بروفسور جاسم عجاقة
باحث في الفيزياء النووية والإقتصاد

الأزمة أوصلت البلد إلى المحظور.. عاصفة مالية في الأفق

تكليف هيئة التحقيق الخاصة التحقيق في ملفات الفساد، عامل إمتصاص للأزمة

الديار | بروفسور جاسم عجاقة

لا يشكّ إثنين في صعوبة الوضع الحالي الناتج عن الإحتجاجات الشعبية التي عدّلت الأجندة السياسية للعديد من القوى السياسية الفاعلة. ولا يختلف إثنين على أن مُحرّك هذه الإحتجاجات يبقى بدون أدّنى شكّ الفساد المُستشري وغياب السياسية الإقتصادية والإجتماعية على مدى عقود.

الفساد الحالي في لبنان إستمدّ قوته من الحرب الأهلية وبالتحديد بعد إتفاق الطائف الذي كرّس عدم تطبيقه، الطائفية والمذهبية بأبغض أوجهها! وأخذت القوى السياسية تسعى إلى السيطرة على مرافق الدوّلة في حرب طائفية غير مُسلّحة حلّت محل الحرب التقليدية. وأصبح الفساد محمي بمبدأ “السلم الأهلي فوق كل إعتبار”. وآتى إتفاق الدوّحة ليُضيف بُعدًا أخر للفساد تمثّل بإضافة التوافقية الحزبية (إضافة إلى التوافقية المذهبية) ليُصبح الفساد محميًا ببعدين طائفي-مذهبي وحزبي.

لا يُنكر أحد الضرر الكبير الذي خلّفه الفساد على الصعد الإقتصادية، المالية، الإدارية، الإجتماعية وحتى السياسية! عند إقتراح الوزير شقير لضريبة الـ 0.2 دولار أميركي اليومية على المكالمات الإلكترونية عبر الإنترنت، لم يكن يشكّ أيًا من الجالسين حول الطاولة في مجلس الوزراء أن ردّة فعل الشعب ستكون بهذا الحجم على إعتبار أن السلطة السياسية قادرة على فعل ما تريد والشعب لن يعترض.

نعم إنها الحقيقة المرّة، ولو كانت السلطة السياسية واعية لهذا الأمر، لكان منذ سنين طويلة بدأت عملية مكافحة الفساد وطبّقت سياسات إقتصادية وإجتماعية تُظهر إحترام السلطة للمواطن. لذا ما نراه اليوم من إحتجاجات هو نتاج ما زرعته القوى السياسية منذ إنتهاء الحرب الأهلية.

هناك مليوني شخص نزلوا على الطرقات، وعلى الرغم من ذلك لا بوادر لإستقالة الحكومة. ما لا يعرفه المليوني شخص أن وقف الماكينة الإقتصادية ستؤدّي إلى عاصفة مالية لن تتأخّر بالظهور وستحصد معها الأخضر واليابس بما فيها القوى السياسية. وما لا تعرفه القوى السياسية أن تعنّتها بالإبقاء على الحكومة سيؤدّي إلى نفس النتيجة! لا يُمكن البقاء بهذا الوضع لأننا ذاهبون إلى الهلاك لا محالة!!

الفساد هو الآفة التي أوصلتنا إلى ما نحن عليه، وقد أظهرت التجارب أن السلطة السياسية عاجزة عن مكافحة الفساد عملًا بالمبدأ الذي ذكرناه أعلاه. من هذا المُنطلق، لماذا لا يتمّ تكليف هيئة التحقيق الخاصة المُنشأة بموجب القانون 318/2001 التحقيق في فساد السلطة منذ العام 1992 وحتى يومنا هذا وإذا كان بمقدورها العودّة إلى العام 1975 فهذا يكون أفضل.

لهيئة التحقيق الخاصة تجربة طويلة في مكافحة الفساد في لبنان حيث قامت بملاحقة العديد من الفاسدين ووقف حساباتهم المصرفية. وقد أجاز القانون رقم 33/2008 للحكومة اللبنانية إبرام إتفاقية مكافحة الفساد UNCAC وأعطى القانون 32/2008 هيئة التحقيق الخاصة حصريًا صلاحية تجميد ورفع السرية المصرفية عن الحسابات المصرفية وذلك تطبيقًا للإتفاقيات والقوانين المُتعلّقة بمكافحة الفساد.

كما أدخل تعديل القانون 318/2001 الذي قام به مجلس النواب اللبناني في العام 2015، الفساد والتهرّب الضريبي بين الجرائم الأساسية لتبييض الأموال وتمويل الإرهاب.

البيانات المُتوفّرة تُظهر أن هيئة التحقيق الخاصة إستطاعت بين العامين 2010 و2017 من التحقيق في 23 قضية فساد داخلية تمّ التبليغ عنها من قبل الجهات المحلّية المُلزمة الإبلاغ عنها (منها المصارف) وتمّ أخذ إجراءات في هذه القضاية منها رفع السرية المصرفية وتحويل الملفات إلى القضاء. أيضًا تم التحقيق في 63 طلب مساعدة من وحدات إخبار مالية وهيئات مكافحة فساد وغيرها من دول أخرى.

في الواقع، فعّالية هيئة التحقيق الخاصة تأتي من منطلق أن قانون 318/2001 إستثناها من السرية المصرفية وبالتالي قادرة على التحقيق وشبك المعلومات لأي حساب أو حسابات تابعة لسياسيين، رجال أعمال، شركات… ومعرفة طريق الأموال مصدرها وإلى أين ذهبت حتى لو ذهبت إلى خارج لبنان إلى حسابات عادية أو مُرقّمة في دول عادية أو في جنّات ضريبية. وبحسب قانون غاتكا، فهذه الهيئة قادرة على طلب معلومات في كل البلدان عن حسابات تابعة بشكل مباشر أو غير مباشر لفاسدين في لبنان. أضف إلى ذلك أن مبادرة “Stolen Asset Recovery Initiative – StAR” بين البنك الدولي والأمم المُتحدة والتي تستند إلى إتفاقية مكافحة الفساد التي وقّع عليها لبنان في العام 22 نيسان 2009، تسمح بتوسع كبير في هذا الأمر.

الفساد آفة موجودة منذ وجود الإنسان على الأرض بحكم أن التوزيع البشري ومبدأ “المصلحة الذاتية العقلانية” يفرض نظام إجتماعي سلطوي شمولي بأغلب الأحيان مدعومًا ببعد ديني أو عرقي، يعمل على نشر مناصريه في كافة مراكز القرار وذلك بهدف خدّمة النظام ومصالحه.

البيانات التاريخية تُظهر أن اللبنانيين تجمّعوا منذ البدء في تجمّعات دينية حاربت على كل الأصعدة (عسكريًا، فكريًا…) للبقاء على قيد الحياة، وهذا أدّى إلى خلق نظام بالشكل ديموقراطي، لكن بالواقع هو نظام طائفي، مذهبي، حزبي، مناطقي… وبالتالي أصبح هناك سُلّم أولويات يختلف بحسب المجموعات، لكن العنصر المُشترك بينها يبقى بدون أدنى شك الوصول إلى السلطة. وهذا أدّى إلى خلق عوارض جانبية تُعتبر أساس الفساد منها تضارب المصالح (العامّة والخاصة) وصول أشخاص غير مؤهّلين إلى مناصب القرار (نظرية بيتر 1970)… هذه العوارض تُخالف مبدأ الإنتماء الصادق الذي نادى به بلاتون والذي ينصّ على أن الإنتماء إلى مجموعة هو إنتماء صادق نابع من عاطفة وإدراك. هذه المخالفة لنظرية بلاتون تأتي من مبدأ أن الشخص يكتشف الكمّ الهائل من المصالح التي قد يستفيد منها شخصيًا من جرّاء إنتمائه لمجموعة معيّنة، وبالتالي يبدأ الفساد بالتفشّي مُظهرًا الجانب السيء للتوزيع البشري.

اليوم لبنان دخل مرحلة خطرة جدًا مع بدء تراكم الخسائر الإقتصادية والمالية ومع إقتراب الإستحقاقات الدوّلية مثل إعادة تقييم تصنيف لبنان الإئتماني من قبل وكالات التصنيف. إن النظام القائم على الفساد لم يعد يستطيع الإستمرار وسيؤدّي إلى عاصفة مالية وإجتماعية كبيرة إذا لم يتمّ حلّ الأزمة القائمة في أسرع وقت مُمكن. الخيارات موجودة والقرار بيد السلطة السياسية !

Print Friendly, PDF & Email

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More