أستاذ جامعي وباحث نووي وإقتصادي

الإمارات العربية المُتحدّة.. واحة النمو والثبات

مع إحتياط نفطي هائل، تُسجّل الإمارات العربية المُتحدة منذ عقود نموًا إقتصاديًا كبيرًا مع دخل فردي من الأعلى بين دول العالم. لكن ميزة هذه الدولة تبقى في التنويع الإقتصادي حيث أن القطاع المالي، والعقاري والتكنولوجيا والسياحة سمحت للإمارات بتخطّي أزمة إنخفاض أسعار النفط كما أن إشراك العنصر الشبابي والنسائي في وضع السياسات الإنمائية دفع بالإمارات إلى محاكاة التطور الإجتماعي والإنمائي. الإمارات العربية المُتحدة هي إتحاد فيدرالي لسبع إمارات هي إمارة أبوظبي وإمارة دبي وإمارة عجمان وإمارة الشارقة وإمارة رأس الخيمة وإمارة أم القيوين وإمارة الفجيرة. وتتميّز الإمارات بإحتوائها على موارد نفطية وغازية هائلة حيث تُصنّف في المرتبة السابعة عالميًا من ناحية إحتياطها، والرابعة بين دول “الأوبك” من ناحية إنتاج النفط والسادسة عالميًا من ناحية إنتاج الغاز.
وعلى الرغم من وجود الإمارات في في منطقة ساخنة سياسيًا وعسكريًا، إلا أن حكمة حكّامها سمحت لها بالنأي عن نفسها من التدخل في الصراعات الإقليمية والتركيز على إقتصادها. وككل ثروة نفطية وغازية، فإن ثروة الإمارات عرضة للنضوب بحسب مُنحنى هوبارت (Hubert Curve) والذي ينصّ على أن كل طاقة أحفورية تتبع منحنى يرتفع مع الوقت ليبلغ القمة (Energy Peak) ليُعاود بعدها مرحلة الإنحدار قبل أن يصل إلى النضوب. من هذا المُنطلق، قام حكّام الإمارات بتنويع الإقتصاد بهدف تنويع المداخيل حيث كانت إمارة دبي، وهي التي لا تملك إلا القليل من الثروة النفطية، السبّاقة في الإعتماد على السياحة، القطاع المصرفي، الأسواق المالية والتجارة. وبالتالي تحوّلت إلى HUB إقليمي يمتلك بنية تحتية ضخمة من طرقات، مطارات ومرفأ تحتل فيه المرتبة السادسة عالميًا.
أبو ظبي أيضًا قامت بدعم بنيتها التحتية من خلال توسيع مطارها الدولي الذي من المُتوقّع أن يستوعب 30 مليون شخص سنويًا. كما قامت بالإستثمار في قطاعاتها الإنتاجية مثل المركز التجاري الجديد الذي يحتل المرتبة الثانية إقليميًا من ناحية السعة. وأخذ الحكام بتوجيه سياستهم الإقتصادية نحو الإنماء المُستدام من خلال إستقبالهم للوكالة الدولية للتنمية المُستدامة ودعم الشاريع الإنمائية المُستدامة. وللثقافة دورها أيضًا مع إفتتاح الـ GuggenheimAbu Dhabi و الـ Louvre Abu Dhabi الذين يُشكّلان نقطة تحوّل في السياسات العربية تجاه الثقافة.
وإعتمد حكام الإمارات سياسة الإنفتاح على العالم وإستقطبوا العديد من اليد العاملة الأجنبية (88.5% من السكان هم أجانب) في بلد يبلغ تعداد سكانه الـ 8.2 مليون شخص.
هذا التوجه في تنويع الإقتصاد الإماراتي أعطى ثماره حيث نرى أن القطاع النفطي لم يعد يُشكّل أكثر من ثلث الناتج المحلّي الإجمالي. وأظهر الإقتصاد الإماراتي مقاومة جدّية خلال الأزمة المالية التي عصفت بالإمارات في العام 2009 كما وخلال فترة إنخفاض أسعار النفط العالمية. لكن هذه المُقاومة التي تبقى الأفضل بين نظرائها الخليجيين، لم تعفي إمارة أبو ظبي من تداعيات إنخفاض أسعار النفط حيث من المُتوقع أن يكون هناك تباطئ في هذه الإمارة نظرًا لإعتمادها على النفط بنسبة 49% مما دفعها إلى خفض إنفاقها تفاديًا للعجز في الموازنة. أما إمارة دبي التي تأثرت بأزمة العام 2009، فإنها تُظهر مقاومة أكثر تجاه إنخفاض أسعار النفط نظرًا لعدم إعتمادها على النفط.
أمّا على مستوى الإمارات ككلّ، يبقى قطاعي السياحة والمال المُحرّكين الأساسيين للنشاط الإقتصادي. وعلى الرغم من العصر الذهبي الذي عاشه في السنين الماضية، يواجه القطاع العقاري مُشكلة الركود نتيجة عوامل داخلية وخارجية وعلى رأسها تراجع الإقتصاد العالمي. أمّا قطاع الخدمات، فيُعاني من تراجع في الإستهلاك نتيجة تراجع الإستهلاك الحكومي بالدرجة الأولى وتراجع الإستثمارات العامّة.
ماليًا، يبقى ربط الدرهم الإماراتي بالدولار الأميركي عامل سلبي بسبب إرتفاع سعر الدولار الأميركي مما يؤثر سلبًا على الصادرات الإماراتية. وما رفع الفوائد في الولايات المُتحدة الأميركية إلا السبب الرئيسي لتراجع الصادرات الإماراتية، إلا أنها من جهة أخرى خلقت تضخمًا بسيطًا في الإقتصاد الإماراتي الذي من المُتوقّع أن يدعم النمو الإقتصادي خصوصًا مع رفع الدعم عن بعض السلع. هذا التضخمّ هو علامة إيجابية نظرًا للتراجع في أسعار العقارات.
العجز العام إرتفع في العام 2016، لكنه من الأضعف بين دول الخليج الأخرى ومن المُتوقّع أن ينخفض هذا العجز في العام 2017 مع إرتفاع أسعار النفط نسبة إلى العام 2016.
أما القطاعات غير النفطية فمن المُتوقّع أن ترتفع بشكل بسيط في العام 2017 نظرًا لسياسة الإنفاق الإنكماشية مع 13 مليار دولار أميركي مُتوقع إنفاقها في قطاعات الطاقة والمياه والسكن (مشروع الشيخ زايد).والأهم في الأمر أن الحكام الإماراتيين وضعوا خطّة للفترة بين العامين 2017 و2021 لترشيد الإنفاق الحكومي عبر التركيز على الإنفاق التربوي والصحّي والبنى التحتية وذلك بهدف مواكبة التطور الديموغرافي للسكان.
وللمرّة الأولى وكنتيجة لتراجع المداخيل النفطية، أصدرت الإمارات سندات خزينة في الأسواق العالمية (أبو ظبي – 5 مليار دولار اميركي). وإذا كانت مديونية الإمارات مقبولة بالمعايير الدولية نظرًا لحجم الإقتصاد والإحتياط من العملات الأجنبية (81 مليار دولار اميركي)، إلا أن دين الشركات الحكومية في دبي يبقى عاليًا (70% من الناتج المحلّي الإجمالي مقارنة بـ 27% في أبو ظبي) مما يفرض طرح أسهم بعض هذه الشركات في الأسواق.
ويبقى القول أن الإمارات التي آنتْ بنفسها عن الصراعات الإقليمية، تُعطي دورًا أكبر للمرأة في الحياة السياسية من خلال مشاركتها الفعلية في السياسات الإنمائية وتراهن بشكل كبير على العنصر الشبابي مما جعل من الإمارات العربية المُتحدة واحة نمو إقتصادي وثبات سياسي في منطقة تتسابق فيها الدول إلى التسلّح.
رابط الإقتصاد  

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More