بروفسور جاسم عجاقة
باحث في الفيزياء النووية والإقتصاد

إقتصاد لبنان أسير إقرار الموازنة… والموازنة أسيرة قطع الحساب

الحريري يضع شروطه... لا تعيينات من دون إقرار موازنة بعجز 7.59% معركة قطع الحساب فُتحت وفضل الله للحريري «المؤسسات التي بإمرتك أكبر من الدولة»

الديار | بروفسور جاسم عجاقة

التصاريح الصادرة عن بعض المسؤولين تُشير إلى أن قطع حساب العام 2017 تمّ إقراره من قبل ديوان المحاسبة، لكن قطوعات الحساب منذ العام 1997 حتى العام 2016 (أي 20 قطع حساب) لن تكون جاهزة في منتصف تمّوز 2019 موعد إقرار الموازنة في الهيئة العامة للمجلس النيابي. هذا الأمر يطرح عدداً من الأسئلة حول المخرج القانوني الذي سيتوصل إليه المجلس النيابي خصوصا أن هناك إعتبارات سياسية مُرتبطة بكتاب «الإبراء المُستحيل». وبحسب مصادر لـ«الديار»، قد يكون إيجاد هذا المخرج هو الدافع إلى إطالة دراسة مشروع الموازنة في لجنة المالة والموازنة وبالتالي تتسائل هذه المصادر عن أسباب ردّات فعل بعض القوى السياسية على الإتفاق الثنائي بين قطبي التسوية وتقول أن ردّات الفعل هذه قد تكون مُبرّرة بتمرير الموازنة وقطع الحساب (2017 فقط!) مقابل التعيينات ضمن شروط متبادلة وضعها فريقا الإتفاق.

في ظل هذا الواقع، تتفرمل الإتصالات السياسية خلال نهاية الأسبوع ومطلع الأسبوع المُقبل بإنتظار عودة الرئيس سعد الحريري من زيارة له إلى الإمارات العربية المُتحدة، لتعود وتنشط مع جلسة مُرتقبة لمجلس الوزراء وجلسة نيابية تشريعة سيجري فيها انتخاب 5 أعضاء للمجلس الدستوري.

كل هذا في ظل حالة إنتظار إقتصادية قاتلة يعيشها الإقتصاد اللبناني من ناحية أن لا إستثمارات وتراجع في الإستهلاك في إنتظار إقرار الموازنة، مما يعني أن الإقتصاد اللبناني أصبح أسير الموازنة.

} لجنة المال والموازنة }

على صعيد الموازنة، عقدت لجنة المال والموازنة جلسة البارحة هي الرقم 17 في ماراتون جلسات الموازنة بحضور رئيسها النائب إبراهيم كنعان ووزير المال علي حسن خليل ونائب رئيس مجلس النواب إيلي الفرزلي الذي قالت أوساط نيابية أن حضوره هو لإمتصاص أي تصادم خلال جلسات اللجنة.

وانتقد النائب كنعان ما سمّاه «التشويش» الحاصل في بعض وسائل الإعلام على زيارة الرئيس الحريري للّجنة مُعتبرا أنه يتفهّم تباعد الأراء لدى الجهات السياسية في مقاربتها للموازنة. وإنتقد بشدّة إحدى الوسائل الإعلامية على خلفية أحد المقالات الذي شكّك بنتيجة عمل اللجنة مُصرّحًا أن اللجنة تُحافظ على هذا البيت بعملها التدقيقي والرقابي وأن من يشوش على عمل اللجنة هو مستفيد من عرقلتها. كما إنتقد تسريب معلومات خاطئة للصحافة وأعطى مثالاً على ذلك رسوم المطار ورسم الـ 2% على الإستيراد الذي تمّ تعليقه بهدف تقديم صيغة جديدة.

وشرح كنعان مقاربة اللجنة للموازنة بقوله ان اللجنة تعمد إلى تحقيق وفر من خلال خفض الإنفاق لا من خلال الضرائب والرسوم حيث تمّ تخفيض إعفاء الميدل إيست من 10 إلى 5 سنوات كما تمّ رفع رسم الترخيص على المقالع والكسارات من 5 إلى 50 مليون ليرة. وأيضا تمّ خفض بند الإتصالات بملياري ليرة، وبند التجهيزات بعشرة مليارات ليرة بالإضافة إلى موازنة المجلس الأعلى للخصخصة. وجمّدت اللجنة بعض البنود بهدف دراستها لاحقًا.

وأعاد النائب كنعان المطالبة «بالتدقيق الذي لم ينجز حتى الساعة في الجمعيات والمؤسسات والتوظيف والانفاق لتحديد الانفاق الفعلي من الانفاق المحدد على الورق» كما وتعزيز أجهزة الرقابة وإعطائها الإمكانيات وخصوصا ديوان المحاسبة (بحاجة إلى 50 مدققاً) والتفتيش المركزي (بحاجة إلى 400 موظف).

الجدير ذكره أن لجنة المال والموازنة كانت قد أقرّت سابقا إعتمادات رئاسة الحكومة والموازنات الملحقة من مؤسسات وهيئات وصناديق ووزارات دولة، وموازنات كل من ديوان المحاسبة، دائرة الإحصاء المركزي، التفتيش المركزي، الهيئة العليا للتأديب، مجلس الخدمة المدنية، والمجلس الاعلى للدفاع حيث تمّ تخفيض كل هذه الموازنات بنسبة 10% مع استثناء طال موازنة ديوان المحاسبة. واستكملت اللجنة في جلسة الأمس المسائية دراسة موازنات كل من مجلس الإنماء والإعمار والهيئة العليا للاغاثة إضافة إلى بعض البنود الخلافية.

ويبقى السؤال الأساسي: كيف سيكون العجز في موازنة العام 2019 حين إنتهاء اللجنة من دراستها؟ وماذا سيحصل لو كانت المؤسسات والوزارات المعنية قد تخطّت حتى الساعة موازانتها أو إستهلكت قسماً كبيراً منها؟

إن إعتماد منهجية مبنية فقط على خفض الإنفاق كما صرّح رئيس لجنة المال والموازنة هو أمر غير مضمون النتائج خصوصًا أن الموازنة لن تبدأ مفاعيلها إلا في منتصف شهر تمّوز المقبل. فعلى سبيل المثال، المادّة الثلاثون في مشروع الموازنة والمُتعلّق برفع الضريبة على فائدة الودائع المصرفية من 7 إلى 10% تمّ ضربها من خلال إضافة كلمة «بالعمّلة» على البند الخامس من هذه المادّة مما يُقصي حكما سندات الخزينة بالدولار الأميركي أو سندات اليوروبوندز. وفي هذا الإجراء نية في تحفيز شراء سندات الخزينة بالعملة الصعبة إلا أنه قلّل حكما من إيرادات الخزينة وبالتالي سيؤثّر حكمًا على العجز. الجدير ذكره أن الرئيس الحريري اشترط على لجنة المال والموازنة أن يكون العجز أقل من 7.59%.

وكنا في مقال سابق في جريدة الديار (عدد 10818 تاريخ 13 حزيران 2019) قدّ صرّحنا أن تقديرات العجز المتوقّع بعد إنتهاء اللجنة من المشروع ستكون ما بين 9 و10%.

على صعيد أخر تتأهب كتلة حزب الله إلى فتح جبهة جديدة في معركتها على الفساد التي تخوضها وهي جبهة المقالع والكسارات والمرامل مع طلب تجميد البحث فيها في لجنة المال والموازنة لأن الكتلة كوّنت ملفاً عن هذا الموضوع تُثبت فيه أن هناك 3 مليارات دولار أميركية تُحرم منها خزينة الدّولة مع وجود أكثر من 1100 موقع خارج عن القانون.

} الموازنة والتعيينات وقطع الحساب ثالثه }

صرّح رئيس ديوان المحاسبة من مجلس النواب أن الديوان أنجز قطع حساب العام 2017 لكنه لم يُنه قطوعات الحساب من العام 1997 إلى العام 2016. وأضاف أن إنجاز هذه القطوعات يحتاج إلى ثلاث سنوات ونصف.

نصّت المادّة 87 من الدستور على «إن حسابات الدائرة المالية النهائية لكل سنة يجب أن تعرض على المجلس ليوافق عليها قبل نشر موازنة السنة التالية التي تلي تلك السنة وسيوضع قانون خاص لتشكيل ديوان المحاسبات». كما نصّت المادة 118 من النظام الداخلي لمجلس النواب على «يصدق المجلس اولا على قانون قطع الحساب، ثم على موازنة النفقات ثم قانون الموازنة وفي النهاية على موازنة الواردات». ونصّت المادة 65 من قانون موازنة العام 2017 على أن «على الحكومة إنجاز عملية إنتاج جميع الحسابات المالية المدققة منذ 1993 وحتى سنة 2015 ضمنًا خلال فترة لا تتعدى السنة اعتبارا من تاريخ نفاد هذا القانون وإحالة مشاريع قوانين قطع الحساب عن السنوات التي لم تقر فيها الى مجلس النواب، عملا بالاصول الدستورية والقانونية المرعية». الجدير ذكره أن هذا القانون نُشر في الجريدة الرسمية بتاريخ 20 تشرين الأول 2017.

هذه المادة كانت المخرجّ القانوني الذي على أساسه تمّ إقرار موازنة العام 2017 وموازنة العام 2018 من دون إقرار قطع حساب العام 2015 والعام 2016. وبالتالي ما هو المخرج القانوني لإقرار موازنة العام 2019؟

عمليا أنجز ديوان المحاسبة قطع حساب العام 2017 وبالتالي يُمكن على أساسها إقرار قطع الحساب هذا وبالتالي هناك إحترام للدستور والنظام الداخلي لمجلس النواب. لكن فعليا نحن أمام متاهة مالية كبيرة بحكم أن قطع الحساب هو تراكمي وله تأثيره على الموازنة من ناحية حسابات الدخول. وبما أن الفارق بين قطوعات الحساب المُنجزة من قبل وزارة المال والكتابات الحسابية الموجودة هو 16.3 مليار دولار أميركي، يُطرح السؤال: على أي أساس سيتمّ إقرار قطع حساب العام 2017؟

بعض الأوساط الوزارية تُشير إلى أن قسماً من الـ 16.3 مليار دولار أميركي لا يوجد فيه فواتير تُثبت كيفية إنفاقه مما يعني أن الشق السياسي دخل من الباب العريض. وعلى هذا الأساس تعتبر مصادر مُطلعة على الملف إلى أن هناك اتفاقاً تمّ بين القوى السياسية على تمرير قطع حساب العام 2017 من دون قطوعات الحسابات للسنين السابقة مقابل الإفراج عن التعيينات مما يعني أن لا تعيينات قبل إقرار الموازنة.

وتُشير المصادر إلى أن الصرخة التي أطلقتها كل من القوات اللبنانية والحزب الإشتراكي في ما يخص التعيينات نابع من هذا الأساس وبالتالي هناك توجّه إلى إستقالة وزارء الحزبين من الحكومة في حال تمّ إقصاؤهما من التعيينات.

إلا أن تصريح النائب من كتلة حزب الله علي فياض أنه «لا يكفي أن نقر قطع حساب واحد، واضاف: ليكون هذا الإقرار حقيقيا يجب أن يكون مترابطاً مع قطوعات الحساب الأخرى والسابقة» يُعيد إلى الواجهة الصراع السياسي من الباب العريض خصوصاً مع تصريح النائب حسن فضل الله خلال جلسة لجنة المال والموازنة «ان المؤسسات التي بإمرة رئيس الحكومة اكبر من الحكومة». وهذا الواقع يقترح دخول لبنان متاهة جديدة هي متاهة الموازنة والتي تُرشّح أن يكون عجز موازنة العام 2019 أقرب إلى 10%.

} الإستقرار النقدي باقٍ }

نقديا وعلى الرغم من الضغوطات التي يتعرّض لها مصرف لبنان من السلطتين التنفيذية والتشريعية وعلى الرغم من الحملات الإعلامية المُمنهجة التي يقودها بعض المصطادين في المياه العكرة، يبقى الوضع النقدي مُستقرّاً مع توقّعات بإستدامة هذا الإستقرار إلى الآمد البعيد نظرا إلى الإجراءات النوعية التي قام بها مصرف لبنان منذ أكثر من عام.

وقد برز إلى الواجهة عودة بعض الإقتراحات «الهدّامة» مثل إقتراح خفض سعر صرف الليرة مقابل الدولار الأميركي وهو ما يرفضه رفضًا قاطعًا حاكم مصرف لبنان الذي يمتلك كل الوسائل لتأمين إستقرار سعر صرف الليرة اللبنانية كما تنص عليه مهام مصرف لبنان في المادة 70 من قانون النقد والتسليف.

في الواقع كل المحاكات الماكرو إقتصادية التي قمنا بها، تُشير إلى أنه وفي ظل نسبة دولرة للإقتصاد تُقارب الـ 70%، أي تخفيض لسعر صرف الليرة سيعود بالكارثة على الطبقة الفقيرة وعلى أسفل الطبقة المُتوسطة وسيكون هناك «إفقار مُمنهج» لهؤلاء ولن يكون هناك أي إستفادة على الصعيد الإقتصادي نظرًا إلى ضعف الماكينة الإنتاجية اللبنانية. من هذا المُنطلق، نرى في تخفيض سعر صرف الليرة اللبنانية جريمة بحق المواطن اللبناني.

على صعيد الفوائد، نرى أن تحميل مصرف لبنان كلفة قروض بـ 11 ألف مليار ليرة لبنانية بفائدة مُخفّضة بنسبة 1%، ستؤّدي إلى رفع التضخّم الذي سيفرض حكما رفع للفوائد لإمتصاص هذا التضخم. من هذا المُنطلق، نرى في دراسة مشروع موازنة العام 2019 بمعزل عن رأي مصرف لبنان هو غوص في المجهول حيث من المفروض أن تتعاون السلطات في ما بينها لما فيه الصالح العام.

Print Friendly, PDF & Email
مصدر الديار الجريدة

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More