بروفسور جاسم عجاقة
باحث في الفيزياء النووية والإقتصاد

الضغوط الدولية سرّعت في إيجاد الحلول.. والحكومة تلتئم اليوم

المصالحة أنهت 40 يوما من الخسائر التي بلغت 800 مليون دولار

الديار | بروفسور جاسم عجاقة

أربعون يوما مرّت على أحداث قبرشمون الآليمة، أربعون يومًا من التعطيل الحكومي والخسارة المالية لتنتهي باجتماع مصالحة في قصر بعبدا في حضور فخامة رئيس الجمهورية ميشال عون، دولة رئيس مجلس النواب نبيه برّي، دولة رئيس مجلس الوزراء سعد الحريري وكلٌ من رئيس الحزب التقدّمي الإشتراكي وليد جنبلاط والنائب طلال أرسلان.

الرئيس الحريري وبعد الاجتماع أدلى بتصريح جاء فيه «إستنكر المُجتمعون الحادثة المؤسفة التي وقعت في قبرشمون – البساتين في 30 حزيران الماضي التي سقط نتيجتها ضحيتان وعدد من الجرحى، والتي باتت في عهدة القضاءالعسكري الذي يتولى التحقيق في ظروفها وملابساتها وذلك استنادا إلى القوانين والأنظمة المرعية الإجراء. وفي ضوء نتيجة التحقيقات يتخذ مجلس الوزراء القرار المناسب». وأضاف الرئيس الحريري أنه تمّ تعيين جلسة لمجلس الوزراء اليوم الساعة الحادية عشرة في قصر بعبدا. وتمنى أن تكون المصالحة بداية لصفحة جديدة يتعاون فيها الجميع لمصلحة لبنان ولمصلحة المواطن اللبناني.

المصالحة التي تمّت في ظل ضغوط دوّلية بدءًا من بيان السفارة الأميركية في بيروت وصولا إلى ضغوط أوروبية مرورا بتقرير وكالة التصنيف الإئتماني «ستاندارد آند بورز» والمتوقّع صدوره في 23 من الشهر الجاري، تُنهي أربعين يوما من التعطيل القاتل والخسائر الفادحة التي تكبّدتها المالية العامة والتي تُقدّر بأكثر من 800 مليون دولار أميركي ناهيك بالخسائر الاقتصادية التي تكبّدها الإقتصاد.

وكان سبق اجتماع المصالحة في بعبدا، اجتماع مالي واقتصادي ضمّ كلاً من رئيس الجمهورية، رئيس مجلس النواب، رئيس الحكومة، وزير المال، وزير الاقتصاد، وزير الدولة لشؤون رئاسة الجمهورية، رئيس لجنة المال والموازنة، حاكم مصرف لبنان ورئيس جمعية المصارف. وقبل نهاية الاجتماع كانت الأسواق المالية تُهلّل له حيث ارتفعت أسعار سندات الخزينة 2% وشمل هذا الارتفاع سندات الخمس سنوات والأهم سندات الخزينة على الآمد البعيد وهذا يعني تحسّن الثقة بالمُستقبل.

الرئيس الحريري وفي تصريحه عن الاجتماع المالي والاقتصادي، قال «بحث المُجتمعون في الأوضاع المالية والاقتصادية السائدة إن لجهة التوصيف الدقيق لها وأسبابها المباشرة وغير المباشرة أو الحلول المُقترحة لها وجوبا والتزاما. وعبّر المُجتمعون عن ارتياحهم للتطوّر الحاصل لجهة تنقية الأجواء السياسية والمصارحة والمصالحة والعودة إلى انتظام المؤسسات والتشديد على ضرورة الالتزام بالمحافظة على الاستقرار السياسي والحدّ من المشاكل. وأكّد المُجتمعون التزامهم الوضع باستمرار الحفاظ على استقرار سعر صرف الليرة والاستقرار الائتماني. وتمّ الاتفاق على جمّلة من الخطوات الأساسية التي سيعمل على تطبيقها في المرحلة المُقبلة والتي تُساهم في تفعيل الاقتصاد وتعزيز وضع المالية العامّة والمباشرة بمناقشة تقرير ماكنزي والملاحظات المُقدّمة عليه من الأطراف كافة». كما عدّد الرئيس الحريري أهم الخطوات التي تمّ الاتفاق عليها.

خطوات أساسية

رئيس مجلس الوزراء سعد الحريري وفي تصريحه أشار إلى عدد من الخطوات التي وصفها بـ «الأساسية» والتي لها تداعيات على المالية العامّة وعلى الاقتصاد وحصلت على إجماع الموجودين كما أنها مطلب من الأسواق المالية:

أولاً – إقرار موازنة العام 2020 في مواعيدها الدستورية: هذا الأمر له تداعيات مُباشرة على الثقة بالاقتصاد من ناحية أن أحد أعمدة هذه الثقة هو إنتظام المؤسسات الدستورية كما وأن الموازنة تُعتبر أهم قانون يُصوّت عليه في المجلس النيابي بحكم أنه يضمن الإنتظام المالي. هذا الأمر سيكون مُحفّزا للمستثمرين للاستثمار في لبنان وبالتالي فإن الالتزام بهذه الخطوة سيُحسن من الوضع الاقتصادي ويضبط المالية العامّة.

ثانيا- الالتزام بتطبيق دقيق لموازنة 2019 والإجراءات المُقرّرة فيها وتوصيات لجنة المال والموازنة: هذا الأمر سيضمن تحقيق مستوى العجز كما نصّت عليه الموازنة أي أقلّ من مُتطلّبات مؤتمر سيدر مما يزيد من ثقة المُقرضين والمُستثمرين ويدعم الاقتصاد ويُخفّف الضغط عن المالية العامّة وعن الليرة اللبنانية. في الواقع إن عدم الالتزام بهذا الأمر سيُشكّل ضررا كبيرا على كل الأصعدة الاقتصادية، المالية والنقدية.

ثالثا- وضع خطة تفصيلية للمباشرة بإطلاق المشاريع الاستثمارية المقررة في مجلس النواب والبالغة 3.3 مليار دولار، بعد اقرار قانون تأمين الاستملاكات لها، اضافة الى مشاريع سيدر: الوضع الاقتصادي المُتردّي والمالية العامّة التي تُعاني بشكلٍ كبير هما من تداعيات نقص الإستثمار في لبنان والذي نُقدّر حاجاته بأكثر من 30 مليار دولار أميركي على فترة عشر سنوات. وبالتالي، فإن الوضع الموجود فيه الاقتصاد اليوم والمُسمّى بالـ «deadlock» هو وضع لا يُمكن الخروج منه إلا باستثمارات تبدأ بها الدولة وتُشكّل كرة ثلج لاستثمارات القطاع الخاص الداخلي أو الخارجي.

رابعا- الإلتزام بالتطبيق الكامل لخطة الكهرباء بمراحلها المختلفة: قطاع الكهرباء هو القطاع الذي استنّزف القسم الأكبر من موارد الدولة مع أكثر من 36 مليار دولار أميركي منذ تسعينات القرن الماضي بحسب تقرير فخامة رئيس الجمهورية الذي أطلعه على مجلس الوزراء. وبالتالي، فإن الاستمرار في استنزاف الخزينة العامّة بـ 2700 مليار ليرة لبنانية سنويا مع خدمة سيئة جدا، هو كانتحار مالي. الجدير ذكره أن البنك الدولي كان من أكثر المؤسسات العالمية التي دفعت بإتجاه حلّ مُشكلة الكهرباء نظرا للضرر الذي يُشكّله غياب الخدمة على المواطن والخسائر الناتجة منه.

خامسا- إقرار جملة القوانين الاصلاحية لا سيما منها المناقصات العامة، التهرب الضريبي، الجمارك، الاجراءات الضريبية، والتنسيق مع لجنة تحديث القوانين في المجلس النيابي: هذا البند من أهمّ الإجراءات التي إذا ما تمّ تطبيقها كما يجب، قد تُعيد التوازن المالي إلى لبنان ابتداءا من العام المُقبل. في الواقع الخسائر الناتجة من التهرّب الضريبي، الجمارك، المُناقصات العامّة، الأملاك البحرية والنهرية وسكك الحديد تفوق الـ 5 مليارات من الدولارات أي أعلى من عجز الموازنة المُتوقّع في موازنة العام 2019!

سادسا- تفعيل عمل اللجان الوزارية، خاصة في ما يتعلق بإنجاز اعادة هيكلة الدولة والتوصيف الوظيفي: هذا الإجراء الذي يُشكّل أحد مطالب مؤتمر سيدر، ستكون له تداعيات إيجابية من ناحية خفض كتلة الأجور في القطاع العام (أقلّه 3% سنويًا) ومن ناحية السيطرة على الارتفاع المُستمرّ في أعداد موظّفي القطاع العام وما له من تداعيات مالية مُستقبلة مع زيادة عدد المُتقاعدين. أيضا سيسمح هذا الإجراء بتوزيع فعّال للموظّفين بحسب مجال خبرتهم.

سابعا- إستكمال خطوات الاصلاح القضائي وتعزيز عمل التفتيش المركزي وأجهزة الرقابة: من أهمّ عوامل الثقة في الاقتصاد هو استقلال القضاء. وإذا كانت عبارة «الإصلاح القضائي» التي استخدمها الرئيس الحريري غامضة، إلا أن ضمان استقلال القضاء على ثلاثة مستويات: تعيين القضاة من قبل القضاة (إنتخاب…)، تعيين الجهاز الإداري من قبل القضاة، والاستقلال المالي، سيؤدّي حكما إلى تعظيم الاستثمارات في الاقتصاد اللبناني ورفع الناتج المحلّي الإجمالي الى مُستويات عالية.

ثامنا- التشدد في ضبط الهدر والفساد: هذا الإجراء يبقى شعارا أكثر منه إجراء في ظل عدم رفع الغطاء السياسي عن الفاسدين. فالفساد والهدر يُشكّلان خسارة تزيد عن 13 مليار دولار سنويا على الاقتصاد إن مباشرة أو غير مباشرة من خلال غياب الفرص الاقتصادية. على أي حال، تطبيق هذا الإجراء يعني أن لبنان أصبح مُزدهرا.

تاسعًا- الإسراع في انجاز المعاملات: هذا الإجراء هو ضرورة قصوى خصوصا إذا ما تمّ عبر الحكومة الإلكترونية التي تسمح بشفافية عالية وتُخفّف من زحمة السير وتسمح بزيادة ساعات الإنتاج من ناحية زيادة ساعات العمل وفعالية موظفي الدولة.

عاشرًا – إعادة النظر بالمؤسسات غير المجدية وإلغاؤها وفقاً لما تقرر في القوانين السابقة: العديد من المؤسسات والمجالس وحتى الوزارات هي مؤسسات غير مُجدية وفعاليتها تُقارب الصفر. والأهمّ في الأمر أن إغلاق هذه المؤسسات يحتاج إلى قرار سياسي، فهل يُمكن اعتبار الاجتماع المالي والاقتصادي في بعبدا هو كقرار سياسي فعلي؟ التاريخ سيُخبرنا!

والعبرة في التطبيق

إن هذه الإجراءات التي تمّ التوافق على تنفيذها، تمّت بحضور ثلاثة مكوّنات سياسية. وهنا نطرح السؤال: هل تُوافق باقي المكونات الحكومية على هذه الخطوات؟ من المفروض أن يتمّ عرض هذه الخطوات على مجلس الوزراء الذي سينعقد اليوم في قصر بعبدا والذي سيبّحث في جدول أعمال مالي – إقتصادي – إداري. وإذا ما تمّ الإجماع على هذه الخطوات، سيكون هذا الأمر كمُستند يُلزم الحكومة والقوى السياسية من خلفها ويسمح للمواطنين بمحاسبة هذه القوى في الإنتخابات النيابية المُقبلة.

الخطوات إعتبرتها الأسواق كـ «إجراءات ضرورية وأساسية» وحيّتها في سوق سندات اليوروبوندز حيث ارتفعت أسعار سندات الخزينة LEBAN 6.65 02/26/2030 Govt من 73.068 إلى 74.61 نقطة عند بدء الاجتماع، كما ارتفعت أسعار LEBAN 7.25 03/23/2037 Govt من 74.583 إلى 76.079، وهو ما يُشكّل استعادة لمُعظم الخسائر منذ حادثة قبرشمون الأليمة (77.563)!

على كل، الحكومة أصبحت تحت رقابة الأسواق التي وضعتها ووضعت جدّيتها تحت التجربة وستحكم عليها من خلال تطبيق هذه الخطوات. ويُمكن القول إن هذه هي الخرطوشة الأخيرة للحكومة لأن الفشل في تطبيق الإجراءات يعني ضربة قاسية على المالية العامّة خصوصًا من باب الأسواق المالية!

سلامة أفضل حاكم في العالم للمرّة الرابعة

شهد نهار البارحة إصدار نتائج التصنيف السنوي لحكام المصارف المركزية في العالم والذي تُجريه مجلّة «Global Finance»، وتمّ تصنيف حاكم مصرف لبنان رياض سلامة في المرتبة الأولى (A) من بين 94 حاكم مصرف مركزي في العالم. هذا التصنيف الذي يأتي للمرّة الرابعة، هو اعتراف دولي برجلٍ استطاع إتمام المهام المطلوبة منه وعلى رأسها الحفاظ على الثبات النقدي، في حين أن بعض «الصغار» لا يتوارون عن مهاجمته لغاية ما في نفس يعقوب! على كل الأحوال وهذا الأهمّ، أقرّ المُجتمعون في اجتماع بعبدا المالي والاقتصادي البارحة بأهمّية الحفاظ على الثبات النقدّي كما قام ويقوم به سلامة منذ أكثر من عقدين وهذا أيضا هو كاعتراف من المكونات الأساسية في لبنان بصوابية وفعالية السياسة النقدية.

Print Friendly, PDF & Email
مصدر الديار الجريدة

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More