أستاذ جامعي وباحث نووي وإقتصادي

هل يُخرج الإقتصاد الأميركي العالم من الأزمة؟

يعيش الإقتصاد العالمي منذ العام 2008 أزمة مالية وإقتصادية حادة بدأت بأزمة عقارات في الولايات المتحدة الأميركية وضربت الإقتصاد مروراً بالقطاع المالي. ولكن آخر الأرقام الإقتصادية تُظهر أن بعض البلدان، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية، بدأت تتمتّع بأداء إقتصادي أفضل من غيرها. فهل يُمكن القول أن الإقتصاد العالمي أخذ طريق الخروج من الأزمة التي يتخبط فيها ؟  بدأت الأزمة العالمية في العام 2008 في الولايات المُتحدة الأميركية، وتحديداً في قطاع العقارات، والتي سرعان ما تمدّدت الى الدائرة المالية عبر الأدوات المالية المشتقة والتي سُمّيت بالمشتقات المسمومة لإحتوائها على مشتقات على القروض ذي مخاطر. وبسرعة كبيرة، تمدّدت الأزمة لتطال القطاع المصرفي، وأدّت الى إفلاس عدد كبير من المصارف الأميركية والعالمية.

ولتفادي الكارثة، قامت دول عدة، وعلى رأسها الولايات المُتحدة الأميركية، بإنفاق مبالغ هائلة لدعم القطاع المصرفي (على سبيل المثال أنفقت الولايات المتحدة الأميركية 16000 مليار دولار لدعم المصارف الأميركية).

وبذلك، إرتفع الدين العام في معظم هذه الدول وخلق ما يُسمّى بأزمة الديون السيادية، وخصوصاً في أوروبا، والتي أظهرت الأحداث مدى تعلق إقتصادات بعض دولها بقطاع الخدمات المالية والمصرفية (كإيسلاندا).

شهد الإقتصاد الأميركي الذي يعتمد بنسبة 70% على الإستهلاك، نمواً بنسبة 2.1% في الفصل الأخير من العام الماضي. هذا النمو يتأكد يوماً بعد يوم. آخر الأرقام الإقتصادية التي نُشرت تُظهر أن البيع بالمفرق (Retail Spending) إرتفع في شباط 2013 بنسبة 1.1% مقارنة مع الشهر السابق. هذا الرقم جاء أكثر من التوقعات مُظهراً بذلك أن غلاء البنزين لم يُضعف سوق شراء السيارات المهم جداً للإقتصاد الأميركي.

ترافق هذا الإرتفاع في الإستهلاك، مع إرتفاع تاريخي لمؤشر سوق الأسهم في وول ستريت حيث أقفل على 14253.77 نقطة معادلاً بذلك مستواه في تشرين الأول 2007، أي قبل نشوب الأزمة المالية. ويعود سبب هذا الإرتفاع الى رجوع الثقة في الإقتصاد الأميركي من قبل المستثمرين حيث يشهد سوق العقارات إرتفاعاً، كما سوق العمل.

هذا التحسّن في الإقتصاد الأميركي أثّر بشكل شبه أتوماتيكي على سوق الأسهم في بعض الدول كاليابان، التي إرتفع مؤشر سوق أسهمها. هذا الإرتفاع أتى من إرتفاع أسهم بعض الشركات التي تصدّر بضائعها الى الولايات المتحدة الأميركية.

فالدول التي تصدّر الى الولايات المتحدة الأميركية ستشهد زيادة في التصدير في حال تحسّن الإقتصاد الأميركي، بما يزيد الطلب على البضائع الأجنبية. هذه الزيادة ستؤدّي الى زيادة الناتج المحلي الإجمالي لهذه الدول أي بمعنى أخر زيادة في النمو.

استنادا الى هذا التحليل، فان الوضع سيتكرّر مع الصين وأوروبا، لكن الواقع هنا مختلف قليلاً. فالإقتصاد الصيني يعتمد سياسة إقتصادية متوازية في التصدير (الصين تُصدّر بضائع الى الولايات المتحدة الأميركية بما يُقارب الـ 290 مليار دولار والى أوروبا ما يُقارب الـ 280 مليار دولار…) ممّا يعني أن تحسّن الإقتصاد الأميركي لوحده لن يكفي ليعود النمو في الصين برقمين، كما كان في السابق، بل هو بحاجة الى تحسّن في الوضع الإقتصادي الأوروبي وبقية الدول الإخرى.

وممّا يزيد الوضع تعقيداً للقيادة الصينية الحالية، تردّي العلاقات مع اليابان بسبب الجزر المُتنازع عليها بين البلدين، وهذا أدّى الى إنخفاض التبادّل التجاري بينهما. ومن إحدى الأفكار التي تعمد القيادة الصينية الى تنفيذها، زيادة ميزانية الدفاع بهدف دعم النمو.

أما بالنسبة الى الإقتصاد الأوروبي، فلا يزال هذا الإقتصاد يتخبّط بأزمة الديون السيادية التي تجتاح دول أوروبا. وآخر التوقعات هي توقعات تشاؤمية، كما أظهرته وكالات التصنيف الإئتماني، التي خفضت أخيراً التصنيف الإئتماني لبريطانيا.

كما أن توقعات النمو ضئيلة ولا تُوحي بتحسّن في العام 2013 (البرتغال -1.9 %، إيطاليا -1%، هولندا -0.6 %، فرنسا 0.1 %، بلجيكيا 0.2 %، ألمانيا 0.5 %، بريطانيا 0.9 %، إسبانيا 1.4%).

ومما زاد الوضع الأوروبي سوءاً، سياسة البنك المركزي الأوروبي الذي لم يُخفّض نسبة الفائدة (0.75 %). هذه النسبة تعتبر مرتفعة مقارنة مع باقي العملات، وتجعل قيمة اليورو عالية بالنسبة لباقي العملات، وبذلك تُقلّل من القدرة التنافسية للبضائع الأوروبية.

إذا كان من الصحيح أن الأزمة الإقتصادية نشأت من ترابّط الإقتصادات العالمية بعضها ببعض، وبسبب أزمة عقارات في الولايات المتحدة الأميركية، فإن الخلاص لا يمكن أن يكون من هذه الأخيرة وحدها. والسبب يعود الى عدم وجود آلية محدّدة تسمح بذلك، كما أن جشع بعض الدول، التي عمدت الى حرب عملات، مُضرة لإقتصادات الأخرى. ويكمن الحل في التضامّن بين الدول عبر شراء سندات خزينة من قبل الدول التي تملك سيولة كدول البريكس والتي قد تكون باب خلاص للدول التي تتخبّط بأزمة الديون السيادية.

يبقى أن هذا الوضع الإقتصادي العالمي له آثار سلبية مباشرة على الإقتصاد اللبناني. هذا التأثير السلبي يأتي من إنخفاض نسبة رؤوس الأموال المُرسلة من المُغتربين اللبنانيين الذين يفقدون عملهم في هذه البلدان مع زيادة البطالة فيها.

كما وأن الوضع المالي للدول الغربية يُخفّض بشكل تلقائي المساعدات الى لبنان كما مشاريع الإستثمار. ومن الملاحظ أن حركة الإقتصاد اللبناني ساءت كثيراً بسبب الأزمة السورية التي باتت على الأبواب. فهل هناك من حل لتحفيز النمو في لبنان؟

أول الأمور التي يتوجب على الحكومة القيام بها، هي وضع موازنات واقعية تأخذ بالإعتبار الوضع الإقتصادي العالمي، والأزمة السورية، ومحاربة الفساد والسرقة اللذين تفشيا في هيكل الإقتصاد اللبناني. وايضاً يجب على هذه الحكومة أن تبدأ بالعمل الفعلي، أي إنعاش الإقتصاد عبر مشاريع إستثمارية، لكي تكون فعلاً حكومة “كلنا للوطن، كلنا للعمل”.

رابط الجمهورية

 

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More