بروفسور جاسم عجاقة
باحث في الفيزياء النووية والإقتصاد

إستحالة خفض الإنفاق إلا بمحاربة الفساد… موازنة 2020 أمام مأزق

الضرائب ورفع الدعم وإصلاح النظام التقاعدي شروط أساسية لتفادي خفض التصنيف

الديار | بروفسور جاسم عجاقة

أكدّ الموفد الفرنسي المُكلّف مُتابعة مقررات مؤتمر سيدر بيار دوكان، أن الوعود بتمويل مشاريع بنى تحتية المُعطاة خلال مؤتمر سيدر ما تزال قائمة على الرغم من الوضع الحالي. ونفى دوكان أن تكون الدوّلة المُشاركة في المؤتمر قد عدلت عن وعودها رابطًا آلية التمويل بعدد من الخطوات التي يجب القيام بها بسرعة كبيرة لأن «الوقت يُداهمنا» بحسب تعبيره مُشدّدًا على إستحالة الإستمرار بـ«الجدالات اللامتناهية».

وظهر من خلال تصريحه أن الدول المانحة في مؤتمر سيدر تنتظر من السلطات اللبنانية مجموعة إجراءات تتمحور حول ثلاثة مواضيع أساسية يُمكننا إعتبارها الشروط (بالحدّ الأدنى) للبدء بعملية تمويل المشاريع المنصوص عليها في المؤتمر. وهذه المواضيع هي:

أولا- إقرار موازنة العام 2020 في مهلها الدستورية مع تخفيض الإنفاق؛

ثانيًا- تطبيق دقيق لموازنة العام 2019 وذلك للمحافظة على عجز موازنة مُحقّق يوازي العجز المتوقّع؛

ثالثًا- المضي قدمًا في خطّة الكهرباء مع رفع التسعيرة وذلك لتغطية الخسارة التي تتكبّدها خزينة الدولة مُشدّدًا على أن 60% من عجز الدوّلة يأتي من كهرباء لبنان.

دوكان شدّد على أن إكتشاف النفط والغاز في لبنان لن يكون «الحلّ السحري» لمشاكل لبنان الذي يحتاج إلى بنى تحتية غير موجودة ومكافحة الفساد واصلاح القضاء وتعزيز المنافسة وإجراء إصلاحات فنية على مستوى المالية العامة (التوظيف، الضرائب، مكافحة التهريب الجمركي، رفع الدعم، تحسين الجباية، رفع تسعيرة الكهرباء…)

ما قاله دوكان ليس بجديد، فحديثه عن محاربة الفساد هو حديث كل لبناني ومطالبته ببنى تحتية هو مطلب كل مواطن يقضي ساعات على الطرقات… إلا أن الفارق أن الدوّلة اللبنانية أصبحت مُلزمة تنفيذ ما يُطلب من مؤتمر سيدر تحت طائلة حرمانها من الأموال وهذا ما قد يؤدّي إلى ضربة كبيرة للمالية العامّة والإقتصاد على حدٍ سواء.

} مُشكلة الإنفاق }

نشرنا في عدد البارحة من جريدة الديار كلفة دعم مؤسسة كهرباء لبنان من العام 1992 إلى العام 2019 والتي بلغت 40 مليار دولار أميركي. مما يعني أنه وعلى مدار 28 عامًا أنفقت الدوّلة على قطاع الكهرباء 40 مليار دولار أميركي بمعدّل 1.42 مليار دولار أميركي سنويًا، في حين أن 4 مليارات دولار أميركي كفيلة بإنارة لبنان كله 24/24 وتصدير الكهرباء إلى الدوّل المجاورة. وباعتقادنا فإن الإستمرار بتقديم الدعم لمؤسسة كهرباء لبنان هو حرق المال العام لأن الخدمة المُقدّمة لا توازي قيمة الدعم والفواتير التي يدفعها المواطن. وإذا كنا نؤيّد طرح دوكان رفع تعرفة الكهرباء، إلا أن رفع التعرفة في الظروف الحالية سيحول التمويل من الخزانة إلى المؤسسة ليُصبح من جيب المواطن مباشرة إلى المؤسسة. لذا بإعتقادنا، الحلّ الأفضل هو زيادة ساعات التقنين حتى تُصبح الكهرباء على المستوى المطلوب. الجدير ذكره أن المولدات الخاصة تؤمّن الكهرباء بسعر رخيص وقادرة على تعويض ساعات التقنين الإضافية التي يجب وضعها بطريقة يكون فيها الدعم في العام 2020، 1000 مليار ليرة لبنانية فقط وصفر ليرة في العام 2021.

في الواقع كل قرش تُقدّمه الدولة إلى مؤسسة كهرباء لبنان هو حرق للمال العام.

التوظيف في القطاع العامّ، لا يقلّ أهمّية عن قطاع الكهرباء. فكتلة الأجور في القطاع العام تخطّت الستة مليارات دولار أميركي على إجمالي إنفاق بقيمة 18 مليار دولار أميركي وإجمالي مداخيل 12 مليار دولار أميركي، أي أن الدوّلة اللبنانية تُنفق نصف مدخولها على أجور القطاع العام! ما يُعانيه الاقتصاد اليوم هو نتيجة حتمية لضرب القطاع الخاص لصالح القطاع العام عبر تضخيم حجم هذا الأخير بقيمة 435 مليون دولار أميركي سنويًا.

ما هو مطلوب اليوم، ليس صرف موظفي القطاع العام، بل «التوقف عن التوظيف» ولو لفترة قصيرة حتى تستطيع المالية العامة إستيعاب ما يُقارب الـ 400 ألف موظّف. الجدير ذكره أن عدد الموظفين في لبنان بين القطاع العام والخاص هو 1.25 مليون موظّف أي أن نسبة القطاع العام من إجمالي الوظائف هو 42%! المُعطيات لا تُشير إلى جدّية في وقف التوظيف على الرغم من إقرار وقف التوظيف في موازنة العام 2019 وهذا الأمر هو رهن الحكومة التي يجب أن تكون حازمة على هذا الصعيد.

وماذا نقول عن تحسين الجباية مع أكثر من 4 مليار دولار أميركي مُستحقات للدوّلة اللبنانية لدى المواطنين اللبنانيين. كيف يُمكن تفسير أن جباية فواتير الكهرباء مُتأخرة أكثر من سنة عن تاريخ دفعها؟ كيف يُمكن تبرير التغاضي عن أشخاص نشرت أسماءهم شركة كهرباء لبنان ولم يدفعوا الفواتير المُستحقة عليهم؟

وماذا نقول عن ترف الدوّلة اللبنانية التي حتى الساعة تعيش في بذخ مُفرط لدولة تُعاني مشاكل مالية: سفر، مفروشات، قرطاسية، حراسة… فعلا هذا أمر يتخطّى كل المعايير العلمية والمنطقية ويُشبه فيلم خيالي!

ويبقى السؤال الأساسي من أين هذه الأموال التي تُصرف؟

} تمويل الإنفاق }

تُشير أرقام وزارة المال أن إجمالي العجز من كانون الثاني 2012 حتى نيسان 2019 هو 31.5 مليار دولار أميركي! رقم خيالي يتخطّى كل قواعد الانتظام المالي التي تنصّ عليها النظريات الإقتصادية.

هذا العجزّ كانت تُموّله الدوّلة اللبنانية من خلال الإستدانة عملا بالمعادلة الحسابية التالية:

الضرائب + إصدارات الخزينة (دين عام) = الإنفاق العام + خدمة الدين العام.

لكن النكسات المُتتالية التي تلقّاها لبنان مع خفض تصنيفه من «BB» إلى «CCC» من قبل فيتش مثلا، أدّى إلى رفع خدمة الدين العام. في المقابل لم تعدّ الضرائب تكفي لتغطية الإنفاق العام، لذا إستفحلت الدوّلة في الإستدانة إلى حدّ أصبحت كلفة الإستدانة عالية وحتى الإقبال على شراء سندات الخزينة تراجع بنسبة كبيرة كما تُظهره أسعار عقود التأمين على سندات الخزينة.

من هنا أخذت الدوّلة بالإتكال أكثر فأكثر على مصرف لبنان لسدّ إستحقاقاتها المالية لدرجة لم تعد وكالات التصنيف الدوّلية ولا صندوق النقد الدولي قادرين على السكوت عن هذا الأمر، إذ طلب صندوق النقد الدوّلي في تقريره الأخير بكلّ وضوح من مصرف لبنان وقف تمويل الدوّلة وترك أسعار الفائدة للسوق!

اليوم الطروحات الموجودة أمام الحكومة محصورة بخيارين:

الأوّل: خفض الإنفاق العام ومحاربة الفساد وهذا الأمر وحده كفيل بعودّة الإنتظام المالي؛

الثاني: رفع الضرائب لمستوى قادر على خفض العجز إلى أقلّ من 6%.

دعوة دوكان إلى «خفض الإنفاق بدل زيادة الضرائب» آتٍ من منطلق أن هناك إستحالة على الحكومة الإستمرار بالإعتماد على مصرف لبنان، والصعوبة في فرض ضرائب على الشعب في ظل وجود الفساد. وهذا الطلب هو طلب مُحقّ، لكن من أين سيأتي خفض الإنفاق؟

} إستحالة خفض الإنفاق }

هناك مبدأ تعتمده السياسات المالية في كل الدوّل وينص على ما يلي:

فرض 1000 ليرة لبنانية على الشخص في مجتمع مؤلّف من مليون شخص، يؤمّن مبلغ أكبر من فرض مليون ليرة على مجموعة من الأشخاص. وبالتالي نرى أن العديد من السياسيين يُسوّقون لفكرة أن الضريبة لن تكون أكثر من 1000 أو ألفين على الشخص وهذا رقم ضئيل مع العلم أنهم تناسوا مبدأ العدالة الاجتماعية (مثلا الضريبة التصاعدية).

بإعتقادنا هناك مُشكلة تواجه موازنة العام 2020 وتتمثّل بإستحالة خفض الإنفاق إلى المستوى المطلوب إلا من خلال إجراءات موجعة كما أسماها رئيس الجمّهورية العماد ميشال عون. لكن هذه الإجراءات يجب أن تطال قطاع الكهرباء، الجمارك، والأملاك البحرية والنهرية وسكك الحديد. هذه الإجراءات الموجعة تحتاج إلى موافقة جميع الأحزاب عملا بمبدأ «الميثاقية» الذي أرساه دستور الطائف، وبإعتقادنا لن يكون من السهل الحصول على هذه الموافقة لأسباب عديدة.

لذا، يُمكن القول إن موازنة العام 2020 ستحوي حكمًا على الضرائب والتي ستطال الضريبة على القيمة المضافة ورسم على صفيحة البنزين وضريبة على الفوائد المصرفية بالإضافة إلى رفع الدعم عن الكهرباء وغيرها. الجدير ذكره أن التقرير الأخير لوكالة ستاندارد آند بورز (Frequently Asked Questions) طرح في نهايته مؤشرات ستحكم عليها الوكالة لخفض التصنيف أو المحافظة عليه ومن بينها إجراءات ضريبية ورفع الدعم وإصلاح نظام التقاعد للتأمين التوازن المالي. وهذا بإعتقادنا سيكون دافعاً أساسياً للحكومة لفرض الضرائب وسحب الدعم وإصلاح نظام التقاعد.

على كل الأحوال، الموازنة ستُقرّ قبل نهاية هذا العام والتاريخ سيُثبت أو يُكذّب ما قلنا أعلاه.

Print Friendly, PDF & Email
مصدر الديار الجريدة

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More