بروفسور جاسم عجاقة
باحث في الفيزياء النووية والإقتصاد

الرقابة على المصارف وتأثيرها على أرباحها

يُعتبر النظام المصرفي اللبناني من أكثر الأنظمة المصرفية الخاضعة للراقبة في العالم مما جعل المصارف اللبنانية تتفادى العديد من الأزمات التي عصفت بنظيراتها العالمية. وهنا يُطرح السؤال عما إذا كان لهذه الراقبة من تأثير على أرباح المصارف؟

يُعرّف العديد من الإقتصاديين المصارف على أنها المؤسسات التي تتمتّع بحصرية تلقّي الودائع وإعطاء القروض، إلا أن هذا التعريف لا يشملّ إلا جزء من عمل المصارف ولا يُمثّل نشاطها الفعلي وبالتالي نُعطي التعريف التالي: ” المصارف هي  مؤسسات تهدف إلى تمويل الإقتصاد من خلال حصرية تلقي الودائع وإعطاء القروض، وإدارة المخاطر الناجمة عن هذا النشاط”. وهذا التعريف يُمكن طرحه بطريقة مختلفة عبر القول أن “عمل المصارف هو إدارة المخاطر الناجمة عن تمويل العمليات الإقتصادية”. إذًا يظهر من التعريف الذي أعطيناه أن إدارة مخاطر المصرف هي عمله الأساسي.
تُعرّف المخاطر بأنها الخسائر التي قد يتكبدّها المصرف جراء حدوث حدث مُعيّن مثل توقّف عميل عن دفع سندات القرض،  إحتراق مبنى المصرف، توقّف أجهزة الحاسوب عن العمل، عملية إختلاس من موظّف، عمل إرهابي… وعادة تُقسّم هذه المخاطر إلى فئات: مخاطر الإئتمان، مخاطر الأسواق، المخاطر التشغيلية، المخاطر القانونية، المخاطر التجارية، المخاطر السياسية… وهذه المخاطر تفرض على المصرف التمتّع بالمهارات اللازمة لإحتوائها قبل حصولها حفاظًا على أموالها ولكن أيضًا والأهم الحفاظ على أموال المودعين.
دور المصارف في الإقتصاد هو دور أساسي، فكما ذكرنا أعلاه هذه المصارف تُموّل الإقتصاد بشقيّه الإستثماري والإستهلاكي. وأي تعثّر لمصرف قد يُطيح بالمنظومة المصرفية كلها (Risque Systémique-Effet Domino) نظرًا إلى تشابك عمليات الإقتراض بين المصارف، مما يعني أنه قد يُطيح بكل الإقتصاد. من هذا المُنطلق، تأتي السلطات الرقابية للتتأكدّ من خلال الرقابة التي تقوم بها على نشاطات المصارف من أن هذه الأخيرة قامت بكل الإجراءات الوقائية لتفادي هذه المخاطر.
الرقابة على المصارف في لبنان يقوم بها مصرف لبنان بمساعدة ثلاثة هيئات مُستقلّة يرأسها حاكم مصرف لبنان رياض سلامة: لجنة الرقابة على المصارف (للنشاطات المُتعلّقة بقانون النقد والتسليف)، هيئة الأسواق المالية (للنشاطات المُـتعلّقة بالأسواق المالية) وهيئة التحقيق الخاصة (لمكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، وحديثًا لمكافحة الفساد).
هذه الهيئات الرقابية تفرض عبئًا ماليًا كبيرًا على المصارف التي لا خيار أمامها إلا الإمتثال لقرارات الهيئات تحت طائلة سحب رخصتها. وبالتالي هناك كلفة عالية على المصارف نتيجة هذا العمل الرقابي آتية من الهيكلية التنظيمية التي تفرضها هذه الهيئات على المصارف (نكتفي بذكر ما هو خاص بالمصارف):
أولًا – وحدة المخاطر: تهتمّ بإدارة مخاطر الإئتمان، مخاطر الأسواق، والمخاطر التشغيلية؛
ثانيًا – وحدة الإمتثال: والتي تهتمّ بإلتزام المصرف بالقوانين والتعاميم المرعية الإجراء على صعيد المحسابة، على صعيد مُكافحة تبيض الأموال وتمويل الإرهاب، على الصعيد القانوني، على الصعيد التنظيمي والتشغيلي للمصرف؛
ثالثًا – وحدة التدقيق الداخلي: والتي تهتم بالرقابة على عمل الوحدتين السابقتين؛
رابعًا – إضافة إلى هذه الوحدات، هناك وظائف بمهام مُحدّدة يتوجّب أن تكون موجودة في المصرف مثل المدير العام، مدير القطع، المدير المالي، المُحاسب، مدير المعلوماتية… وكل هذه المراكز مفروض عليها عبور إمتحانات خاصة للتأكدّ من إمتلاك الأشخاص المهارات اللازمة (ESA Exams).
خامسًا – وكعنصر راقبي إضافي، هناك مجلس الإدارة للمصرف واللجان المُنبثقة عنه وتشمل لجنة المخاطر، لجنة التدقيق، لجنة الإمتثال، لجنة الإستثمارات… كل هذا يدخل في ظل الحوكمة الرشيدة التي يفرضها مصرف لبنان مباشرة على المصارف أو من خلال الهيئات الرقابية.

في الواقع العمل الرقابي الذي يقوم به مصرف لبنان والهيئات الثلاث لا يقتصر على ما تمّ ذكره، بل يدخل في الشق العملاني من خلال وضع قيود على عمل المصارف. فهناك عمليات لا يُمكن للمصارف القيام بها (مثال التعامل مع مصرف مراسل لا يستوفي الشروط التي وضعها مصرف لبنان أو نسبة السيولة الواجب الحفاظ عليها في المصرف…) منعًا للمخاطر التي قدّ تؤدّي إلى خسائر على المودعين وعلى المصرف وتؤدّي إلى زعزعة القطاع المصرفي.
وقد يصدر عن مصرف لبنان في بعض الأحيان تعاميم تمنع على المصارف بعض النشاطات المُحدّدة على مثال التعميم الذي صدر عن مصرف لبنان قبل الأزمة المالية العالمية في العام 2008 والذي منع هذه المصارف من الإستثمار في أدوات الـ Subprimes. في الواقع هذا التعميم بالتحديد هو ما حمى القطاع المصرفي اللبناني من الإنهيار على غرار المصارف الأميركية والأوروبية. أيضًا يُمكن ذكر تعميم مصرف لبنان والذي يمنع على المصارف الإستثمار في تركيا على آمد طويل وهذا أيضًا حمى المصارف اللبنانية من خسائر كبيرة كانت لتكون كارثية لو لم يصدر التعميم.

من كل ما تقدّم، نرى أن مصرف لبنان (وهيئاته الرقابية) يُقلّل من مخاطر المصارف على حساب أرباحها (نظريًا) بحكم الكلفة الناتجة عن الهيكلية التنظيمية ولكن أيضًا نتيجة منع المصارف من الإستفادة من بعض الفرص الإقتصادية التي كانت لتزيد من أرباح المصارف بشكل ملحوظ. فهل لمصرف لبنان الحق في لجم أرباح المصارف؟
نعم يحق لمصرف لبنان لجم أرباح المصارف نظرًا إلى أن الأمر يتعلّق بمخاطر لا تطال المصارف وحدها، بل تمتدّ إلى المودعين وتصل إلى الإقتصاد اللبناني. وقد أظهر التاريخ صوابية قرارات رياض سلامة في لجم شهية المصارف على المخاطر على مثال الأزمة المالية العالمية التي قضت على أكبر المصارف العالمية ولم تستطع النيل من المصارف اللبنانية.
في الواقع، إن لجم شهية المصارف على المخاطر هو أمر أكثر من ضروري، أضف إلى ذلك سياسة رياض سلامة الإحترازية التي أدّت إلى إرتقاء مستوى المصارف اللبنانية إلى مستوى نظيراتها الغربية وهذا كان له مفعول إيجابي على أرباحها التي إزدادت مع الوقت مع إزدياد الثقة العالمية بالقطاع وتجنّب خسائر عديدة.

من هنا نرى أن الرقابة المُشدّدة التي يقوم بها مصرف لبنان على المصارف التجارية تؤدّي إلى رفع أرباح المصارف على عكس الإستنتاج الأوّلي وذلك بحكم الثقة العالية التي فرضها أداء هذا القطاع وإلتزامه المعايير والقوانين الدولية كما يُثبته وجود المصارف اللبنانية في التصنيف العالمي لأول 1000 مصرف في العالم.

رابط النهار

Print Friendly, PDF & Email

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More