أستاذ جامعي وباحث نووي وإقتصادي

اللبنانيون يستثمرون خارج لبنان

أظهرت أرقام الـ UNCATD أن الإستثمارات الأجنبية المُباشرة في لبنان إنخفضت بقيمة ١٩,٤٤٪ مُثبتة بذلك الإتجاه التراجعي لهذه الإستثمارات. في المقابل تُظهر الأرقام أن إستثمارات اللبنانيين في الخارج إرتفعت في الأعوام الماضية. فكيف يُمكن قراءة هذه الأرقام وما تداعياتها على الإقتصاد؟  تُعتبر الإستثمارات عصب الإقتصاد من ناحية أنها الوحيدة القادرة على خلق الوظائف وبالتالي زيادة الإستهلاك بما يؤدّي إلى خلق ثروات تُترجم بما يُسمّى النمو الإقتصادي (الفرق بين الناتج المحلّي الإجمالي للعام الحالي والسابق كنسبة مئوية). من هذا المُنطلق، نرى أن الإستثمارات هي المؤشر الأول لما سيكون عليه النمو الإقتصادي في المرحلة المُقبلة. أرقام الـ UNCTAD تُظهر أن الإستثمارات الأجنبية المباشرة في لبنان إنخفضت منذ العام ٢٠١٠ من ٣.٧٥ مليار دولار أميركي إلى ٢.٣٤ مليار دولار أميركي في العام ٢٠١٥. والإنخفاض الأكبر (كنسبة مئوية) كان في العام ٢٠١٣ نسبة إلى العام ٢٠١٢ حيث إنخفضت هذه الإستثمارات من ٣.١٦ مليار د.أ. إلى ٢.٧ مليار د.أ، أي بنسبة ٢٣٪ وأتت نتيجة النزوح السوري الذي أخذ أبعاداً جديدة مع زيادة هائلة وإرتفاع وتيرة التفجيرات التي طالت قلب العاصمة بيروت. في العام ٢٠١٤ إرتفعت هذه الإستثمارات بنسبة ٦٪ والتي تُعتبر حركة تصحيحية للإنخفاض الذي طال العام ٢٠١٣. ويأتي الإنخفاض في العام ٢٠١٥ ليؤكد الإتجاه الإنخفاضي لهذه الإستثمارات والتي خسرت أكثر من ٣٧٪ منذ العام ٢٠١٠. الترجمة الاقتصادية لهذا الإنخفاض هو تراجع النمو وزيادة البطالة التي يُضاف إليها العمالة السورية التي زاحمت بشكل كبير اليد العاملة اللبنانية. وبالنظر إلى النمو الاقتصادي للأعوام ٢٠١٠ إلى العام ٢٠١٥، نرى أن هذا النمو لم يتراجع بل إستقر حول الـ ١٪. يعود السبب إلى تحويلات المُغتربين التي دعمت بشكل كبير الإستهلاك وذلك إستناداً إلى الدراسة التي قامت بها جامعة القديس يوسف في العام ٢٠١٥ والتي أظهرت أن القسم الأكبر من هذه التحويلات تذهب إلى الإستهلاك. وبالتالي أصبح النمو الاقتصادي رهينة هذه التحويلات التي وبالتزامن مع مبدأ الإنيرثيا (Inertia)، ساهمت بالحفاظ على حجم الاقتصاد. لكن بالطبع سيكون هناك تداعيات سلبية في حال تراجعت هذه التحويلات، فهذه الأخيرة مُرشّحة للإنخفاض مع خروج بريطانيا من الإتحاد الأوروبي نظراً إلى إنخفاض الباوند مقابل الدولار الأميركي (تحويلات المغتربين اللبنانيين في بريطانيا تُقارب الـ ١٥٤ مليون دولار أميركي سنوياً) ولكن الأهم هو التراجع الذي قد يحصل نتيجة تراجع الإقتصادات الأوروبية والأميركية. جدير بالذكر أن هذه الدول تحتل المراتب السبعة الأولى مع المملكة العربية السعودية في تحويلات المُغتربين اللبنانيين إلى لبنان. من جهة أخرى، الإستثمارات اللبنانية في الداخل تبقى بحسب أرقام كفالات لا تتعدى المئة مليون دولار أميركي في العام ٢٠١٥ أي ما يوازي ٤٪ من حجم الإستثمارات الأجنبية المُباشرة في لبنان. لكن المُلفت في الأمر هو حجم الإستثمارات اللبنانية في الخارج والتي وصلت إلى مستويات عالية جداً مع ١.٩٧ مليار د.أ في العام ٢٠١٣ لتعود وتنخفض إلى ٦١٩ مليون دولار أميركي في العام ٢٠١٥. هذا الأمر يُظهر إلى العلن أن الأموال ليست ما ينقص للقيام بإستثمارات في لبنان، بل أن الوضع السياسي والأمني هو العامل الأساسي. وبالتالي فإن فقدان المُستثمرين اللبنانيين للثقة بالعمل السياسي والوضع الأمني في لبنان، جعلهم يبحثون عن فرص إستثمارية في مناطق إقليمية أخرى مثل تركيا وسلطنة عُمان والعراق وبعض الدول الخليجية. النظرية الاقتصادية تنص على ان الإستثمارات ترتبط بشكل أساسي بالثقة التي يوليها المُستثمر للإقتصاد. هذه الثقة تتأثر بستة عوامل هي : الثبات السياسي، الثبات الأمني، تداول السلطات، الإصلاحات الإقتصادية، الخطط الإقتصادية، ومحاربة الفساد. وبالتالي وعند وجود هذه العوامل، يُقيّم المُستثمر الفرص بين الدول والمناطق بطريقة يُعظّم فيها نسبة عائدات الإستثمار إلى المخاطر. أما في لبنان وفي غياب هذه العوامل، نرى أن العديد من المُستثمرين الأجانب وجدوا أن نسبة عائدات الإستثمارات على المخاطر في لبنان ليست كافية مما دفع العديد منهم إلى سحب إستثماراتهم من لبنان وحتى من دول إقليمية عديدة لحساب دول إقليمية أخرى ودول في طور النمو حول العالم. ويُلاحظ هنا ان حجم استثمارات اللبنانيين في الخارج يفوق بشكل كبير حجم إستثماراتهم في لبنان وذلك من منطلق أنهم يُقيّمون بشكل واقعي أكثر المخاطر الناجمة عن الإستثمار في لبنان. على الرغم من وجود العديد من القطاعات الواعدة في لبنان كقطاع التكنولوجيا وقطاع النفط والصناعات التحويلية والزراعة والتي تُترجم بعائدات تفوق أي إستثمار حالي في العالم أجمع (قطاع التكنولوجيا في لبنان يشهد نموا بأكثر من ٢٠٪ سنوياً)، نرى أن تقييم المُستثمرين للمخاطر يفوق الفائدة من عائدات الإستثمارات. لذا ومن هذا المُنطلق يتوجب على السلطة السياسية العمل على إعادة هذه الثقة عبر العمل على العوامل التي تؤثر على هذه الثقة: أولاً: الثبات السياسي وتداول السلطات من خلال تسوية سياسية شاملة تضمن إنتخاب رئيس للجمهورية، قانون إنتخابي جديد، إنتخاب مجلس نيابي جديد وملء الشغور في الوظائف العامة؛ ثانياً: العمل على الثبات الأمني عبر وضع خطة لتسليح الجيش اللبناني تشمل أسلحة لمحاربة الإرهاب على وتيرة ٥٠٠ مليون دولار أميركي سنوياً على فترة ٤ إلى ٥ سنوات. هذا الأمر في معزل عن الهبة السعودية والمُساعدات الأميركية للجيش اللبناني؛ ثالثاً: الإصلاحات الإقتصادية ومحاربة الفساد عبر إقرار سلّة من القوانين التي تطال الشراكة بين القطاع الخاص والعام، الإصلاح الإداري، مكننة الوزرات والمؤسسات العامة، محاربة الفساد وإعتماد الشفافية في المعاملات الإدارية، وأخيراً تحفيز المناخ الإستثماري من خلال السياسات الضريبية ودعم الشركات الصغيرة والمُتوسطة الحجم؛ رابعاً: وضع خطة إقتصادية تُترجم بموازنة يتمّ إقرارها في مجلس النواب على أن تطال دعم القطاعات الواعدة الآنفة الذكر والتي ستؤسّس لماكينة إقتصادية قوية تعتمد على مداخيلها لسدّ الدين العام. كما يجب أن تطال هذه الخطة رؤية إنمائية للبنان يبدأ تطبيقها مع بدء إستخراج النفط من خلال صندوق سيادي يتم إستخدام عائداته لهذا الغرض. يبقى القول أن الإستثمارات والنهضة الإقتصادية في لبنان هي رهينة الطبقة السياسية حيث أن الإتفاق السياسي الذي طال إنتظاره ولم يُبصر النور حتى الساعة، يُمكن ترجمته في تنفيذ الإجراءات المذكورة أعلاه والتي ستعود على لبنان وإقتصاده بالخير والإنتعاش.

رابط الجمهورية

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More