Professor Jassem AJAKA
Physicist | Economist

إعتماد لبنان على الإستيراد محور الأزمة الحاليّة والظروف مُؤاتية لتنشيط الإنتاج المحلّي وعلى رأسها انخفاض الكلفة

الديار | بروفسور جاسم عجاقة

لم يكن لبنان في تاريخه مُتعلّقًا بالاستيراد إلى هذه الدرجة! فالعام 2017 سجّل استيرادًا بقيمة 20.8 مليار دولار أميركي، أي ما يوازي الـ 40.1% من الناتج المحلّي الإجمالي مقارنة بـ 2.9 مليار دولار أميركي للتصدير ليكون بذلك لبنان بين البلدان الأولى في لائحة الدول العالمية من ناحية عجز الميزان التجاري إلى الناتج المحلّي الإجمالي، أي ما يوازي 30.7%!

بالطبع خطر عجز الميزان التجاري نابع من أنه يدخل في احتساب الحساب الجاري وبالتالي ميزان المدّفوعات. هذا الأخير يوازي حجم التغيّرات في الاحتياطات المركزية من العملات الأجنبية، مما يعني أن عجزاً في ميزان المدفوعات يؤدّي إلى نقص في الاحتياطات من العملات الأجنبية بالقيمة نفسها والعكس بالعكس.

المُشكلة الحالية التي يعاني منها لبنان تتمثّل بنقطتين أساسيتين:

أولا – مُشكلة عجز الموازنة الذي يزيد من الدين العام (وبالتالي خدمة الدين العام) مما يزيد من طلب الدولة على الأموال في الأسواق. وبما أن تصنيف لبنان الإئتماني سيىء، لذا تُصبح المصارف التجارية ومصرف لبنان مُرغمين على إقراض الدولة وهو أمر سيىء بالمطلق من وجهة نظر الأسواق المالية بحكم أن المالية العامّة تضّرب الحركة الاقتصادية وتُنافس القطاع الخاص على أموال المصارف مما يؤدّي إلى تراجع الاستثمارات الداخلية. وكما يُقال في علم الاقتصاد «الاستثمارات هي عصب الإقتصاد»، لذا لا يُمكن أن ينمو إقتصاد من دون إستثمارات.

ثانيًا – مُشكلة عجز ميزان المدفوعات والناتج بالدرجة الأولى من عجز الميزان التجاري. هذا العجز في ميزان المدفوعات يؤدّي حكمًا إلى استنزاف احتياطات المصرف المركزي من العملات وبالتالي، ومع زيادة طلب الدولة على الأموال نتيجة عجز الموازنة، يرفع من نسبة الفائدة في الأسواق. وتبقى كل العملية قائمة على قدرة المركزي على استقطاب الودائع بالعملات الأجنبية

بهدف الحفاظ على احتياط كافٍ لتمويل هذا الاستيراد (الذي هو بالإساس ليس من مهام المركزي)، الدفاع عن الثبات النقدي، ودفع استحقاقات الدولة من الدين العام بالعملة الصعبة (أمر غير مُستحب في الأسواق المالية).

الأزمة الحالية تنبع من صراع سياسي حيث تمّ فرض ضغوطات على قدوم الدولارات إلى لبنان (إن مباشرة أو غير مباشرة)، وبالتالي ونظرًا إلى أهمية الدولار في النموذج الاقتصادي الحالي (نموذج فاشل!)، أصبح الاستيراد رهينة وجود العملة الصعبة. من هذا المُنطلق، تمّ مسك لبنان باليد التي توجعه أي الدولار الأميركي.

على كل الأحوال ومن دون الدخول في الشق السياسي (المُشكلة سياسية بامتياز!)، هناك إمكانية لحلّ اقتصادي لتخفيف تعلّق لبنان بالاستيراد نظرًا إلى أن بعض الظروف أصبحت ملائمة وعلى رأسها انخفاض كلفة بعض عوامل الإنتاج مثل أجر اليد العاملة. وإذا كان هذا الأمر مؤسفاً في المطلق نظرا إلى التداعيات الاجتماعية الكبيرة وعلى رأسها زيادة نسبة الفقر وتردّي الخدمات العامّة، إلا أن هناك بصيص أمل في هذا الإطار الأسود ويتمثّل بتشجيع الإنتاج المحلّي.

لائحة الاستيراد تشمل كل شيء تقريبًا ولكن بنسب مُختلفة! وإذا ما تمّ تقسيم هذه السلع والبضائع إلى فئات، نرى أن المحروقات تحتل المرتبة الأولى مع 19.7% من إجمالي الاستيراد، المواد الكيماوية 10.8%، آلات وكهرباء 10.1%، وسائل النقل 9.48%، الحجر والزجاج 9.19%، منتجات غذائية 7.53%، معادن 6.28%، الخضروات 5.51%، حيوانات 4.48%، المنسوجات والملابس 4.23%، البلاستيك أو المطاط 3.91%، خشب 3.23%، أحذية 0.82%، الصلال والجلود 0.39%، مواد معدنية 0.36%، ومختلف 4.1%!

القيود المفروضة على إنتاج السلع المستوردة هي قيود تتعلّق بكلفة الاستثمارات ومستوى التكنولوجيا المُستخدم في الإنتاج. لذا نرى أنه من الحكمة التوجّه أكثر نحو المواد الغذائية المستوردة التي تُشكّل 80% من إجمالي الاستهلاك اللبناني للمواد الغذائية. هذا القطاع لا يتطلّب الكثير من الاستثمارات ولا التكنولوجيا، ويُمكن الاستفادة من القطاع الزراعي اللبناني لتصنيع هذه المنتوجات. أيضًأ يُشكّل قطاع الحيوانات ما يُقارب الـ 4.5% وهي نسبة عالية في الاستيراد، لذا يُمكن تشجيع تربية الحيوانات التي تُستخدم في الإستهلاك وعلى رأسها الأبقار. بالطبع، هناك مُشكلة العلف والأراضي لهذه الحيوانات، لكن المُشكلة لها حلول من ناحية أن العلف يُمكن زرعه وتصنيعه في لبنان، أمّا الأراضي فيُمكن للدولة اللبنانية وضع أراض من الأملاك العامّة تحت تصرّف المُستثمرين بأسعار مُتدنية بهدف مُساعدتهم على تربية هذه الحيوانات.

أمّا على صعيد الاستثمارات، فيُمكن للتجّار الذين يستوردون السلع والبضائع أن يستبدلوا طلبهم على الدولار الاستهلاكي بطلب الدولار الاستثماري وهو ما سيكون ذا فائدة عالية نظرًا إلى أنه على المدى المتوسّط إلى البعيد، تتحوّل هذه الدولارات إلى مدخول بالعملة الصعبة للدولة اللبنانية وللتجار (الذين أصبحوا تلقائيًا صناعيين أو مزارعين).

من المعلوم أن مُشكلة أي استثمار جديد محصورة في إيجاد التمويل وإيجاد الأسواق لبيع المُنتج. وفي حال لبنان، يُمكن تعديل وجهة أموال الاستيراد لتُصبح استثمارات وإذا ما كان هناك من نقص، يُمكن للقطاع المصرفي تمويل جزء منها ولما لا اللجوء إلى بعض الصناديق العالمية للمساعدة.

أمّا على صعيد الأسواق، فالسوق اللبناني موجود وهو يستهلك. ومع القيود على الاستيراد يُصبح الإنتاج اللبناني مطلوباً أكثر نظرًا إلى عدم وجود خيارات أخرى. أيضًا وعلى صعيد الكلفة لهذه المشاريع، فهناك كلفة الأرض أو العقار المُستأجر التي من المفروض على الدولة تأمينها بأسعار مُنخفضة، وكلفة اليد العاملة المُنخفضة (نظرًا إلى البطالة المُرتفعة). ويبقى أنه على الحكومة اللبنانية أن تعتمد سياسة حمائية أكثر شراسة خصوصًا للسلع والبضائع المُنتجة محليًا.

من المعروف في علم الاقتصاد أن القطاعين الأوّلي والثانوي هما قطاعات ذات قيمة مُضافة عالية نسبة إلى قطاع الخدمات. فكل وظيفة مخلوقة في هذين القطاعين تخلق أقلّه وظفيتين في القطاعات الأخرى.

Print Friendly, PDF & Email
Source الديار الجريدة

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More