أستاذ جامعي وباحث نووي وإقتصادي

عجاقة: مع رفع الفائدة قد يزيد تدفق رؤوس الأموال إلى لبنان

أرخى إعلان رئيس الحكومة سعد الحريري تريّثه في الاستقالة، ظلاله على الأسواق المالية، فخيّم عليها الارتياح استعادت فيه سوق القطع حركتها الطبيعية، إلى جانب تحسّن سندات الخزينة «يوروبوند»، وارتفاع سعر سهم سوليدير بفئتيه «أ» و»ب».
وفي حين أعلن حاكم مصرف لبنان رياض سلامة «محدودية التأثيرات التي تعرّضت لها الأسواق النقدية في لبنان بسبب الأزمة السياسية»، مؤكداً «استمرار الاستقرار خصوصاً بعد عودة الأسواق إلى نمط هادئ»، ليطمئن إلى أنه «أصبح لدى القطاع المصرفي ما يكفي من الاحتياط لمواجهة أي تباطؤ اقتصادي إن حصل خلال الأعوام المقبلة»، تلقى عدد كبير من المصارف سلسلة اتصالات تستفسر عن التطورات النقدية وارتفاع الفوائد، وإمكان تحويل ودائعهم أو أموالهم من الدولار إلى الليرة اللبنانية، ما اعتُبر مؤشر ثقة بالعملة اللبنانية.
وما عزّز الإقبال على التحويل من الدولار الأميركي إلى الليرة اللبنانية، هو رفع الفائدة على الودائع بالليرة سعياً إلى زيادة الاحتياطي من العملات الأجنبية ودعم سعر صرف الليرة.
وفي هذا السياق، اعتبر الخبير الاقتصادي البروفسور جاسم عجاقة أن المحافظة على قيمة العملة الوطنية هي «المهمّة الأولى للمصرف المركزي الذي يستخدمّ أدوات أساسية عدة لهذه المهمّة: تثبيت سعر الفائدة الأساسي، تثبيت قيمة الاحتياطات الإلزامية، عمليات الـ Open Market، التدخّل في أسواق القطع، إدارة الاحتياط من الذهب والعملات الأجنبية، والهندسات المالية.
ولفت في حديث إلى «الشرق»، إلى أن «تحديد سعر الفائدة أمر معقّد على المصرف المركزي الذي يتوجّب عليه الأخذ في الاعتبار مؤشرات نقدية، مالية، واقتصادية والاعتماد على نماذج حسابية لتحديد الفائدة التي تُحقّق أموراً عدة في الوقت نفسه:
– أولاً: ثبات العملة الوطنية: فرفع الفائدة يزيد من قيمة العملة الوطنية في حين أن انخفاض الفائدة يقلّل من قيمة العملة الوطنية. وفي ظل نظام سعر صرف ثابت، رفع الفائدة يقلّل الضغط على الاحتياطي من العملات الأجنبية في حين أن العكس يزيد من الضغط عليه.
– ثانيًا: ثبات الأسعار المتمثّل في التضخمّ حيث أن رفع الفائدة يقلّل من التضخّم لكنه في الوقت نفسه يقلّل من الاستثمار ويضرب النمو الاقتصادي في حين أن خفض الفائدة يزيد من التضخم ويحفّز النمو الإقتصادي. من هنا أهمية إيجاد سعر الفائدة المُناسب.
– ثالثًا: خفض سعر الفائدة يؤثّر إيجابًا على النمو الاقتصادي من خلال زيادة القروض خصوصًا الاستثمارية منها والتي تنعكس نموًا بشكل خطّي على هذا النمو.
– رابعًا: زيادة فرص العمل أو خفض البطالة وذلك من خلال زيادة الاستثمارات التي تؤدّي حتمًا إلى زيادة القدرة الإنتاجية ومعها اليد العاملة. وبحسب النظرية الاقتصادية، فإن ارتفاع سعر الفائدة يزيد من البطالة والعكس صحيح.
أضاف: مما سبق، نرى أن هناك معوقات كبيرة في تحديد سعر الفائدة والتي يصعب أحيانًا تحديدها من خلال النماذج الحسابية نظرًا إلى العوامل التي تؤثر فيها، والعلاقة بين العوامل المؤثرة نفسها. إذاً كيف لمصرف لبنان أن يتصرف حيال هذا الأمر؟
وأشار رداً على سؤال، إلى «مدى تأثر الاقتصاد اللبناني نتيجة التخبّط السياسي والذي يدوم منذ أكثر من عقدين. لكن الأزمة السياسية الحالية قد تأخذ أبعاداً كبيرة مع تضييق الخناق العربي والدولي على لبنان يساعد في ذلك ارتباطات الأفرقاء السياسين في الخارج».
وتابع: لذلك على الرغم من تريّث الرئيس الحريري في استقالته ما زالت المخاطر الكبيرة تلامس الاقتصاد الوطني وماليّته العامة نتيجة غياب القرارات الاقتصادية والمالية. وبالتالي، إن الاستمرار في هذا النهج سيدفع إلى تعقيدات مالية كبيرة على صعيد الدولة قد تفرض تدخّل مصرف لبنان بشكل أكبر لإنقاذ مالية الدولة.
وذكّر عجاقة بأن «من المعروف أن سياسة الثبات النقدي المعتمدة من مصرف لبنان كان لها تأثير إيجابي على المواطن اللبناني والاقتصاد، حيث حافظ اللاعبون الاقتصاديون على قيمة ممتلكاتهم على الرغم من التخبّط السياسي والأمني الذي عصف بالبلاد منذ نهاية الحرب الأهلية وحتى يومنا هذا. وسياسة الثبات النقدي المعتمدة من قبل مصرف لبنان لها ركيزتان أساسيتان هما: ثبات سعر صرف الليرة اللبنانية، وثبات أسعار الفائدة».
وقال رداً على سؤال: لا يسمح ربط الليرة اللبنانية بالدولار الأميركي باستقلالية السياسة النقدية في ما يخصّ الفائدة، وذلك بحسب مثلث عدم التوافق والذي ينصّ على أنه في بلد معيّن لا يُمكن الاستحصال على ثلاثة أمور في الوقت نفسه: سعر صرف عملة ثابت، حرية تنقل رؤوس الأموال، وسياسة نقدية مستقلة. وبما أن لبنان يتمتّع بثبات سعر صرف عملة وحرية تنقل رؤوس الأموال، لذا فإنه لا يتمتّع بسياسة نقدية مستقلّة تجاه الفائدة.
وأضاف: بما أن الاتجاه العالمي هو لرفع الفوائد بعد مضي أكثر من عشر سنوات (منذ الأزمة المالية العالمية) على أسعار فائدة منخفضة، بحكم أن هناك تحسناً للاقتصاد العالمي خصوصًا الأميركي، لذلك نرى أن المصرف المركزي مُلزم برفع سعر الفائدة الأساسي وذلك حفاظاً على التوازن المالي تحت طائلة استنزاف الاحتياطي من العملات الأجنبية.
وعما إذا كان رفع الفائدة سيحدّ من النمو الاقتصادي، قال عجاقة: بعد مرور أكثر من سبع سنوات من سحب الخليجيين لاستثماراتهم في لبنان، وعلى الرغم من سعر فائدة منخفض، لم تتحسّن الاستثمارات في لبنان حيث نرى أن اللبناني يستثمر خارج بلده أكثر من استثماره في الداخل كما تُظهره البيانات التاريخية.
وأضاف: مع رفع الفائدة، من المتوقع أن يزيد تدفق رؤوس الأموال إلى لبنان وبالتالي ستكون هناك فرصة اقتصادية أكبر في حال تمّ تحقيق إصلاحات اقتصادية مؤاتية لعائدات استثمار أعلى مما يحصده المستثمر اللبناني في الخارج. كما أن الشركات العالمية ستكون متحمّسة أكثر إلى الاستثمار في لبنان.
وتابع: لرفع الفوائد على الليرة اللبنانية تداعيات إيجابية أيضاً في لجم المخاوف لدى المواطن اللبناني حول وضع عملته الوطنية بعد الخضّات السياسية المتتالية. إذ لا يوجد أي سبب تقني يُنذر بوجود مخاطر على الليرة اللبنانية مع احتياطي يفوق الـ44 مليار دولار أميركي من العملات الأجنبية.
وختم عجاقة بالقول: نرى أن على الحكومة وقف النزف الاقتصادي وفصل السياسة عن الاقتصاد، والقيام أيضاً بإجراءات ضرورية تواكب رفع الفائدة حتى لا يتحوّل لبنان إلى يونان ثانٍ بسبب تراجع المداخيل الناتجة عن تراجع النشاط الاقتصادي، لأن هامش تحرّك الدولة أصبح أضيق من السابق.
رابط الشرق

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More