Professor Jassem AJAKA
Physicist | Economist

أبواب الهدر في الموازنة: تبدأ بالتوظيف العشوائي… ولا تنتهي بمخصّصات السفر

سلوى بعلبكي

في التقرير الذي قدمه إلى المجتمعين في مؤتمر “سيدر”، أعلن صندوق النقد الدولي صراحة أن على اللبنانيين الالتزام بإصلاحات تخفّض عجز الميزانية بنسبة 5% كبداية خلال السنوات الخمس المقبلة. وترافق التقرير مع إشارات واضحة من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، بأن المساعدات المقدّمة للبنان لن تفيده بشيء إذا لم تواكبها إصلاحات جذرية في عدد من القطاعات.

أسباب العجز في الموازنة أصبحت معروفة، وإذا استثنينا الدعم المقرر لمؤسسة كهرباء لبنان بـ 2100 مليار ليرة، فإن العجز يعود غالبيته إلى اسباب عدة منها: التوظيف العشوائي والانتخابي في القطاع العام، التهرّب الضريبي، فواتير ورسوم غير مجباة، المناقصات العامّة، التجهيزات، إعتمادات السفر، لجان العمل التي يتم تأليفها في الوزارات والادارات العامة.

نبدأ من التوظيف غير القانوني الذي يؤدي الى عقود مصالحة صنّفها مجلس شورى الدولة بالـ”هرطقة القانونية”، وعلى الرغم من ذلك فهي لا تزال معتمدة في الادارات اللبنانية. ولعل الجامعة اللبنانية أبرز مثال على ذلك، إذ بلغت قيمة عقود المصالحة فيها نحو 60 مليار ليرة على موازنة تبلغ 357 مليار ليرة.

ومن وجوه التوظيف العشوائي يبرز التوظيف على مشاريع بعقود موقتة، وهي طريقة غير مباشرة للتثبيت من دون المرور بالضرورة بمجلس الخدمة المدنية، علماً أن عدد موظفي الوزارات يبلغ 8 آلاف موظف في ملاك الدولة في مقابل إجمالي عدد الموظفين بـ 45 الفاً. وتبرز ايضاً في هذا السياق، ساعات العمل الإضافية بشكل غير مبرّر قد تساوي في بعض الاحيان قيمة الراتب الشهري”، وفق ما يشرح الخبير الاقتصادي والاستراتيجي البروفسور جاسم عجاقة لـ”النهار”.

وتندرج في هذا السياق رواتب موظفي الـ UNDP الذين تربطهم بالدولة عقود سنوية، وتبدأ رواتبهم بـ 3 آلاف دولار شهرياً وتصل احياناً إلى 15 ألفاً في بعض المراكز. ويشير عجاقة الى أن “الخطة في البدء كانت تقضي بقيام الأمم المُتحدة بدفع هذه الرواتب، إلاّ أنه وبحسب مصادر فإن الأمم المُتحدّة لم تدفع هذه الأجور، فيما تؤكد مصادر أخرى ان الأمم المُتحدّة دفعت خلال عامين فقط وتوقفت بعدها عن الدفع”.

التهرّب الضريبي
وفق بعض الدراسات يراوح التهرّب الضريبي بين 5 إلى 10% من الناتج المحلي الإجمالي (من 2.5 ملياري دولار إلى 5 مليارات دولار). ويشمل التهرّب الضريبي: التهرّب الجمركي، والتهرّب من دفع الضرائب (تخمين عقاري، تصريح ضريبي…)، وشركات الـ Offshore. وبحسب دراسة للمنظمة العالمية للنزاهة المالية (GFI)، تبلغ قيمة التهرّب الجمركي 1.9 مليار دولار سنوياً (mis-invoicing) من دون الخدمات، أما قيمة التهرّب الجمركي (سلع وخدمات) فإنها تفوق الـ 7% من الناتج المحلّي الإجمالي. وهذا الأمر وفق ما يؤكد عجاقة ينطبق على التخمين العقاري. إذ تؤكد الدراسات أن قيمة الخسارة على خزينة الدولة الناتجة من التخمين العقاري في العام 2015 قاربت الـ 300 مليون دولار من 70 ألف عملية عقارية. ويشمل التهرّب الضريبي ايضاً المولدات الخاصة التي تسبب بخسارة للدولة ما يقارب 130 مليون دولار سنوياً (TVA، ضمان إجتماعي، بنية تحتية)، وكذلك الأمر بالنسبة الى مواقف السيارات مع خسائر تقدر بـ 360 مليون دولار (تصريح دخل، ضمان، ضريبة بلدية…). ولا ينسى عجاقة الاشارة الى الأملاك البحرية والنهرية (مساحة تقدر بـ 492 ألف متر مربّع) التي تسبّب خسارة سنوية للخزينة توازي 1.5 مليار دولار.

فواتير ورسوم غير مجباة
تشير التقديرات الى أن قيمة مستحقات الدولة لدى المواطنين تبلغ 4.5 مليارات دولار وهي عبارة عن فواتير ورسوم غير محصّلة، منها فواتير تابعة لمؤسسات خدماتية عامة مثل مؤسسة الكهرباء و”أوجيرو” و”الإتصالات”، ومنها ما هو تهرّب من دفع رسوم مستحقة للدولة. وهذه المستحقات، يؤكد عجاقة، هي مستحقات موثقة ومعروفة، وتالياً لا تدخل في نطاق التهرّب الضريبي أو الجمركي.

التجهيزات
يدخل بند “تجهيزات” في موازنات معظم وزارات ومؤسسات، وأرقام هذا البند ثابتة من عام إلى آخر بإستثناء الطلبات الخاصة التي تزيد من قيمته. ولكن المشكلة أن وزارة المال تعمد إلى خفض هذا البند في حال لم يتم صرفه. من هنا تعمد الوزارات والمؤسسات العامة إلى شراء تجهيزات بشكل مستمر سنوياً. وهذا الأمر يشكل هدراً ويفتح الباب أمام الفساد في المناقصات. لذا يقترح عجاقة وضع جداول للتجهيزات في الوزارات والمؤسسات العامة تتضمّن التجهيزات الموجودة فيها مع تاريخ الشراء، والطلب إلى وزارة المال الإمتناع عن تمويل هذا البند إلاّ حين تصل التجهيزات إلى نهاية الـ Amortissement لها.

بند السفر
ليس خافياً، أن بند السفر الوارد في كل موازنات الوزارات والمؤسسات العامة هو من أبرز أبواب الهدر في الموازنة، إذ تخصص بعض الوزارات والمؤسسات العامة مبالغ طائلة لهذا البند قد تصل إلى أكثر من ألف دولار يومياً (هيئة إدارة قطاع البترول، هيئة الرقابة على الأسواق المالية…). وبما أن وزارة المال تعمد الى تقليص المبلغ كما تفعل مع بند “التجهيزات” إذا لم يتم صرفه، نجد أن معظم المديرين العامين وأعضاء الهيئات واللجان يقضون وقتهم في الخارج. من هنا، يقترح عجاقة وضع سقف لبند السفر، وسقف لعدد الأشخاص في الوفود المرافقة للوزراء وكذلك وضع جداول مسبقة لكل الرحلات المُتوقّعة مع أسماء الأشخاص، مع إخضاعها لمراقبة ديوان المحاسبة.

اللجان
يسمح القانون لكل الوزارات والمؤسسات العامة بتأليف لجان عمل، يتم الدفع لها على أساس المشاركة أو “مقاطعة”. ولكن المشكلة أنه لا يوجد سقف لدخل الموظف من هذه اللجان، فيقبض المديرون العامون 40 مليون ليرة عن كل إجتماع شهري في مجالس الإدارة التابعة لمؤسسات عامة، في حين أن البعض الآخر يقبض 90 ألف ليرة عن كل مشاركة في إجتماع. علماً أن قسم كبير من هذه التعويضات معفّي من الضرائب، وفي بعض المؤسسات، قد تصل نسبة تعويضات اللجان إلى أكثر من 20% من موازنتها. ويقترح عجاقة وضع سقف للإفادة من تعويضات اللجان على أساس لا يتجاوز الـ 20% من الدخل الشهري.

رابط النهار

Print Friendly, PDF & Email

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More