أستاذ جامعي وباحث نووي وإقتصادي

إسرائيل عاجزة عن ضرب إيران لأسباب اقتصادية

تعيش منطقة الشرق الأوسط هاجس حرب إقليمية محورها إيران، حيث يخشى المحللون السياسيون من ضربة عسكرية توجهها إسرائيل الى المنشآت النووية الإيرانية. لكن، بالنظر الى هيكلية الإقتصاد الإسرائيلي وأدائه، يمكن الاستنتاج ان هذا الإحتمال غير جدي، لأسباب اقتصادية.  يتميّز الكيان الصهيوني بثقافة غنية ناتجة عن هجرة اليهود من الغرب والشرق الى إسرائيل. وتتمتّع إسرائيل بإقتصاد صناعي متقدّم من الناحية التكنولوجية جعلها في المرتبة 22 في العالم، وفقاً لمؤشر التنمية البشرية للأمم المتحدة، والأولى في الشرق الأوسط والثالثة في آسيا. وما ساعد إسرائيل في هذا التقدّم الصناعي، الدعم الأميركي للدولة العبرية والذي ظهر منذ إنشائها في العام 1948.

وتجلّى هذا الدعم بنقل المعرفة الى إسرائيل كما والأيدي العاملة الكفوءة. وفهم الإسرائيليون أهمية الإبتكار في الإقتصاد فعمدوا الى تحفيز الهجرة الى إسرائيل للخبراء الغربيين والشرقيين من أصل يهودي.

وإسرائيل دولة خالية نسبياً من الموارد الطبيعية بإستثناء الغاز الطبيعي الذي أكتشف حديثاً في البحر المتوسط. لذا عمدت الى تنمية القطاع الصناعي بشكل مُلفت، وتمّ وضع إستراتيجية، على النمط الأميركي، لدفع الأبحاث التكنولوجية (40% من الصادرات في 2011). وأخذت برصد مبالغ هائلة لها بحيث تحتل المرتبة الأولى في العالم من ناحية تمويل الأبحاث (4,7% من الناتج المحلي الإجمالي في 2006).

هذا التمويل يأتي بشكل خاص من القطاع الخاص بعكس الدول المتطورة. وتشمل الأبحاث المجالات التالية: الطب، الفيزياء، الزراعة، الجينية، علوم الحاسوب، الإلكترونيات، البصرية… وشمل التطبيق المجال العسكري بالدرجة الأولى والمعلوماتية وغيرها…

نقص إسرائيل للموارد الطبيعية وتمتع شبابها بمستوى تعليمي عالٍ دفع المستثمرين الأجانب (معظمهم من أصل يهودي) الى الإستثمار في الشركات الخاصة. هذا الإستثمار لعب دوراً أساسياً بالتطور التكنولوجي الذي تشهده إسرائيل (بلغت نسبة هذه الإستثمارات 11 مليار دولار في 2011 كما وأحرزت تقدماً في العقود الأخيرة أهّلها للإنضمام الى منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية حيث أصبحت إسرائيل رسمياً في العام 2010 عضواً في هذه المُنظمة.

إستطاع الإقتصاد الإسرائيلي الصمود في وجه الأزمة المالية العالمية بفضل السيولة العالية التي يتمتع بها القطاع المصرفي الإسرائيلي، ودين عام منخفض نسبياً، وسياسة إقتصادية سليمة مع موازانات شبه مطابقة للواقع. ولعب عامل الإستثمار الخارجي في إسرائيل دوراً أساسياً في تحقيق النمو في حين تتخبّط باقي الدول في الركود الإقتصادي.

وبلغ الناتج المحلي الإجمالي الإسرائيلي 245 مليار دولار في العام 2011 مسجلاً بذلك نمواً بنسبة 4,8% في 2011 ، و2,3% في 2012؛ وبلغ التضخّم نسبة 2,2% في 2011 مقابل 2,1 في 2012. أما عجز الموازنة فبلغ 3,3% من الناتج المحلي الإجمالي في 2011 (العجز في لبنان تخطى الـ 10%). وأنخفض الدين العام الإسرائيلي الى 74% من الناتج المحلي الإجمالي في 2011.

وبالنظر الى توزيع الشراكة التجارية مع العالم نجد أن علاقة إسرائيل مع أميركا قوية جداً، إذ تُشكل أميركا الشريك الأول لإسرائيل في الإستيراد والتصدير. لكن المُشكلة تكمن بتعلق الإقتصاد الإسرائيلي بالإقتصاد الأوروبي الذي يعيش أزمة ديون سيادية حادة قد تؤدي الى خفض نمو الإقتصاد الإسرائيلي (33% من مجموع الإستيراد).

وعلى الرغم من الأداء العالي للإقتصاد إلإسرائيلي في عام 2011، شهدت الدولة العبرية أحداثاً إجتماعية وإقتصادية لم يسبق لها مثيل من قبل في هذا البلد. وقد إندلعت ثورة اجتماعية في تموز2011 وتظاهر ما يقارب المليون إسرائيلي إحتجاجاً على غلاء المعيشة، نقص المساكن وإستحالة الشباب الوصول إلى إمتلاك عقارات بديون مقبولة. وندّدت التظاهرات بدور الإحتكار الذي تلعبه المجموعات العائلية في الإقتصاد. وكرد على هذه التظاهرات، قامت الحكومة الإسرائيلية بعدد من الخطوات الإصلاحية طالت السياسة الضريبية بشكل أساسي.

يبقى السؤال الأساسي عن قدرة الإقتصاد الإسرائيلي على تحمّل حرب مع إيران. فهل ستُقدم الدولة العبرية على ضرب إيران؟

لا يخفى على أحد أن إسرائيل تخشى بشكل كبير إمتلاك إيران قنبلة نووية خصوصاً مع الأبعاد الدينية التي تحملها هذه القضية. ولولا العوائق التي تعترض الهجوم الإسرائيلي لكانت إسرائيل ضربت منذ مدة طويلة المنشآت النووية الإيرانية كما فعلت في العراق. فما هي هذه العوائق؟

المسؤول الإسرائيلي الوحيد الذي علق على العواقب الإقتصادية للحرب مع إيران، هو حاكم المصرف المركزي الإسرائيلي ستانلي فيشر: “إن الهجوم ضد إيران ستكون له تداعيات خطيرة ولكن نحن على استعداد لمواجهة هذه الأزمة وعواقبها”. وأضاف فيشر أن الصراع مع إيران سيؤدي بالتأكيد إلى زيادة في ميزانية الدفاع (بلغت هذه الميزانية 15 مليار دولار في الـ 2012).

والعجز في الميزانية الناتج عن زيادة ميزانية الدفاع، سينتج عنه بلا شك ضرب الشيكل الإسرائيلي (عملة الدولة العبرية)، لكن إسرائيل تملك إحتياطاً بالعملة الأجنبية يبلغ 75 مليار دولار أميركياً (30% من الناتج المحلي الإجمالي). هذا الإحتياط يسمح للدولة العبرية بشراء السلع بالعملة الأجنبية والدفاع عن الشيكل. لكن لكم من الوقت؟

فإندلاع حرب مع إيران سيكون مُكلفاً جداً على الإقتصاد الإسرائيلي. والكلفة العسكرية تُقدر بـ 370 مليون دولار في كل يوم حرب. أضف الى ذلك شلل الاقتصاد الإسرائيلي الناتج عن الهجمات الإيرانية. وللذكر خلال عدوان تموز 2006، أطلق حزب الله أكثر من 4000 صاروخ على شمال اسرائيل، مما أجبر مليون إسرائيلي الى النزوح الى جنوب إسرائيل أو اللجوء الى الملاجئ. وكنتيجة هذا النزوح شهد الاقتصاد الإسرائيلي تراجعاً يُمكن ملاحظته من خلال النمو (أنظر الى الرسم).

ويُعتبر الشيكل الإسرائيلي أولى ضحايا الحرب مع إيران يليه القطاع السياحي والصناعي والتجاري. والخوف الأكبر في حال إندلاع حرب مع إيران هو تزعزع ترسانة الدفاع الجوي الإسرائيلي مما قد يسمح للصواريخ الإيرانية وصواريخ حزب الله بالوصول الى منشآت حيوية إسرائيلية قد تشل بنسبة كبيرة الإقتصاد الإسرائيلي. ويُقدّر بعض الخبراء العسكريين عدد الصواريخ التي قد تطال إسرائيل بنحو 55000 صاروخ.

لذا، ومما تقدّم، نجد أن هناك إستحالة في الوقت الحالي لضربة قد توُجهها إسرائيل الى إيران، إلا إذا غيّر الأميركيون رأيهم وقادوا هذه الضربة، وهذا مُستبعد أيضاً، نظراً للعواقب الإقتصادية على الإقتصاد الأميركي.

رابط الجمهورية

 

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More