بروفسور جاسم عجاقة
باحث في الفيزياء النووية والإقتصاد

الأزمة تتفاقم وتؤثّر على سوق السندات.. الإصدار إلى التأجيل والليرة مُستقرّة

النهار | موريس متّى

دخلت الإحتجاجات الشعبية يومها الثالث عشر من بوادر حلحلة، سواء لجهة تلبية مطالب المُتظاهرين أو إنسحاب هؤلاء من الساحات وفتح الطرق.

هذا الواقع المأزوم يُرتب تداعيات كبيرة على الإقتصاد اللبناني، ولكن أيضًا على المالية العامّة. فالخسارة اليومية لكل يوم إضراب تتراوح بين 180 و214 مليون دولار أميركي إستنادًا إلى بعض التقديرات الإقتصادية والمالية، منها 14.5% مداخيل للخزينة العامّة كضرائب على النشاط الإقتصادي.

وقد تأثرت سوق سندات الخزينة اللبنانية نتيجة حالة الشلّل التي تضرب الإقتصاد، وبالتالي المالية العامّة. فقد تراجعت أسعار سندات الخزينة اليوروبوند في سوق لندن للسندات من 71.375 نقطة أساس عند بدء الإحتجاجات في 17/10/2019 إلى 60.834 نقطة أساس عند الإقفال يوم الجمّعة الماضية أي بنسبة 14.77%، وهو ما يدّفع إلى طرح أسئلة كثيرة حول مصير الإصدار الذي تنوي وزارة المال إطلاقه هذا الأسبوع.

وفي هذا السياق يُشير الباحث الإقتصادي البروفسور جاسم عجاقة إلى أن “إنخفاض أسعار سندات الخزينة (إستحقاق 5 سنوات)، يعود إلى أن الأسواق حكمت على أداء الحكومة وقدّرتها على سدّ إستحقاقاتها، وهو ما يتمّ في أسواق سندات الخزينة، وهذا ما يحصل اليوم”. ويُضيف “الأزمة التي تعصف بلبنان تُلقي بظلالها على المالية العامّة، والأسواق تعرف سلفًا أن هذه الإحتجاجات ستؤثّر حكمًا على مداخيل الخزينة، أي على العجز في نهاية العام 2019، وإستمرارها على هذا النحوّ سيؤدّي حكمًا إلى خسائر أكبر، وبالتالي على ملاءة الدوّلة المالية”. ويقول “إستحقاق شهر تشرين الثاني القادم، تمّ تأمينه من قبل مصرف لبنان، وإلا لشهدنا إنحفاضًا أكبر في سوق السندات”.

في كل الأحوال، هذا الواقع يؤثّر حكمًا على إصدار سندات الخزينة المُخطّط لها هذا الأسبوع من وزارة المال. وتُشير مصادر وزير المال علي حسن خليل لجريدة “النهار” إلى أن الوزارة قامت بتأجيل هذا الإصدار أيامًا نتيجة الأوضاع المُستجدّة.

وعلى هذا الصعيد يقول عجاقة أن الإصدار اليوم هو أمر غير عقلاني ويتوجّب تأجيله لأن الأسواق المالية تعيش على وتيرة الشائعات والتحاليل في ظلّ غياب إطار واضح لحلّ الأزمة”، متوقّعًا ألا تُلاقي هذه السندات الإقبال المطلوب في الأسواق العالمية إذا ما تمّ طرحها اليوم، “وبالتالي سيكون الإكتتاب من نصيب المصارف اللبنانية، وهو أمر غير صحّي في ظل الضغوطات الدوّلية لإجراء إصلاحات مالية وفي ظل طلب صندوق النقد الدوّلي في تقريره في آب الماضي تحييد مصرف لبنان عن سندات الخزينة.

امّا في ما يخصّ قدرة مصرف لبنان على الدفاع عن الليرة اللبنانية في ظل هذه الظروف، يقول عجاقة “لا يزال مصرف لبنان يتمتّع بالقدّرة على الدفاع عن الليرة وما أطلقته بعض الوكالات عن أن الإحتياط القابل للإستخدام هو 19.2 مليار دولار أميركي هو أمر غير دقيق والرقم الصحيح هو 32 مليار دولار أميركي لأن التقييم الذي تمّ لهذا الإحتياط من قبل هذه الوكالات لم يأخذ بعين الإعتبار عدد من المعطيات، وعلى رأسها توصيات صندوق النقد الدوّلي في ما يخصّ تقييم الذهب بسعر السوق”. ومن هنا تأتي التوصيات بضرورة تأجيل هذا الإصدار تحت طائلة دفع فوائد عالية وحصر الإكتتاب محليًا، وهو ما يُمكن إعتباره فشلًا للإصدار. أمّا على صعيد المصارف، فعلى السلطة النقدية عدم إعادة فتح أبوابها قبل إنتهاء الأزمة، لأن الشائعات هي التي تقود سلوك المواطن المالي والنقدي، وبالتالي يجب منع هذا الأمر من خلال الإستمرار في إقفالها، مع تأكيد تمكّن المواطنين من سحب أموال من خلال الصراف الآلي.

عمليًا السيناريوهات المطروحة هي:

– إستمرار الأزمة على ما هي عليه وهو أمر كارثي على المالية العامّة وعلى النقد؛

– تشكيل حكومة جديدة وهو أمر مرفوض سياسيًا، ولكنه الحلّ الأمثل على الصعيد المالي والنقدي؛

– تعديل حكومي، وهو أمر قد لا يُرضي الشارع ولكنه يُشكّل حلًا وسطًا؛

– فتح الطرق بالقوّة وإعادة الحياة الإقتصادية إلى طبيعتها، وهذا الخيار له تداعيات سياسية على الدوّلة.

ويُعلّق عجاقة على هذه السيناريوهات:

“الأزمة أخذت منّحى خطيرًا مع تشدّد الشارع من جهة والطبقة السياسية من جهة أخرى. والغموض في الحلول المُمكنة يدّفعنا إلى القول أنه على الأفرقاء التحلّي بلغة العقل، لأن الثمن سيكون كبيرًا على الجميع”.

ويختم: “أداء القوى السياسية على الصعيدين الإقتصادي والمالي يتحمّل مسؤولية ما آلت إليه الأمور!”.

Print Friendly, PDF & Email
مصدر النهار

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More