بروفسور جاسم عجاقة
باحث في الفيزياء النووية والإقتصاد

الخروج من الأزمة الإقتصادية يتطّلب حكومة إختصاصيين وقضاء مُستقلّ

آن الآوان لتخفيف الإستيراد لصالح الإستثمار في صناعات وزراعات محلّية

الديار | بروفسور جاسم عجاقة

الأزمة مُستمرّة وبدأت تأخذ أبعادًا جديدة مع دخول الإحتجاجات الشعبية يومها السادس والعشرون، فقد بدأت الثقة تتراجع بشكلٍ ملحوظ مع ظهور التعقديات السياسية التي تواجه التكليف والتأليف.

في الواقع الثقة هي العمود الفقرة للإقتصاد وبدون هذه الثقة لا يُمكن بأي شكل من الأشكال الخروج من هذه الأزمة. هذه الثقة تستند إلى ستّة مكوّنات تُعتبر أساسية في تكوينها: الثبات الأمني، الثبات السياسي، تداول السلّطة، قضاء مُستقلّ، قوانين عصرية (بما فيها قانون الموازنة) ومكافحة الفساد. كل الإقتصادات المُتطوّرة تتمتّع بهذه الميّزات التي تُعتبر عامل جذب للإستثمارات (وقود الإقتصاد). من هذا المُنطلق، يتوجّب علينا في لبنان العمل على إرساء هذه الميّزات للنهوض بالإقتصاد.

الأضرار الناتجة عن الأزمة الحالية تفرض التصرّف سريعًا وبالتالي هناك إجراءين ضرورين في حالة لبنان لإستعادة جزء كبير من هذه الثقة:

الأوّل هو تشكيل حكومة إختصاصيين سريعًا وذلك بهدف تسريع عملية تطبيق الإجراءات (Operational & Expert) في الفترة القادمة نظرًا إلى عامل الوقت الذي ينفذ. وما يُساعد فعليًا على هذا الصعيد هو تحديد مهام هذه الحكومة مُسبقًا من خلال بيانها الوزاري والذي يفرض أن يكون هناك 3 مهام مُحدّدة: إجراءات مالية لإمتصاص تداعيات الإحتجاجات وتدارك الإستحقاقات القادمة (منها إقرار موازنة العام 2020)؛ إجراءات إقتصادية بهدف لجم الإستيراد وتشجيع الصناعة والزراعة المحلّية؛ وإجراءات إدارية لمكافحة الفساد خصوصًا على مرفأ بيروت، الكهرباء، التهرّب الضريبي، الأملاك العمومية وغيّرها. هذه المهام بالإضافة إلى الأعمال الروتينية، تُشكل أساس عمل هذه الحكومة.

الثاني هو تشريعي وينصّ على إستقلالية القضاء من خلال قانون يُقرّه مجلس النواب وينص على ثلاثة نقاط أساسية: تعيين القضاة من قبل الجهاز القضائي نفسه من دون أي تدخّل من قبل السلطة التنفيذية؛ تعيين الجهاز الإداري من قبل القضاة أنفسهم؛ وإعطاء إستقلالية مالية للقضاء. هذه النقاط الثلاث هي نقاط أساسية لأنها ستُرسي الثقة بالقضاء الذي يُعتبر الحارس الأساسي للّعبة الإقتصادية والوحيد الذي يضّمن مبدأ “قدّسية الملكية”.

هذين الإجراءين هما العامودين الأساسيين للخروج من الأزمة الحالية التي تعصف بلبنان خصوصًا بعد أن كسر المُحتجّون حاجز الخوف وقالوا على العلن كل ما كان يُقال في الأروقة مما يعني أن تشكيل الحكومة وحده لن يكون كافيًا نظرًا إلى أهمّية المحاسبة التي يُطالب بها المُحتجّون.

الوقت المطلوب للقيام بهذين الإجراءين لا يجب أن يتعدّى الأسبوع بين بدء الإستشارات المُلزمة وأخذ الثقة من المجّلس النيابي بالتوازي مع التصويت على قانون إستقلالية القضاء.

البعض قدّ يقول أن هناك تناسي للمُشكلة السياسية والتطّمينات التي يُطالب بها بعض شركاء الوطن. بإعتقادنا أن تجربة 7 أيّار كانت آليمة وشكّلت درسًا تعلّمه اللبنانيون جيدًا.

من جهة أخرى يبقى الطلب على الدولار في الأسواق مُرتفعًا خصوصًا مع التضييق على العمليات بالدولار الأميركي والناتجة بشكل أساسي من مخاوف المصارف من الهلع الذي يقود سلوك المودعين. في الواقع المُشكلة الحقيقية تتمثّل بحجم الدولارات المطلوب لتمويل عمليات الإستيراد!

في لبنان كلّ شيء مُستوّرد! حتى ما هو مُصنّع في لبنان، يقوم الصناعيون بإستيراد مواده الأوّلية. إلا أن الفارق الأساسي بين الإستيراد للإستهلاك والإستيراد للتصنيع، هو أن الكلفة في حال التصنيع تبقى أقلّ مما يعني ضغط أقلّ على الدولارات. مثلًا صناعة الذهب في لبنان، يستوّرد لبنان الكثير من الذهب بهدف التصنيع الذي يُعادّ تصديره مُصنّعًا إلى دول أخرى مثل جنوب أفريقيا وحتى أنه يحتلّ المرتبة الأولى في الصادرات. إذًا لماذا لا يتمّ تنصيع أوّل خمسين مُنتج يستوردهم لبنان بهدف الإستهلاك؟

العديد مما يستوّرده لبنان من السلع والبضائع هو بهدف الإستهلاك منه ما هو مواد أوّلية مثل النفط. على هذا الصعيد، لا شيء يمّنع لبنان من إنشاء مصافي تكرير في طرابلس والزهراني لإستيراد النفط الخام وتكريره في لبنان. هذا الأمر سيسمح بخفض كلفة الفاتورة الحرارية على الإقتصاد اللبناني كما أنّه من المُمكن أن يتمّ إنشاء معامل لتسييل الغاز خصوصًا إذا ما دخل لبنان نادي الدوّل المُنتجة للغاز الطبيعي.

أيضًا يُمكن إعطاء مثال الألبسة والأحذية التي يستوّرد منها لبنان بكمّيات كبيرة. لماذا لا يتمّ بناء معامل لتصنيعها محلّيًا خصوصًا أنه مع التقدّم التكنولوجي، لم يعد صعبًا القيام بهذا الأمر! أيضًا يُمكن ذكر إستيراد الأبقار الحيّة والدواجن واللحوم التي يفوق إستيرادها الـ 580 مليون دولار أميركي سنويًا.

في الواقع التبرير الإقتصادي لهذا الأمر هو أن كلفة تأمين الدولارات لهذا الإستيراد أصبحت كبيرة وهي كلفة لم يعد يستطيع مصرف لبنان تحمّلها نظرًا إلى تردّي المالية العامّة التي رفعت من كلفة الحصول على الدولارات وبالتالي فإن الإستمرار في الإستيراد هو إنتحار مالي واضح، خصوصًا أن التجارة في علم الإقتصاد هي ذات قيمة مُضافة منخفضة نسبة إلى القيمة المضافة للقطاع الأوّلي والثانوي.

الفكرة هي أن يستفيد التجار الذين يستوردون بكمّيات كبيرة من الواقع الحالي لإنشاء مصانع ومعامل لتصنيع هذه السلع والبضائع في لبنان. وهنا يُمكنهم الإستفادة من الدولارات لشراء المعامل والبدء بالتصنيع وذلك في فترات وجيزة على أن تقوم الحكومة اللبنانية من جهتها بتأمين مناطق صناعية بكلفة إيجار مُخفّضة مع تحفيز ضريبي كبير ورفع الرسوم على كل الإستيراد على السلع والبضائع التي لها مثيل في لبنان. وبما أن الطلب موجود في السوق اللبناني، فإن المخاطر التي يتحمّلها المُستثمر لن تكون مرتفعة وبالتالي هو يؤمّن ديمومة لعمله وللإقتصاد اللبناني من خلال توظيف لبنانيين والعمل على رفع التنافسية على البضائع بهدف التصدير.

يمتلك لبنان المقومات الكاملة للعمل على النهوض الإقتصادي، وجلّ ما يتطلّبه الأمر هو بعض القرارات العملية من إنشاء حكومة، إعطاء القضاء إستقلاليته، مكافحة الفساد، إنشاء معامل لتصنيع السلع والبضائع، تشجيع الزراعة وغيرها من الأمور التي تُعيد لبلد الأرز مكانته التي يستحقّها.

Print Friendly, PDF & Email

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More