Prof. Jassem AJAKA
Physicist and Economist

مـوازنـــة 2019 وانعكاساتهـــا السلبــية عـلـــى الاقـــتــصـــاد!

عجاقة: مخاطر إقتصادية تتمثّل بإنكماش النشاط الاقتصادي نتيجة الأجواء السلبية التي بثتها الخلافات السياسية

مجلة الأفكار | طوني بشارة

مشروع قانون الموازنة العامة والموازنات الملحقة لعام 2019 في لبنان يظهر للعلن اعتماد موازنة تقشفية في إطار سعي الحكومة كما يقال لإعادة التوازن لمالية الدولة، ولكن ما مدى قانونية هذا التقشف؟ وما هي ردود الفعل الشعبوية عليه؟ وهل سيؤثر سلبا على الاقتصاد اللبناني؟

تساؤلات عديدة للإجابة عنها التقت <الأفكار> رئيس <تجمع رجال الاعمال اللبنانيين في العالم> الدكتور فؤاد زمكحل كما نقلت آراء الخبراء الاقتصاديين الدكتور لويس حبيقة والبروفيسور جاسم عجاقة.

زمكحل وقدرة الصبر لدى المستثمرين!

بداية مع الدكتور فؤاد زمكحل الذي أطلعنا على أن لبنان يقوم بإعداد بيع سندات بقيمة 2.5 مليار دولار جزئيا لتسديد مبلغ مستحق قيمته 650 مليون دولار. كنا نأمل في الاستفادة من تحسن معنويات المستثمرين بعد تشكيل الحكومة في 19 شباط/ فبراير الماضي، ولكن لسوء الحظ لغاية الآن لم يأت مجلس الوزراء الجديد بميزانية لعام 2019، لذلك نأمل حقاً أن يحافظ المستثمرون في الأسواق الناشئة على قدرة الصبر لديهم.

وأضاف:

 – ارتفع مؤشر السندات بالدولار الأميركي بنسبة حوالى 10 بالمئة عن أواخر تشرين الثاني/ نوفمبر 2018. لكن لبنان هذا البلد الصغير الواقع على البحر الأبيض المتوسط الواقع في منطقة جغرافية صعبة، يحمل في طياته مجموعة من المخاطر، من نظام سياسي يكافح باستمرار إلى الاعتماد المفرط على حسن أداء القطاع المصرفي الذي لا شك فيه. لكن، بسبب بيع السندات ضمن موجة من الذعر في 19 كانون الثاني/ يناير الماضي، عندما كان بعض المسؤولين يتحدثون بصوت خافت عن إعادة هيكلة الديون، انتشرت شائعات تدمير متواصلة للإقتصاد: زادت العائدات على سندات الدولة المحددة بـ10 سنوات بنسبة بلغت 12 بالمئة، بينما كانت بنسبة حوالى 7 بالمئة قبل عام واحد فقط، في حين توقفت تدفقات الودائع. للمحافظة على ربط العملة المحلية بالدولار – الذي يعتبر مفتاح الاستقرار – يحتاج البنك المركزي إلى صرف العملات الأجنبية. كنا متفائلين بقدرة الحكومة الجديدة على تمرير ميزانية من أجل الحد من الديون المفرطة والمتنامية. بالفعل، بلغت القروض نسبة 150 بالمئة من إجمالي الناتج المحلي، وهي ثالث أعلى نسبة في العالم. وها نحن في منتصف العام، ولا يوجد حتى الآن أي اتفاق على الميزانية لغاية اليوم! علاوة على ذلك، فقد طالب الدائنون الدوليون لبنان بإصلاح قطاعه العام، الذي تستهلك كشوفات المرتبات المتضخمة أكثر من ثلث إيراداته في حين يذهب ما يقارب 35 بالمئة من الإيرادات الأخرى لخدمة الديون والباقي للتحويلات الخاصة بكهرباء لبنان.

وتابع زمكحل قائلا:

– حالياً، يناقش مجلس الوزراء تدابير تشمل رفع الضريبة على دخل الفوائد من 7 بالمئة إلى 10 بالمئة مع زيادة أعلى معدل للضريبة من 20 إلى 25 بالمئة على أصحاب الدخول المرتفعة، وتقليل بعض المزايا للموظفين الحكوميين. وفي الوقت نفسه قد تؤدي خطة جديدة للكهرباء إلى وقف الإنفاق على الطاقة إذا تم تنفيذها بشكل جيد.

وأضاف:

– لكن للأسف، قد لا تكون هذه التحركات كافية لتخفيف المخاطر على المدى القريب، مع الإشارة إلى أن تدفقات الودائع الحرجة لم تُستَرَد بعد. وبالتالي، يقدّر خبراء الاقتصاد أن إجمالي متطلبات التمويل الخارجي للبنان سوف يصل إلى 18.7 مليار دولار هذا العام، مما يعني أن البنك المركزي سوف يضطر إلى نشر حوالى 5.7 مليار دولار من احتياطيات العملات الأجنبية، مما يعني ان لبنان بحاجة حقاً إلى ميزانية مدروسة تماماً لاستعادة تفاؤل المستثمرين!

حبيقة وتلهي الحكومة!

وبدوره الخبير الإقتصادي الدكتور لويس حبيقة نوه بأنه ما خرجت به الحكومة بالنسبة لموضوع الموازنة العامة ليس على قدر طموحات الناس والمواطنين، فهناك ضياع ولا يوجد إتفاق أو رؤية واضحة، وهذا هو خطأ حكومة الإجماع الوطني، ففي كل دول العالم ليس هناك حكومات تمثل الجميع، بل دائما هناك أحزاب حاكمة وأحزاب معارضة تعارض وتضغط، كالمحافظين الحاكمين في بريطانيا مثلا وحزب العمل المعارض.

 وأضاف:

– حكومتنا تتلهى بالقشور و<الفتافيت> فيفرضون ألف ليرة على النرجيلة، و500 ألف على الزجاج الداكن .. أنا لست ضد الضريبة على النرجيلة إذا كان الهدف صحة الناس، ولكن الهدف من هذا الامر هو فقط زيادة الإيرادات بطريقة عشوائية، فالحكومة تعالج موضوع العجز بطريقة عشوائية وبضياع كلي.

 وفي ما يتعلق بالضريبة على الواردات اشار حبيقة قائلا:

– 2 بالمئة ضريبة على الواردات لا تحل مشكلة الصناعة، لان صناعتنا مشاكلها أكبر بكثير، وهذه الـ2 بالمئة سترفع الأسعار على المواطنين، كما أنه لدينا إتفاقيات مع دول عربية وأوروبية وهذه النسبة ستؤدي إلى إجراءات مضادة ضد منتجاتنا.

 وأكمل حبيقة:

– كنا نسمع دائما عن هدر في المرفأ والمطار يصل إلى 3 مليارات دولار، فأين الجهد الموضوع لوقف الهدر في هذه المرافق المهمة؟ وأين العمل على تشريع الأملاك البحرية مثلا؟ الكلام فقط والتصريحات في الإعلام لا تأتي بنتيجة، وهناك فوضى في البلد، وكنا نتوقع ان تكون النتائج أفضل من ذلك بكثير.

عجاقة والموازنة!

وللاطلاع اكثر على تجاوزات الموازنة نقلت <الأفكار> رأي البروفيسور جاسم عجاقة الذي بدوره أشار الى ان مشروع موازنة العام 2019 قد لحظ قيمة الموازنة بـ25,726,268,147,000 ليرة لبنانية أي ما يوازي 17 مليار و65 مليون دولار أميركي. وأعطى المشروع الحكومة إيجازاً بالإقتراض لتمويل الديون كما وعجز الموازنة وسلفة خزينة لمؤسسة كهربــــاء لبــــنان المُقدّرة بـ 1.66 مليـــــار دولار أمـــــيركي. ولم يضع المشروع أي ســــقف للإستدانـــــة ممــــــا يعنــــي غيـــــاب أهــــــمّ إجـــــراء إصـــــلاحي مالي في الّدولة اللبنانية.

وطالب المشروع فتح حساب خاص في مصرف لبنان للقروض وأخضع الهبات لمراقبة ديوان المحاسبة وهذا إجراء إصلاحي بعد ما ذكر تقرير وزير المال أن أكثر من 92 بالمئة من الهبات ما بين العامين 1997 و2002 لا قيود حسابية لها. وسمح مشروع الموازنة لرئيس الجمهورية بناءً على مرسوم حكومي بفتح اعتمادات استثنائية لا تتجاوز الـ 100 مليار ليرة لبنانية.

ولحظ المشروع في مادته العاشرة فتح اعتمادات لدعم قروض استثمارية زراعية، صناعية، سياحية، تكنولوجية ومعلوماتية لكنه لم يلحظ المبلغ المرصود، كذلك فعل للمعالجة الصحية، وأعاد توزيع قسم من أموال البلديات على القرى التي لا بلديات فيها.

ــ وماذا عن الإجراءات الأساسية؟

– الإجراءات الأساسية (مالياً) التي لُحظت في الموازنة هي: تعديل قوانين البرامج أي بمعنى آخر تأخير تنفيذ المشاريع الاستثمارية من العام 2019 إلى أعوام لاحقة (على رأسها مشروع عتاد وتجهيزات وبنى تحتية ملحة لصالح الجيش بقيمة 365 مليار ليرة لبنانية) مما سمح بتوفير 526 مليون دولار أميركي. أيضاً هناك زيادة الضريبة على الفوائد على الحسابات المصرفية والتي تسمح بتحقيق مدخول بقيمة 500 مليون دولار أميركي (تقديرياً). كما أن هناك تجميد الإحالة على التقاعد لمدة ثلاث سنوات والتي من المُتوقّع أن تسمح بوفر يُقارب الـ 300 مليون دولار أميركي. كما وردت مادّة في الصفحات الأخيرة من المشروع (لا تحمل رقماً) تقترح فرض 2 بالمئة على الإستيراد، وهذه المادّة التي أقرّت ستؤدّي حكماً إلى مدخول لا يقلّ عن 300 مليون دولار أميركي بحسب وزير الإقتصاد.

وتابع قائلاً:

– إضافة إلى هذه البنود، هناك العديد من الإجراءات التي لا تُعطي الكثير انفرادياً لكن عددها يسمح بتقديرات أولية توفير ما يوازي 250 مليون دولار أميركي، نذكر منها: توزيع غرامات السير، تعديل بعض رسوم الأمن العام، غرامات على الشركات السياحية التي تتخلّف عن تأمين مغادرة الأجانب، استحداث شطر ضريبي جديد يفوق الـ225 مليون ليرة سنوياً (ضريبة 25 بالمئة)، إلغاء الإعفاءات عن الرسوم الجمركية وتسجيل السيارات، خفض عتبة التكليف على الضريبة على القيمة المضافة من 100 إلى 50 مليون ليرة، فرض رسم إشغال غرفة في الفنادق، زيادة رسوم وزارة العمل، زيادة رسوم المطار، إخضاع مخصصات الرؤساء والوزراء والنواب للضريبة، خفض الإستفادة من المعاشات التعاقدية للنواب، تحديد سقف لتعويضات القضاة في الإدارات العامة، تأخير سن التقاعد في الإدارات العامة والسلك العسكري، إقتطاع 3 بالمئة على طبابة وإستشفاء العسكريين المتقاعدين إضافة إلى الضريبة على الدخل، خفض 15 بالمئة على المنح المدرسية (باستثناء تعاونية الموظفين)، فرض رسوم على الزجاج الداكن…

ــ يقال ان هناك إجراءات تحفيزية ضريبية، فما هي هذه الإجراءات؟

– إضافة إلى كل هذا، هناك عدد من الإجراءات التحفيزية الضريبية التي إذا ما استطاعت إقناع المواطن والشركات فقد تدرّ ما بين 500 مليون دولار أميركي حتى مليار ونصف المليار! نذكر منها: تقسيط دفع الضرائب المقتطعة عند المنبع والضريبة على القيمة المضافة، إعفاء المكلفين من غرامات التحقق والتحصيل (على أن يتمّ دفع الضرائب في فترة لا تزيد عن ستة أشهر)، تخفيض الغرامات وزيادات التأخر على إشتراكات الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، تخفيض الغرامات على الرسوم البلدية (أفراد ومؤسسات)، تخفيض الغرامات على رسوم الميكانيك، رسوم الإنشاءات، تنفيذ البيوعات في السجل العقاري… هذه التدابير تسمح لأي مواطن أو مؤسسة بالعودة إلى كنف القانون من خلال تسوية أوضاعها من دون وضع المواطن أو المؤسسة بحالة مالية تعيسة بفضل التقسيط المذكور.

وأضاف:

– كل هذه الإجراءات وبحسابات تقديرية كلها (باستثناء إعادة جدولة المشاريع) تؤدّي إلى خفض العجز المُحقّق في العام 2018 (أي 6.5 مليار دولار أميركي) بقيمة 2.37 مليار دولار أميركي ليُصبح العجز الإجمالي في مشروع موازنة العام 2019، 4.1 مليار دولار أميركي.

ــ هناك تخوف من خطر اقتصادي محتم، فما مدى صحة هذا التخوف؟

– في مقابل هذا الإطار القاتم، تبرز إلى العلن مخاطر إقتصادية تتمثّل بإنكماش النشاط الاقتصادي نتيجة الأجواء السلبية التي بثتها الخلافات السياسية في مجلس الوزراء والتي وصلت إلى مستويات عالية مع إشتباكات قوية في كل جلسة من جلسات المجلس وما يليها من تصريحات صحفية توتّر الجوّ العام وتؤثّر سلباً على ثقة المستثمرين.

ــ وما الحل؟

– هذا الأمر يتطلّب من قبل الحكومة عدداً من الإجراءات وعلى رأسها إعادة فرض الرسوم الجمركية بهدف تحويل الطلب الداخلي من البضائع المستوردة من الخارج إلى البضائع المُنتجة في الداخل، بمعنى آخر بدل أن يقوم اللبناني بإستيراد سلع وبضائع بقيمة 20 مليار دولار سنوياً، تقوم الحكومة بفرض رسوم جمركية لتحويل (أقلّه) نصف هذا الطلب داخلياً مما سيُشجّع المستثمرين وبالتالي سيتم الاستثمار لتغطية هذا الطلب، ويبقى الرسم بنسبة 2 بالمئة الذي تمّ إقراره غير كافٍ للقيام بهذا الأمر (نتائج المحاكاة الماكرو – إقتصادية)، وبالتالي فإن الطلب على البضائع المستوردة سيبقى مرتفعاً.

وتابع:

– والإجراء الثاني الذي يتوجّب على الحكومة القيام به بعد إقرار الموازنة هو وضع الخطة الاقتصادية المُنتظرة للإقتصاد اللبناني موضع التنفيذ، والمُتوقّع أن تحوّل الاقتصاد اللبناني من إقتصاد شبه ريعي إلى إقتصاد منتج، وبالتالي فإن الإنطلاق من خطة ماكينزي لبحث الخطة الاقتصادية هو أمرٌ ضروري بمجرّد الإنتهاء من الموازنة.

Print Friendly, PDF & Email
Source مجلة الأفكار