أستاذ جامعي وباحث نووي وإقتصادي

هل التضخُّم هو الحل للدين العام اللبناني؟

دخل الدين العام اللبناني مرحلة اللاعودة مع تفاقم أزمة المالية العامة وعدم القدرة على السيطرة على خدمة الدين العام التي تتحوّل أتوماتيكياً إلى ديناً عاماً. وهناك دراسات في الإقتصاد كدراسة رينهارت، تقول أن زيادة التضخم تسمح بتخفيض نسبة الدين العام على الناتج المحلي الإجمالي. فهل تصلح هذه الوصفة للدين العام اللبناني؟ الدين العام هو مجموع الأموال التي تقترضها الحكومة بإسم الشعب. وهناك وسائل عدة لإقتراض الأموال أهمها إصدار سندات خزينة في الأسواق. ومثل كل دين يتوجب دفع فوائد تُسمّى “خدمة الدين العام” ويتم تسديد هذا الدين وفوائده بحسب مواعيد تُلحظ في الوقت نفسه الذي يتم فيه إصدار السندات.هناك خمسة أسباب تدفع الدول إلى إقتراض الأموال.

السبب الأول: خلل زمني بين تاريخ قبض المداخيل وتاريخ الدفع، ممّا يدفع الدولة إلى الإقتراض في الأسواق لسد الحاجة لفترة قصيرة. فمثلاً حجم الأموال التي قد تكون الدولة ملزمة دفعها (كأجور الموظفين، سد رأسمال دين معين…) قد لا يتوفر في خزينة الدولة في اللحظة التي يتوجب فيها دفع هذه الأموال.

السبب الثاني: حاجة الدولة لتمويل إستثمار معين كانت قد خططت له الحكومة في مشروع الموازنة.

السبب الثالث: إستخدام الدين كرافعة تسمح بزيادة المداخيل، ولكنها تتطلب كثيراً من التقنيات وسلوكا ثابتا من ناحية المالية العامة.

السبب الرابع: حدث غير إعتيادي، كعدوان تموز 2006، ممّا يدفع الدولة إلى إصدار سندات بهدف مواجهة الإستحقاقات التي تسبب فيها هذا الحدث.

السبب الخامس: سوء إدارة لموازنة الدولة ينتج عنه عجز يتوجب تغطيته، وفي غياب أية مداخيل إضافية ناتجة عن وضع ماكرو-إقتصادي، يتم إقتراض الأموال لسد هذا العجز.

الأسباب الأولى والثانية والثالثة أسباب طبيعية من ناحية أنها تأتي من الطبيعة التشغيلية للدولة وتصريف أعمالها كما ومن ناحية تحسين أداء الإقتصاد. وإذا كان السبب الرابع، كما سبق الذكر، حدث غير إعتيادي لا يحصل كل يوم، إلا أن السبب الخامس، أي سوء إدارة الموازنة، يُعتبر السبب الأساسي في كل دول العالم لخلق الدين العام.

لبنان

يعيش لبنان تحت كاهل دين عام تراكم بشكل عير إعتيادي عبر السنين من عدة مليارات في أوائل التسعينات إلى أكثر من 60 مليار دولار حالياً. وإذا كانت سياسة الدين العام في بداية تسعينات القرن الماضي تعتمد على نظرية أن الإقتصاد له عامودان النفط والإقتراض (هذا الأخير يلعب دور الرافعة)، إلا أن هذه السياسة فشلت لسببين رئيسسين: سوء إدارة الموازنات، والحروب التي عصفت بلبنان وكان لها تأثير مباشر وغير مباشر.
أصعب ما في الأمر إستخدام مبدأ القاعدة الأثني عشرية، التي تسمح لكل حكومة بالصرف على أساس آخر موازنة تمّ التصويت عليها في مجلس النواب حتى ولونتج عنها عجز.

هذا الأمر سمح للحكومات من كل العهود بالصرف كما يحلو لها (الصرف كان مبرراً) لكنها لم تأبه لحجم الدين العام الذي بدأ يأخذ منحى تصاعديا وصل إلى مرحلة لا يُمكن السيطرة بعدها على خدمة الدين العام. والسيطرة على خدمة الدين العام تُفقد عندما تُصبح الدولة عاجزة عن دفع أكثر من الفائدة.

لسنا هنا في صدد إدانة و/ أو الدفاع عن الحكومات، لكن يُمكن للمرء أن يتخيل الضغط الذي قد تتعرّض له الحكومة عندما يحين دفع رواتب المواطفين في آخر كل شهر! لكن هذا لا يُبرّر المضي في نهج الصرف كما يحصل الأن.

كيف يُمكن السيطرة على الدين العام…إن عدد الإحتمالات الموجودة قليلة:

أولاً تحفيز النمو: إن هذا الحل يقضي بتحفيز النمو إلى درجات تتخطى فيه نسبة النمو نسبة الفائدة على الدين العام. لكن في حال لبنان، هذا الحل مستحيل مع الوضع الأمني والسياسي الحالي.

ثانياً زيادة الضرائب: بهدف زيادة مدخول الدولة. لكن زيادة ضرائب تُقلل من القدرة الشرائية بما سيدفع بدون أدنى شك إلى ثورة إجتماعية لن يستطيع السياسيون التعاطي معها في ظل وضع إقتصادي ومالي تعيس.

ثالثاً، إعتماد خطط تقشف: هذا الحل هو الحل المُعتمد من قبل الدول الأوروبية لحل أزمة الديون السيادية التي تعصف بها. وقد أثبت التاريخ صوابية هذا الحل مع بدء خروج إيرلندا واليونان من الأزمة.

رابعاً دفع التضخم الى مستويات أعلى: في دراسة لـ رينهارت (Growth in a Time of Debt-2010)، أثبت الكاتب العلاقة بين النمو، الدين العام والتضخم في الولايات المُتحدة الأميركية منذ العام 1970.

وبحسب هذه الدراسة، فان التضخم يلعب دور المُنظم في أوقات الأزمات ويسمح باعادة التوازن المالي. ويعتقد بعض الاقتصاديين الأميركيين أن تضخماً بنسبة 5 الى 6% يسمح للولايات المُتحدة الأميركية بتخفيف وزن دينها العام. لكن هذا الوضع لا ينطبق على لبنان، والسبب يعود إلى أن الولايات المُتحدة تقترض بالدولار الأميركي الذي هو عملتها.

وبما أن القسم الكبير من الاستثمارات في الولايات المُتحدة الأميركية يعود للأجانب، فان خفض معدل الفائدة الحقيقية لن يكون له تأثير على الأميركيين وسيسمح بخفض الدين العام الأميركي.

والتضخم في حالة أميركا يُساعد على خفض معدل الفائدة الحقيقية وبذلك الفائدة المدفوعة للمستثمرين الذين هم في أغلبيتهم أجانب. كما تنبغي الاشارة الى أن التضخم لا يقضي على الدين العام إنما تسارع التضخم هو الذي يقضي على الدين (يجب خلق تضخم يفوق توقعات المُستثمرين).

لكن في لبنان، الدولة تقترض بالدولار الأميركي الذي هو عملة أجنبية (حتى لو كان هناك ربط بين الدولار الأميركي والليرة اللبنانية). كما أن المقرضين الأساسين للدولة اللبنانية هم البنوك اللبنانية أي أن الخسارة الكبرى التي ستأتي من التضخم ستضرب المصارف بالدرجة الأولى.

أيضاً وفي تحليل بسيط، يُمكن للقارئ أن يستنتج أن إعتماد (تسارع) التضخم كحل لخفض الدين العام، يُجبر الأجيال القادمة على قبول نسب تضخم عالية أو إعادة إظهار الدين العام في محاولتهم لتثبيت الأسعار (أنظر إلى الرسم).

أما لمن يُعوّل على الثروة النفطية، فله نقول إن هذه الثروة لن تدر مداخيل على الدولة قبل عشرة سنين (إذا ما إتفق السياسيون!). وحتى ذلك الوقت تكون الدولة قد أفلست.

لذا، ومما تقدم، نرى أن الحل للسيطرة على خدمة الدين العام تكمن في وضع خطط تقشفية تتماشى والوضع الحالي لأننا إذا لم نفعل ستُفرض علينا من قبل المجتمع الدولي كما فُرضت على اليونان.

رابط الجمهورية 

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More