المشاكل التي تواجه هذا القطاع بحسب تصريح أهله هي (بحسب الأهمّية): انقطاع التيار الكهربائي، ارتفاع كلفة الطاقة، ارتفاع كلفة المواد الأولية وكلفة الانتاج، ارتفاع كلفة اليد العاملة اللبنانية بالنسبة للجنسيات الاخرى وعدم توفرها، منافسة البضائع المستوردة وعدم حماية الصناعة الوطنية، ركود السوق اللبنانية، عدم دعم الدولة للصناعيين، المنافسة غير القانونية من المؤسسات غير المرخصة، التكاليف الجمركية و الاجراءات الصعبة لتخليص البضائع في مرفأ بيروت، الضرائب المرتفعة.

لكن السؤال المطّروح هو : هل هذه الصعوبات هي المسؤولة عن تراجع القطاع الصناعي؟ الجواب بالطبع لا. فمثلًا إرتفاع كلفة الطاقة، وإرتفاع كلفة اليد العاملة، والمنافسة الخارجية هي مشاكل تواجهها كل شركات العالم. أما إنقطاع التيّار الكهربائي والتعقيدات الجمّركية على المرفأ فقدّ تُشكّل كلفة إضافية على الشركات، إلا أنها ليست عائقا أمام الإستثمارات.

إذًا ما الذي يمنع الإستثمارات؟ الملاحظ من خلال أجوبة الصناعيين عن المشاكل التي تواجه القطاع، أن التمويل ليس مُشكلة بالنسبة لهم. وبالتالي نعتقد أن هناك عوامل أخرى تدفع الصناعيين إلى عدمّ الإستثمار في لبنان:

أولًا – المخاوف من الوضع السياسي الذي أظهر التاريخ مدى هشاشته أمام الإستحقاقات الوطنية. وبالتالي، فإن الصناعيين يجدون أنفسهم في حالة ترقب وإنتظار أمام الغموض الذي يلفّ الساحة السياسية.

ثانيًا – البنى التحتية وعلى رأسها الطرقات التي تمّنع الصناعيين من الخروج من العاصمة وجبل لبنان حيث الكلفة عالية والذهاب إلى الأطراف حيث الكلفة أقلّ.

ثالثًا – عدم فتح أسواق خارجية تُشكّل دافعا رئيسيا للصناعيين لتصدير منتوجاتهم. فالسوق الداخلي هو شبه مُشبع بالبضائع مع منافسة شرسة لا يُمكن بوضع القطاع الحالي منافسة هذه البضائع.

خامسًا – غياب تحفيزات للصناعيين لإنشاء مصانع في لبنان (مدن صناعية، سياسة ضريبية…) ما يدفعهم إلى إنشاء معامل في بلدان أخرى مثل تركيا (600 مليون د.أ حجم الإستثمارات اللبنانية هناك)، قبرص، العراق… حيث هناك تحفيزات وبنى تحتية أفضل .

سادسًا – غياب العنصر التكّنولوجي الإبداعي من الماكينة الإنتاجية والذي كان ليُشكّل فارق في التنافسية على البضائع اللبنانية.

القطاع الصناعي اللبناني أساسي في الناتج المحلّي الإجمالي مع 13 مليار د.أ ويوّظف بحدود الـ 120 ألف موظّف وبالتالي فهو ليس بقطاع على شفير الإنهيار كما يُحاول البعض إظهاره. هناك تراجع وهذا الأمر طبيعي نظرًا إلى التحدّيات السياسية التي تبقى العائق الرئيسي. ولا يظنن أحد أن صرف اليد العاملة اللبنانية ستؤدّي إلى النهوض بهذا القطاع، فهذا الإجراء ما هو إلا نوع من التوّفير المؤقّت الذي يقوم به الصناعيون.

من هذا المُنطلق، نرى أن على الحكومة العتيدة مُعالجة الأسباب الآنفة الذكر والتي تمنع الصناعيين من الإستثمار. فمُشكلة القطاع الصناعي في لبنان هي مُشكلة إستثمارات، وليس كلفة اليد العاملة اللبنانية أو إنقطاع الكهرباء… الجدير ذكره أن الصناعيين تقدّموا بمشاريع للحكومة لمعالجة مُشكلة الكهرباء والنفايات وغيرها وبالتالي فإن لهم القدّرة على حلّ كل المشاكل التقنية التي تعترضهم.

إلا أن المشاكل الضريبية، والقانونية والإدارية والسياسية تبقى على عاتق الحكومة التي يجب أن تنّظر أيضًا إلى عنصر أساسي ألا وهو الصناعات التحوّيلية والصناعات الثقيلة (تحفيز هذه القطاعات). فما يقوله البعض أن لبنان لا يتحمّل صناعات ثقيلة ينمّ عن عدم معرفة أن لا إقتصاد مُستدام من دون الصناعة والتكنولوجيا وأن البلدان القوية إقتصاديًا (مثل كوريا الجنوبية، الصين، ألمانيا…) تمتلك قبل كل شيء هذين القطاعين اللذين يُشكّلان المحور الأساسي في الإقتصادات الحديثة.

Print Friendly, PDF & Email

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More