أستاذ جامعي وباحث نووي وإقتصادي

عجاقة لـ «الشرق»: الخيار بإيجاد التمويل المناسب ومشكلة الكهرباء تعالج بتحرير الإنتاج

على وقع التوقعات بعقد الجلسة التشريعية لمجلس النواب بين الأربعاء والخميس المقبلين في ظل تصميم  رئيس مجلس النواب  نبيه بري و»حزب الله» على إقرار سلسلة الرتب والرواتب للقطاع العام خلال الجلسة المقبلة، ترتفع وتيرة الرفض الشعبي للسلّة الضريبية التي أقرّها مجلس النواب الأسبوع الفائت والتي من المفترض أن تؤمّن مداخيل أكثر من كلفة السلسلة، كما طلب عدد من النواب، المُعترضين اقتراح مداخيل أخرى غير ضريبية.

جريدة الشرق

الخبير الإقتصادي البروفسور جاسم عجاقة اعتبر في حديث إلى «الشرق» أن «الحقيقة المُرّة تكمن في أن السلسلة ليست المشكلة بل العجز في الموازنة»، وقال: مرّت خمسة أعوام على أول طرح لمشروع سلسلة الرتب والرواتب في عهد حكومة الرئيس ميقاتي.

والظاهر أن هذه الفترة لم تكن كافية لبلورة صورة واضحة عن سلسلة الرتب والرواتب وإمكانات التمويل في ظل تراجع اقتصادي ومالي. وإذا كانت هناك من إمكانية لمغامرات مالية في العام ٢٠١٢ (مع دين عام يوازي ٥٤ مليار دولار)، إلا أن اليوم وبعد مرور خمسة أعوام أصبح من شبه المستحيل القيام بأي مغامرة مالية في ظل دين عام تخطّى الـ ٧٦ مليار دولار.

المُغامرة صعبة، لكن هذا لا يعني التخلّي عن السلسلة لأن في ذلك ظلماً اجتماعياً وتفقيرا واضحا للطبقة الوسطى. إذ أن غياب القدرة الفاعلة على السيطرة على الأسعار جعلت الحدّ الأدنى للأجور الحالي (٦٧٥ ألف ل.ل.) غير كافٍ للعيش بكرامة، بل أن ما تحتاج إليه عائلة مؤلفة من أربعة أشخاص (أب، أم وولدين) هو مليون ومئتي ألف ليرة شهريًا.

وتابع: من هنا، إن فرضية عدم إقرار السلسلة غير واقعية كونها ستؤدّي إلى ضغط اجتماعي قد يُطيح بالسلم الإجتماعي ككل. فيبقى إذاً خيار إيجاد تمويل مناسب لهذه السلسلة.

ولفت عجاقة إلى أن «الضرائب هي حق للدولة على المواطن وهذا منصوص عليه في النظرية الإقتصادية. فدور الدولة في الإقتصاد هو دور مُنظّم ومُشرّع ومُراقب والأهم دور إعادة توزيع الثروات من خلال الضرائب والخدمات. وهنا تكمن المشكلة أمام الرأي العام اللبناني، إذ أن هذا الأخير يعتقد أن الخدمات التي تُقدّمها الدولة ليست على مستوى الضرائب التي تفرضها».

وأضاف: اقتصاديًا، الضرائب ستؤمّن الأرضية لرفع هيكلي للأسعار، وهذا الأمر خطير في ظل ركود اقتصادي حيث أن هذا الارتفاع سيُلجم الاستهلاك والاستثمار. ماليًا، المشكلة الفعلية لا تكمن في السلسلة التي تبلغ كلفتها ١٢٠٠ مليار ليرة لبنانية (٨٠٠ مليون دولار أميركي) بل بالعجز في الموازنة والذي إذا ما حذفنا السلسلة والضرائب التي ترافقها تبلغ قيمته 5 مليارات دولار (أي زيادة في الدين العام بقيمة ٥ مليارات دولار).

وهذا الواقع يُثبت أن الضرائب على أرباح المصارف من الهندسة المالية التي قام بها مصرف لبنان العام الماضي، تبلغ ٨٥٠ مليون دولار وهو أكثر من كافٍ لتغطية كلفة السلسلة لهذا العام. بالطبع لن تكون هناك ضرائب مماثلة العام المقبل، إلا إذا كانت هناك هندسة مالية أخرى. لذلك المطلوب استدامة لتمويل السلسلة.

وتابع: اجتماعيًا، الضرائب ستقلّل من القدرة الشرائية للمواطن اللبناني، وهذا الأمر سيطاول بالدرجة الأولى كل الأمور الحياتية مثل السكن والنقل والطبابة والمدارس… التي تزيد من الفقر العام بين ٤ إلى ٥٪. واستشهد عجاقة بكلام لرئيس الحكومة سعد الحريري في تصريح بعد ترحيل الجلسة النيابية المخصصة لاستكمال درس الايرادات، إنه «مع إقرار السلسلة، لكن يجب تثبيت هذا الحق من خلال تثبيت الموارد».

واعتبر أن «القول محق، إنما المشكلة الأساسية في الأمر أن النشاط الاقتصادي هو الوحيد الذي يضمن تثبيت الموارد. فالضرائب التي تمّ إقرارها في مجلس النواب هي في الدرجة الأولى على النشاط الإقتصادي وبالتالي ما النفع من وضع هذه الضرائب إذا تراجع هذا النشاط؟!».

وقال: النظرية الاقتصادية لا تعتبر توازن الميزانية العامة للدولة (أي عجز الموازنة) المقياس المناسب للسياسة المالية لأنها وليدة عامليْن أساسييْن هما سياسة الديون للسنين الماضية – ما ينعكس في خدمة الدين العام، ووضع الإقتصاد الحالي في الدورة الاقتصادية.

الانضباط في المالية العامة يمرّ عبر القيود على ميزانية الدولة التي تفرض تمويل النفقات الإجمالية في الميزانية لكل سنة مالية من الضرائب أو من الإصدارات لسندات خزينة. وهذا الواقع يمكن ترجمته من خلال المعادلة الحسابية الآتية:

وأضاف: الإصدارات الجديدة (أو زيادة الدين العام) زائد الإيرادات الضريبية وإصلاحات تعادل خدمة الدين العام زائد الإنفاق العام. ما يعني أن الدين العام يرتفع إما لأن الميزان الأوّلي أقل من خدمة الدين العام، أو لأن الفجوة بين سعر الفائدة الحقيقي ومعدل النمو يزيد.

وهذان الأمران ينطبقان على لبنان، لذلك نرى وتيرة ارتفاع الدين العام سريعة جدًا نسبة إلى حجم الإقتصاد اللبناني (١٠٪ سنويًا). من هنا إن زيادة الضرائب ستقلّل من معدّل النمو، وبالتالي فإن العجز سيزيد ما يعني ارتفاع الدين العام حكمًا.

في ضوء ذلك، رأى أن «المشكلة كلها تكمن في مستوى إنفاق الدولة اللبنانية والذي يُعدّ السبب الأول للمشكلات المالية التي تعترض مالية الدولة اللبنانية».

وقال: في العام ٢٠١٥، أنفقت الدولة اللبنانية مدخولها على خدمة الدين العام والأجور وبالتالي كل النفقات الأخرى تحوّلت إلى عجز تُرجم بزيادة في الدين العام. المشكلة أن خدمة الدين العام لا يمكن المسّ بها ولا يمكن خفضها بسهولة، لذلك يبقى أمامنا البندان الأساسيان اللذان يُشكّلان مدخلاً لحل مشكلة الإنفاق: كتلة الأجور ودعم مؤسسة كهرباء لبنان.

وذكّر بالبيانات التي تشير إلى أن «كتلة الأجور في القطاع العام تضاعفت بين العامين ٢٠٠٨ و٢٠١٥ وبالتالي فإن نصف مدخول الدولة يذهب إلى الأجور (أرقام العام ٢٠١٥). من هذا المنطلق يتوجّب على الحكومة وقف التوظيف العشوائي في الحكومة وذلك أقلّه لفترة ثلاثة أعوام».

وتابع: أما في ما يخصّ دعم مؤسسة كهرباء لبنان، فبلغت قيمة التحاويل من العام ٢٠٠٨ وحتى اليوم ١٦ مليار دولار أي ما يوازي ٤٦٪ من الدين العام. علماً أن ٤ مليارات دولار كانت كفيلة بتأمين كل حاجة لبنان من معامل كهرباء حديثة.

واعتبر أن «مشكلة الكهرباء يمكن حلّها بالطرح الذي تقدّمت به القوات اللبنانية والذي ينصّ على تحرير الإنتاج. وهذا الطرح لا يُكلّف الدولة اللبنانية لجهة أن قطاع المولّدات الخاصة له قدرة إنتاجية توازي قدرة الدولة، وبالتالي يمكن وضع خطّة لا تتعدّى العام لتحرير هذا القطاع كليًا، ما يعني توفير ٢٤٠٠ مليار ليرة لبنانية سنويًا». وأضاف: كذلك يتوجّب على الدولة فرض سلطتها المالية على مرفأ بيروت من خلال وضع كتيبة تابعة للجيش اللبناني لمراقبة كل العمليات في المرفأ، وهذا في اعتقادنا كفيل بتأمين ما لا يقل عن مليار دولار أميركي سنويًا.

أما على صعيد التهرّب الضريبي لا سيما التهرّب من الضريبة على القيمة المضافة، فقال: يتوجّب ملاحقة الاستثناءات التي تطاول كبار المكلّفين إضافة إلى التشدّد في جباية هذه الضريبة، خصوصًا أن الضريبة على القيمة المضافة هي المدخول الأول للدولة.

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More