بروفسور جاسم عجاقة
باحث في الفيزياء النووية والإقتصاد

التعيينات الإدارية في دهاليز الصراع السياسي والإقتصاد مُتضرّر أول

الشرق | بروفسور جاسم عجاقة

حدّد المرسوم الإشتراعي رقم 111 الصادر في 12-6-1959 تنظيم الإدارات العامّة حيث تمّ تنظيم الإدارات وتقسيمها إداريًا مع الملاكات. وتمّ تعديل هذا المرسوم الإشتراعي لاحقًا بقوانين ومراسيم (مرسوم 10819 تاريخ 9-10-1962، مرسوم 3210 تاريخ 15-5-1972، مرسوم رقم 58 تاريخ 15-12-1982، قانون رقم 247 الصادر في 7-8-2000). لكن أيًا من هذه القوانين أو المراسيم لم تُحدّد آلية واضحة لتعيينات الفئة الأولى بإستثناء أن يكون من الملاك الإداري.

ككل المُجتمعات في العالم، تسعى القوى السياسية من خلال الأحزاب إلى السيطرة على السلطة. ولكن الفارق الأساسي أنه في لبنان تتشارك القوى السياسية السلطة في ما بينها منذ نهاية الحرب الأهلية وهذا ما يجعل الحكومة والموظفين في الدوّلة صورة عن المجلس النيابي.

الأعراف هي التي سادت بعض إنتهاء الحرب الأهلية حيث أخذت القوى السياسية بتعيّن موظفين محسوبين عليها وأتت الكفاءات لتحتلّ الدرجة الثانية في آلية إختيار المرشّحين. هذا الأمر جعل من بعض المديريات حكرًا على طائفة و/أو حزب مُعين مع بعض الإستثناءات.

في الواقع غياب آلية واضحة لإختيار موظفي الفئة الأولى يجعل من عملية التعيين رهينة المزاج السياسي وبالتالي فإن توافق الأفرقاء السياسيين يؤدّي إلى إجراء التعيينات بشكل سريع كما حصل في العديد منها سابقًا، في حين أن خلاف القوى السياسي يؤدّي حكمًا إلى تعطيل التعيينات وخلق ما يُسمّى «موظّف بالإنابة» أو «موظّف غير أصيل».

 

وما يؤجّج الوضع أكثر ويجعله عرضة للمحسوبيات السياسية هو نص المادّة 95 في مشروع موازنة العام 2019 (تنظيم مسألة الموضعين بالتصرف وإجازة إستثنائية لتخطّي العدد القانوني لموظفي الفئة الأولى المعينين من خارج الملاك) حيث نصّت المادة على :

«… وبصورة إستثنائية ولمرّة واحدة، يعتبر كل من تم تعيينه في وظائف الفئة الأولى من خارج الملاك الإداري العام وأمضى في الخدمة فترة تزيد عن عشر سنوات، من عداد موظفي الفئة الأولى المعتبرين معينين من داخل الملاك على ألا يتعدى إجمالي عدد موظفي الفئة الأولى المعينين من خارج الملاك في جميع الأحوال 50% من إجمالي عدد موظفي هذه الفئة».

هذا الأمر سيُعقّد التعيينات الإدارية القادمة والتي من المُتوقّع أن تبدأ المحادثات في شأنها في الأيام والأسابيع المقبلة، بحكم أن كل فريق سيسعى إلى تعيين محازبيه أو مناصريه وهذا سيشمل بالطبع أشخاص من خارج الملاك الإداري. مما يعني أنه وإذا ما تكرّرت هذه المادة في موازنة العام 2020، سيكون كل موظفي الفئة الأولى في العام المقبل من خارج الملاك الإداري! في الواقع الصراعات السياسية القائمة وإنسحاب الصراعات الإقليمية على الصراعات السياسية الداخلية ستجعل من التعيينات عميلة صعبة قد تأخذ أشهرًا قبل الوصول إلى نتيجة.

توزيع الوظائف في الفئة الأولى بحسب الطوائف هو على الشكل التالي (مصدر الدولية للمعلومات): 72 وظيفة للمسيحيين (43 مارونيا، 13 روم ملكيين كاثوليك، 11 روم أرثوذكس، 3 أرمن أرثوذكس، و2 أقليات مسيحية)، و81 للمسلمين (34 سنيا، 33 شيعيا، 12 درزيا، و2 علوي).

التعيينات العسكرية والأمنية في الفئة الأولى تمّت بمعظمها وتبقى التعيينات الإدارية التي من المفروض أن تطاول العديد من المؤسسات العامة والوزرات. والصراع الذي سيدور حكمًا هو صراع على المناصفة لكن أيضًا على التوزيع بين القوى الحزبية داخل الطوائف. ويتمسّك التيار الوطني الحرّ بنص المادة 95 من الدستور والتي تنص على أنه في المرحلة الإنتقالية لتطبيق الطائف تمثل الطوائف بصورة عادلة في التعيينات في وظائف الفئة الأولى. ومن العوامل التي قدّ تدخل في عملية التعيين التشكيلات التي تتمّ في السلك القضائي والسلك الديبلوماسي ولكن أيضًا حسابات سياسية عامودية وأفقية مُعقدّة تقوم بها الإحزاب.

المشاكل التي ستعترض التعيينات لها تداعيات سلبية على العمل الإداري ولكن أيضًا على الصعيد الإقتصادي. فالمادّة السابعة من المرسوم الإشتراعي رقم 111 الصادر في 12-6-1959 حدّد صلاحيات المدير العام بإعتباره الرئيس المباشر لكل الموظفين تحت سلطة الوزير وإئتمنه على تطبيق القوانين وأخذ القرارات وتوقيع المعاملات والسهر على تنفيذ المقررات، ويعرض على الوزير المسائل التي تتعلّق بمبدأ عام ويُحضّر موازنة الوزارة ويضع المنهاج السنوي لعمل الموظفين ويراقب سير العمل ويُمكنه أن يكلف التفتيش المركزي بمهام داخل مديريته ويؤشر على مشاريع المراسيم والقرارات والمعاملات التي تعرض على الوزير… ويُمكن للوزير إذا أراد تفويض المدير العام بعض صلاحياته التي خصه بها الدستور.

إذًا ومما سبق، نرى أن منصب مدير عام في الدوّلة اللبنانية هو مفتاح لكل المعاملات التي تخصّ المديرية ودوره أساسي في العمل الداخلي للمديرية لكن أيضًا في الخدمات المُقدّمة للشركات والمواطنين. من هنا نرى أهمية كفاءة المدير العام الذي يُمكن القول أنه الأساس في حسن سير المديرية ويجب تحميله مسؤولية أي خلل فيها.

المدير العام بالإنابة أو أي وظيفة من الفئة الأولى بالإنابة لا تُعطي الموظف الذي يحتل هذا المنصب كامل الصلاحيات، وحتى على الأرض لا يُمكنه فرض نفسه وفرض تطبيق القانون وخير دليل على ذلك هو تسميته «مدير غير أصيل» أو «بالإنابة».

التداعيات الإقتصادية شبه تلقائية بحكم أن الدوّلة اللبنانية تؤمّن الخدمات العامّة التي تتعلّق بالنشاط الإقتصادي (ترخيص، معاملات إدارية….). ويأتي التأخير في التعيينات لإيصال موظفين أصيلين ليُضعف مستوى الخدمات المُقدّمة إلى الماكينة الإقتصادية كما وعلى الصعيد الداخلي لأن الشخص الذي يحتل المنصب حاليًا ليس بأكيد بقائه في منصبه.

أيضًا يُعتبر القيام بالتعيينات عمل من أعمال تداول السلطة وهو مبدأ تقوم عليه ثقة المستهلك والمُستثمر. وبالتالي هناك ضرورة لإجراء التعيينات في أسرع وقت مع الأخذ بعين الإعتبار مبدأ المداورة لما في ذلك من شفافية في العمل الإداري.

Print Friendly, PDF & Email
مصدر الشرق الجريدة

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More