بروفسور جاسم عجاقة
باحث في الفيزياء النووية والإقتصاد

التخبّط السياسي والفساد عقبتان أمام ورقة بعبدا المالية

الفساد يتركّز في الكهرباء، الجمارك والأملاك البحرية والنهرية

الديار | بروفسور جاسم عجاقة

يحرص رئيس الجمهورية العماد ميشال عون على الدفع بإتجاه تنفيذ مقرارات ورقة بعبدا المالية والإقتصادية والإجتماعية، وهذا الأمر واضح من خلال وتيرة الإجتماعات التي يرأسها للبحث في هذا الموضوع وأخرها لقاء بعبدا مع رؤساء الأحزاب والكتل النيابية في الثاني من أيلول. هذا اللقاء وعلى الرغم من عدم وجود إطار دستوري له، سعى من خلاله الرئيس عون إلى أخذ غطاء سياسي للإجراءات الموجودة في ورقة بعبدا المالية والإقتصادية خصوصًا أن تعديلات إتفاق الطائف الدستورية جعلت القرار الوطني بالدرجة الأولى قرارًا توافقيًا مع خلق مفاهيم جديدة مثل «ميثاقية القرارات» وحديثًا مفهوم «عدم الإستئثار في التمثيل» ضمن الطائفة الواحدة. الجدير ذكره أن إجتماع بعبدا المالي الإقتصادي مع رؤساء الأحزاب والكتل النيابية، يسمح لرئيس الجمهورية بتسمية المُعطّلين لتنفيذ هذه الإجراءات لاحقًا.

الإجراءات الموجودة في ورقة بعبدا المالية والإقتصادية والتي لا تُصبح مقرارات إلا بعد أخذ موافقة مجلس الوزراء ومجلس النواب (للقوانين) عليها، تمحورت حول أربعة محاور: تصحيح مالية الدوّلة، دفع النمو الإقتصادي، تصحيح الخلل في الحساب الجاري، وتدعيم الأمان الإجتماعي. هذه الإجراءات وعلى الرغم من شموليتها، تواجه عقبتين أساسييتين: الأولى التخبّط السياسي الذي يُعطّل القرارات الإقتصادية والمالية، والثانية الفساد الذي تحميه المحاصصة السياسية.

الفساد مُسشترٍ في كل إدارات ومؤسسات الدوّلة اللبنانية حيث يلعب القطاع الخاص دور الشريك الأساسي. ويربط الفساد بالنشاط الإقتصادي علاقة وثيقة أدّت على مرّ العقود إلى ضرب المالية العامّة وتآكل الماكينة الإقتصادية وزيادة مستويات الفقر في لبنان. وبالتالي تُعتبر محاربة الفقر العنصر الأساسي لرفاهية المُجتمع وعاملاً مصيرياً في نجاح السياسات الإنمائية. وتنصّ الدراسات على أن مؤشّر تفشي الفساد يتلخص في ثلاثة مؤشرات هي وضع المالية العامّة، مستوى الفقر، ومستوى الخدمات العامّة.

وإذا ما إستخدمنا نظرية الـ Principal-Agent لتشريح العلاقة بين الفساد والإقتصاد، نرى أن لبنان يقع في خانة سيطرة الطلب (لاعب من القطاع العام) على العرض (لاعب من القطاع الخاص) أو ما يُعرف بالـ Cleptocraties. إذ نرى أن هناك نوعاً من الإبتزاز يُمارس من قبل القطاع العام على القطاع الخاص الذي لا كلمة له في حجم الرشوة.

كما نُلاحظ أيضًا المنافسة الكبيرة بين لاعبي القطاع الخاص لدفع الرشاوى للقطاع العام. وهذا الأمر يتجسّد بالإحتكارات التي تطال القطاعات الإقتصادية (وبالتحديد التجارية منها) حيث يتمّ إستخدام إستراتيجية «إلغاء المنافسين» الذين يتواجدون في حال ضعف نسبة للقطاع العام! على كلٍ، يُعتبر هذا النوع من الفساد الأكثر سوءًا ويُطلق عليه إسم «الفساد المُستشري» حيث له مفاعيل سلبية على المجتمع من النواحي المالية (خزينة الدولة)، توزيع الثروات (زيادة الفقر، هدر حقوق الإنسان)، الإقتصادية (تآكل الماكينة الإقتصادية). الجدير ذكره أن الفساد يضرب اللعبة الإقتصادية بالكامل من ناحية ضرب مبدأ »التساوي في المعلومات والحظوظ« وهذا الأمر يجعل توزيع الثروات الناتجة عن النشاط الإقتصادي محصورة في قلّة من الأشخاص في المُجتمع مما يضرب العدالة الإجتماعية ويزيد من الفقر خصوصًا بين الفئات الضعيفة في هذا المُجتمع. وتعتبر النظرية أنه في حالة الفساد هذه في دول في طور النمو، يسعى الأغنياء ورجال الأعمال في القطاع الخاص للحصول على مناصب عامّة بهدف الحفاظ على ثرواتهم الشخصية وتفادي الإبتزاز من القطاع العام.

إذا كما وسبق الذكر التداعيات كثيرة ولكن التداعيات الأكثر ضررًا على المالية العامّة في لبنان تتواجد في ثلاثة قطاعات رئيسية هي الكهرباء، الجمارك، والأملاك البحرية والنهرية. وهذا الأمر يؤدّي حكمًا إلى زيادة الضرر على المواطن إجتماعيًا من خلال فرض الضرائب الذي يُصبح إلزاميًا لسدّ حاجة الدوّلة إلى الأموال مما يزيد من الفقرالذي قدّ يؤسّس لثورة إجتماعية في لبنان إذا لم يتمّ القيام بإصلاحات لمكافحة الفساد.

} الكهرباء }

بلغ عجز الكهرباء التراكمي منذ العام 1992 وحتى أخر 2019، 40 مليار دولار مُقسّمة ما بين 23.8 مليار دولار أميركي تحويلات من خزينة الدوّلة إلى مؤسسة كهرباء لبنان، و16.2 مليار دولار أميركي فوائد بمعدّل 6.8% سنويًا.

ويُمثّل هذا الرقم ما يوازي الـ 45% من إجمالي الدين العام في العام 2019 والمتوقّع أن يبلغ 90 مليار دولار أميركي.

والسؤال البديهي الذي يطرحه المواطن: أين ذهبت هذه الأموال مع الخدمة السيئة التي يحصل عليها المواطن اللبناني اليوم؟ خصوصًا أنه إضافة إلى تحاويل خزينة الدّولة البالغة ما يقارب الملياري دولار أميركي سنويًا، هناك مليار دولار أميركي تذهب إلى المولدات الخاصة التي تؤمّن ما تؤمّنه الدوّلة من ساعات خدمة تقريبًا.

في الواقع يبقى الفيول هو السبب الأساسي مع كلفة تبلغ 65% من إجمالي كلفة إنتاج الكيلوات الواحد بحسب تقرير وزارة الطاقة الصادر في العام 2010.

لماذا لا تقوم الدوّلة بتشكيل فرقة خاصة من القوى الأمنية برئاسة أحد القضاة للرقابة على أعمال شركة كهرباء لبنان؟ ألا يُشكّل هذا الإجراء إثباتاً ملموساً على نية الدوّلة مكافحة الفساد في قطاع الكهرباء؟

} الجمارك }

كيف يُمكن تبرير أن الإستيراد يبلغ 20 مليار دولار أميركي في حين أن مداخيل الجمارك لا يتعدّى الـ 482 مليون دولار أميركي (أرقام البنك الدولي)؟

كيف يُمكن تبرير عدم وضع «سكانر» على المرفأ لفحص آلالاف من الكونتينرات المتوافدة إلى مرفأ بيروت يوميًا؟

كيف يُمكن تبرير أنه حين كان يصل إلى مرفأ بيروت 100 «كونتينر»، كان عدد الكشافين في ملاك الجمارك 28 واليوم ومع وصول 15000 «كونتينر» إلى مرفأ بيروت، يبلغ عدد الكشافين الفعلي في الملاك 12؟

أسئلة يحقّ للمواطن أن يطرحها خصوصًا مع الفضائح التي تنتشر يوميًا في وسائل الإعلام على مثال فضيحة أول العام 2019 حيث تمّ رصد العديد من المخالفات لمكاتب تخليص معاملات التي تستخدم بيانات جمركية مزدوجة لنفس البضائع بهدف التحايل على خزينة الدوّلة، أو المطالعة القانونية للوزير سليم جريصاتي عن مرفأ بيروت وإدارته، أو تصريحات الوزير السابق فادي عبود الذي هاجم إدارة مرفأ بيروت الذي حوّل خلال 17 عامًا مبلغ مليار دولار أميركي إلى خزينة الدوّلة في حين أن مدخول المرفأ السنوي لا يقلّ عن 700 مليون دولار أميركي.

على كل تقديراتنا للتهريب الجمّركي تفوق الـ 1.5 مليار دولار أميركي سنويًا وكل حديث مُغاير بحاجة إلى إثبات لأن أرقام البنك الدوّلي جازمة: مداخيل الجمارك في العام 2017 لا تُشكّل إلا 2.4% من قيمة الإستيراد الإجمالي أي أنها بعيدة عما صرّح به بعض المسؤولين ما بين 5 و6% من إجمالي الإستيراد. وهنا نطرح السؤال أين يذهب الباقي؟

بالطبع يتوجّب القول أن مرفأ بيروت يُشكّل عنصراً أساسياً في التبادل التجاري للبنان مع العالم مع 70% من إجمالي التبادل، لذا نطرح السؤال: لماذا لا يتمّ تشكيل وحدة خاصة من الجمارك والجيش تضمّ 100 عنصر وتحت إشراف أحد القضاة لمراقبة مرفأ بيروت؟ ألا يُشكّل هذا الإجراء إثباتاً ملموساً على نية الدوّلة مكافحة الفساد على مرفأ بيروت؟

الأملاك البحرية، النهرية وسكك الحديد

تقديراتنا تقول أن أكثر من 30 مليون متر مربّع من الأملاك التابعة للدوّلة تمّ وضع اليدّ عليها من قبل مواطنين وأصحاب نفوذ وموزّعة بين 5 مليون متر مربّع أملاك بحرية، 25 مليون متر مربّع أملاك نهرية، و500 ألف متر مربّع أراضٍ تابعة للسكك الحديد. واليوم يدخل خزينة الدوّلة من هذه الأراضي ما يوازي 150 مليار ليرة لبنانية (ما يقارب الـ 100 مليون دولار أميركي) بحسب تصريح وزير المال. وبفرضية أن الدوّلة وضعت 100 دولار أميركي بدل إشغال سنوي على المتر المربّع (دون إعطاء أي حق قانوني للمشغّلين)، نرى أن هناك ما لا يقلّ عن 3 مليار دولار أميركي مداخيل تذهب من أمام الخزينة اللبنانية.

لماذا لا يتمّ تشكيل فرقة خاصة برئاسة قاض و100 عنصر من القوى الأمنية لإحصاء هذه الأملاك وجلب ما هو للدوّلة من مستحقات؟ ألا يُشكّل هذا الإجراء إثباتاً ملموساً على نية الدوّلة مكافحة الفساد في هذا القطاع؟ وهنا نستشهد بقول لوزير المال علي حسن خليل لنقول: «ما للدوّلة يجب أن يكون للدوّلة».

إذًا ومما تقدّم نرى أن مُشكلة لبنان تبقى في التخبّط السياسي الذي يمنع أي قرار إقتصادي أو مالي أو إداري، والفساد الذي تحميه المحاصصات. فهل يأخذ رجال الدوّلة بعين الإعتبار الإجراءات التي طرحناها أعلاه ويُشكّلون وحدات رقابة؟ في الواقع ، لأنها ستكون الخطوة الأولى نحو إستعادة سيادة الدوّلة المالية على أراضيها والأهم إستعادة هيبة المؤسسات العامّة.

Print Friendly, PDF & Email
مصدر الديار الجريدة

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More