Professor Jassem AJAKA
Physicist | Economist

نعم لانخفاض أسعار النفط والمواد الغذائية

من النفط مروراً بأسعار الحبوب وصولاً إلى المواد الغذائية، لم تنفك تنخفض أسعار المواد الإستهلاكية. هذا الإنخفاض الذي من المفروض أن يلعب دور المحفز للإقتصاد، بدأ يلقى إنتقادا في بعض الأوساط الاقتصادية والسياسية. فما هي حقائق هذا الموضوع؟ وما هي تداعياته على الاقتصاد اللبناني؟     أخذت أسعار المواد الغذائية بالإنخفاض كنتيجة لعدة عوامل على رأسها تراجع الطلب العالمي ووفرة العرض كما وإنخفاض أسعار النفط. وفي تصريح لمنظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة الفاو، تراجعت أسعار المواد الغذائية بشكل كبير ما بين شهري تمّوز وآب 2015 (-5.2%) لتصبح بذلك أكبر نسبة إنخفاض منذ العام 2008. وفي التفاصيل إنخفض سعر الحليب 33% خلال العام الماضي، وإنخفض سعر القهوة بنسبة 28%، الليمون 10%، السكر 22%، والقمح 23%.
على صعيد آخر، تستمر أسعار النفط بالإنخفاض وذلك كنتيجة للطلب الضغيف الناتج عن تراجع الاقتصاد الصيني والإنتاج العالي للمملكة العربية السعودية. وإذا كان سعر برميل النفط قد لامس عتبة الـ 40 دولارا أميركيا، إلا أن إستمرار الضغط على الطلب والعرض جعل السعر يتأرجح حول الـ 45 دولارا أميركيا للبرميل الواحد. وهذا الضغط يأتي من إستمرار ارتفاع إنتاج دول الأوبك والذي يجعل السوق العالمي غير قادر على إستيعاب الكميات المُنتجة.

تداعيات انخفاض أسعار المواد الغذائية…
في الأعوام التي سبقت الأزمة المالية العالمية في العام 2008، شهد العالم إرتفاعا كبيرا في أسعار المواد الغذائية حيث شهدت العديد من البلدان النامية وفي طور النمو تظاهرات شعبية إحتجاجاً على ارتفاع هذه الأسعار كمصر (عام 2008)، الهند (2007 إلى 2011)، الصين (2007)، إيران (2012)، الإمارات (2008)، المغرب (2007)، الجزائر (2011)… وأدت في العديد من البلدان العربية إلى ما يُعرف بالربيع العربي.
حسب البنك الدولي، إنخفضت أسعار المواد الغذائية العالمية 14% ما بين آب 2014 وآب 2015. وعلّل البنك هذا الإنخفاض إلى إنخفاض أسعار النفط، الكلفة الأقل للأسمدة الكيميائية، والأحوال الجوية التي ساعدت في الحصول على موسم جيد. ويُمكن الجزم أن التداعيات المباشرة لهذا الإنخفاض تتمثل بإنخفاض نسبة المجاعة في العالم. فحسب الفاو، إنخفض عدد الأشخاص في العالم الذين يعانون من سوء التغذية والذين يتواجدون بمعظمهم في النصف الجنوبي للكرة الأرضية، من 1.03 مليار شخص في العام 1992 إلى 824 مليون شخص في العام 2012. ولبنان من بين هذه الدول حتى ولو أن نسبة الأشخاص الذين يعانون من سوء التغذية لا يتخطى الـ 5% من مجمل الشعب اللبناني.

لذا من المستحيل الحديث عن تداعيات سلبية لإنخفاض أسعار المواد الغذائية وخصوصاً على الصعيدين الاجتماعي والإقتصادي. لكن الغريب في الأرقام التي تُعطيها الفاو، أن لبنان يعاني من إنخفاض في مستوى التغذية وذلك من العام 1999 إلى أواخر العام 2014. وإذا كانت التوقعات أن ترتفع نسبة التغذية في العامين المُقبلين، إلا أن السؤال الذي يُطرح وهو برسم المسؤولين هو: لماذا ينخفض مؤشر التغذية في لبنان في حين أنه يستورد قسما كبيرا من غذائه الإستهلاكي والذي – أقله من آب 2014 إلى آب 2015 – إنخفضت أسعاره كما يُثبته تقرير الفاو وتقرير البنك الدولي؟

تداعيات انخفاض أسعار النفط…
بالمطلق، إن إنخفاض أسعار النفط هو جيد للإقتصاد وهذا الأمر لا جدل فيه من ناحية أن 95% من المواد المحيطة بنا أو المُستهلكة، إستُخدم النفط في تصنيعها. من هذا المُنطلق، نرى أن الاقتصاد اللبناني قلّ عجزه نتيجة إنخفاض سعر النفط. وقد يقول البعض: إن مدخول الدولة قلّ أيضاً نتيجة إنخفاض الضرائب على النفط، لكن الجواب يكمن في أن التوفير من إنخفاض سعر النفط هو أعلى بكثير مما خسرته الدولة كضرائب على المشتقات النفطية. كما أن معظم الدول التي تستهلك النفط ولا تُنتجه، لاحظت تحسناً كبيراً في موازناتها بشكل أن العجز قلّ كفرنسا مثلاً أو هناك فائض سُجّل كألمانيا.
لكن الأمر مُغاير للدول التي تُنتج النفط، كدول الخليج، روسيا، فنزويلا، إيران، نيجيريا… حيث أن إقتصادات هذه الدول تعتمد بشكل أحادي على الثروة النفطية. وتهاوي أسعار النفط خلق عجزا في موازناتها وقلل من قدرتها الإستهلاكية والإستثمارية.
وفي بعض الدول الكبرى كالولايات المُتحدة الأميركية، أدّى إنخفاض أسعار النفط إلى تراجع الإنتاج للنفط الصخري بحيث أن الكلفة العالية لهذا النفط لا تسمح له بالإستمرار مع أسعار نفط بحدود الأربعين دولارا للبرميل الواحد وذلك على الرغم من التطور التكنولوجي الذي سمح لهؤلاء بخفض كلفة الإنتاج (70 دولارا للبرميل الواحد) بنسبة 40%. لكن الولايات المُتحدة الأميركية لها إقتصاد مُتنوع وبالتالي لا يُمكن الحديث عن ضرر على هذا الاقتصاد خصوصاً أن كلفة الفاتورة الحرارية تقلّ وبالتالي هناك العديد من القطاعات ستشهد تحسناً كبيراً كقطاع السيارات.

وفي لبنان، إضافة إلى الفوائد التي نتجت عن إنخفاض أسعار البترول كتقليل العجز، يُمكن ذكر زيادة القدرة الشرائية للمواطن اللبناني والتي نتجت عن تخفيض كلفة النقل كما أن كلفة الإستيراد ستقل حكماً وبالتالي سنشهد هذا العام تقلصاً في عجز الميزان التجاري. لكن هناك تداعيات سلبية ناتجة عن خفض الأموال المُرسلة من قبل المغتربين اللبنانيين إلى ذويهم والناتج بالدرجة الأولى عن تجميد المشاريع في دول الإغتراب المُنتجة للنفط كدول الخليج ما يعني فقدان هؤلاء المغتربين لوظيفتهم أو تقليص المدخول.

إذاً لماذا الحديث عن ضرر نتيجة إنخفاض أسعار النفط؟
الجواب يكمن في تراجع الاقتصادين الصيني والروسي. فالأول يتراجع بسبب ضعف إقتصادات الدول الكبرى والتي تُعتبر المُستورد الأول للبضائع الصينية وهذا ما دفع الصين إلى خفض طلبها على النفط. وبما أن سوق الصين الداخلي غير مُتطور، فإن الصين لا تستطيع ملء النقص في الطلب الخارجي بطلب داخلي. وهذا يعني أن الاقتصاد العالمي لن يستفيد من السوق الصيني. وبإعتقادنا هذه فرصة لتطوير هذا السوق الذي يعيش فيه عدد كبير من الأشخاص الذين يُعنانون من نقص في التغذية (9.3% من عدد سكان الصين). أما الثاني، فتراجع بسبب العقوبات الاقتصادية التي فُرضت على روسيا نتيجة سياستها في أوكرانيا.
ويرى بعض المحللين أن العولمة التي فرضت زيادة تشابك الإقتصادات تجعل من إنخفاض أسعار النفط عاملاً سيئاً لأن الطلب من قبل الدولة المُنتجة للنفط سيقل وبالتالي سيقل الإنتاج في الإقتصادات المُتطورة ما يعني قلة الطلب على النفط وبالتالي الدخول في حلقة مُفرغة. وبإعتقادنا، فإن هذا الأمر غير دقيق من ناحية أن حجم إقتصادات الدول المُنتجة للنفط، يبقى صغيراً نسبة إلى إقتصادات الدول الكبرى.

وفي الختام، نرى أن إنخفاض أسعار المواد الغذائية يأتي لصالح البشرية لأنه يُقلل نسبة المجاعة في العالم، كما أن إنخفاض سعر النفط يُشكل فرصة لدفع الاقتصاد العالمي.

www.albaladonline.com/ar/NewsDetails.aspx?pageid=336914

Print Friendly, PDF & Email

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More