بروفسور جاسم عجاقة
باحث في الفيزياء النووية والإقتصاد

لماذا التنبوء غير الدقيق بتراجع الليرة؟

تُشير دراسة لجمعية المصارف في لبنان (جريدة الأخبار ٣٠٩٢٠١٦) إلى أن العجز المُتسارع في ميزان المدفوعات يُشكل الضغط الأساسي على سعر صرف الليرة مُقابل الدولار الأميركي.

وجاء في الدراسة أن العجز المُتراكم في ميزان المدفوعات بين العامين ٢٠١١ و٢٠١٥ بلغ ٨.٧ مليار دولار أميركي، إضافة إلى ١.٧٧ مليار دولار أميركي في الأشهر الستة الأولى من العام ٢٠١٦. وإذ تُعدّد الدراسة أسباب تردّي ميزان المدفوعات، تخلص إلى أن سعر صرف الليرة مُقابل الدولار الأميركي سيشهد منحنى إنحدارياً إبتداءً من العام ٢٠١٨ مع ٢٦٥٩ ليرة لكل دولار أميركي ليُصبح ٥٦٣٨ ليرة في العام ٢٠٢٠ مع عجز في موجودات مصرف لبنان بقيمة ٣٥.٨ مليار دولار أميركي في نفس العام. وبإعتقادنا هذه الدراسة غير دقيقة للأسباب التالية: العوامل التي تُؤثر على سعر صرف العمّلة
النظرية الإقتصادية غنية بالمعلومات عن المعطيات الإقتصادية الأساسية التي تلعب دوراً في الأزمات النقدية في ظل الثبات النقدي. والنماذج الأولية تُسلّط الضوء على تأثير تدهور العوامل الإقتصادية التي تسبق المضاربة على العملة. هذه النماذج تنص على أن التخفيض الفعلي يسبقه عدم توازن نقدي ومالي، اللذين يُشكّلان عاملين أساسيين في مفهوم الثبات النقدي. فعلى سبيل المثال، يُمكن ذكر إرتفاع الفارق في أسعار الفائدة، إنخفاض الإحتياط من العملات الأجنبية، المُغالاة في سعر صرف العملة، ارتفاع العجز في الموازنة من خلال خلق قروض داخلية، وعجز كبير في الحساب الجاري. وإذا كانت البطالة تُعتبر غير أساسية في تحديد سعر صرف العملة، إلا أن بطالة عالية يُمكن أن تؤثر في سعر صرف العملة. قام الباحث الإقتصادي Funke بنشر دراسة في المجلّة الاقتصادية التابعة لمنظمة التعاون الإقتصادي والتنمية (رقم ٢٦ تاريخ ١٩٩٦)، حول حساسية الثبات النقدي (سعر صرف عملة ثابت) في ١٢ بلداً، منها ١١ بلداً أوروبياً، إضافة إلى المكسيك. وحاول الباحث تحديد العوامل التي أدّت إلى خفض سعر صرف العملة في هذه البلدان معتمداً على النظرية الإقتصادية في تحديد العوامل وعلى البحث العملي لتحديد قوة تأثير هذه العوامل.  حدّدت دراسة Funke العوامل التالية كعوامل تؤثر على سعر صرف العملة: ١) معدل التغيرات في سعر الصرف الحقيقي للعملة؛ ٢) التغيرات في الاحتياط من العملات الأجنبية؛ ٣) عجز الميزانية؛ ٤) عجز الحساب الجاري؛ ٥) نمو الائتمان المحلي؛ ٦) التغيرات في معدل البطالة؛ ٧) التغيرات في الانتاج الصناعي، و٨) الفارق في أسعار الفائدة. نتائج هذه الدراسة جاءت على النحو التالي: الحساب الجاري لا يؤثر بشكل هام على سعر صرف العملة، وبالتالي تمّ التخلّي عنه. أما في ما يخص العوامل الأخرى، فنرى أن وقعها على سعر صرف العملة هو، بحسب الأهمية، البطالة، الفارق في أسعار الفائدة، التغيرات في سعر الصرف الحقيقي، التغيرات في الانتاج الصناعي، عجز الموازنة، التغيرات في الاحتياط، ونمو الائتمان المحلي. التطبيق على الليرة اللبنانية
إذا ما أخذنا بعين الإعتبار العوامل التي نتجت عن دراسة Funke وقمنا بتحليلها في حالة لبنان، نستنتج التالي: ١) البطالة: إقتصاد لبنان هو إقتصاد شبه ريعي، حيث أن تحويلات المُغتربين تُشكّل الأساس في دعم الإقتصاد اللبناني. وهؤلاء هم بأغلبيتهم من الشبان والشابات الذين لم يجدوا عملاً في لبنان، فقاموا بالبحث عن فرص في دول أخرى. وبالتالي، ورغم إرتفاع البطالة في لبنان (التي لا نعرف أرقامها بالتحديد) إلا أنه يُمكن إعتبار أن تأثيرها على الإقتصاد مازال محدوداً، كما تُثبته أرقام الإستهلاك وذلك رغم منافسة العمالة السورية لنظيرتها اللبنانية. ٢) الفارق في أسعار الفائدة: إن الفارق في أسعار الفائدة لم يشهد أي إرتفاع جذري في السنوات الماضية، رغم كل الضغوط التي تطال المالية العامة والوضع الإقتصادي. وبالتالي نرى أن هذا العامل لا يُشكّل ضغطاً على سعر صرف الليرة. ٣) معدل التغيرات في سعر الصرف الحقيقي: يُعرّف سعر الصرف الحقيقي للعملة بسعر صرف العملة الإسمي بين عملتين (الليرة والدولار الأميركي) بعد إحتساب الأسعار (Deflator). ويتمّ إحتساب سعر الصرف الحقيقي للعملة على أساس أسعار الإستهلاك أو من خلال التبادل التجاري. وإذا ما نظرنا إلى حالة لبنان نرى أن سعر الصرف الحقيقي لليرة اللبنانية بقي على مستويات العام ٢٠١٥ نفسها، بحسب أرقام بلوم إنفست. وبالتالي لا يُشكّل هذا العامل أي ضغط على سعر صرف الليرة اللبنانية. ٤) التغيرات في الإنتاج الصناعي: من الواضح أن الإنتاج الصناعي تراجع في لبنان، حيث تُشير الأرقام إلى أن الصادرات الصناعية التي هي جزء من الإنتاج تراجعت بنسبة ١٦٪ بين العامين ٢٠١٢ (٣.٥ مليار دولار) و٢٠١٥ ( ٣ مليار دولار). لكن ما يجب معرفته أن القطاع الصناعي يُشكّل ١٥٪ من الناتج المحلّي الإجمالي ولا يُساهم في النمو الإقتصادي إلا بنسبة ٠.١١٪. لذا نرى أنه رغم هذا التراجع، فإن هذا العامل لا يستطيع أن يُشكّل ضغطاً ملحوظاً على الليرة اللبنانية. ٥) عجز الموازنة: مما لا شكّ فيه أن العجز في الموازنة هو عجز مُزمن وغير مقبول إقتصادياً ومالياً. وتُشير الأرقام إلى أن هذا العجز إرتفع من ٢.٩ مليار دولار في العام ٢٠١٠ إلى ٤.٢٢ في العام ٢٠١٣، لينخفض مجدداً إلى ٣ مليار في العام ٢٠١٤، ثم إرتفع إلى ٣.٩ مليار في العام ٢٠١٥. هذا يعني أنه لم يطرأ أي تغيّر على هذا العامل بشكّل يُبرّر تخفيض سعر صرف الليرة اللبنانية كما تزعم الدراسة. ٦) التغيرات في الاحتياط: يملك لبنان إحتياطاً هائلاً نسبة إلى إقتصاده. وهذا الأمر جليّ وواضح من خلال الرسم، حيث نرى أن ارتفاع الإحتياط، خصوصاً من العملات الأجنبية منذ العام ٢٠٠٨ وحتى اليوم، هو ١٠٠٪. لذا ومما تقدّم نرى أن هذا العامل لا يُمكن أن يُشكّل ضغطاً على سعر صرف الليرة اللبنانية.

٧) نمو الائتمان المحلي: مما لا شكّ فيه أن الإئتمان المحلّي إرتفع كثيراً منذ العام ٢٠٠٤ وحتى اليوم. إلا أن هذا الارتفاع تمّ لجمه من قبل مصرف لبنان وجمعية المصارف. لذا فإن نموه حالياً يرتفع بوتيرة مقبولة، لكنها غيرّ كافية لتبرير تخفيض في سعر صرف الليرة اللبنانية. من كل ما تقدّم نرى أنه، من الناحية الإقتصادية على الأقل، تفتقر الدراسة إلى الدقّة، حيث ينقصها الكثير من التحليل الإقتصادي، في حين أن المعنيين اكتفوا بميزان المدفوعات وإحتياط مصرف لبنان من العملات الأجنبية. هذا ما يدفع إلى التساؤل عن أهداف نشر هذه الدراسة؟ وبإعتقادنا إن نشر هذه الدراسة يهدف إلى تحقيق واحد أو أكثر من الأهداف التالية: ١) تشكيل ضغط على الطبقة السياسية اللبنانية من أجل إنتخاب رئيس للجمهورية؛
٢) تشكيل ضغط على السلطات لرفع الفائدة مع إزدياد الخطر الإئتماني وزيادة تعرض المصارف للدين العام؛
٣) ضرب الثبات النقدي، وبالتالي حاكم مصرف لبنان الذي يرتبط إسمه بالثبات النقدي، لقطع الطريق عليه للوصول إلى رئاسة الجمهورية. من هذا المُنطلق، نُطمئن المواطن اللبناني أن الليرة صامدة ولن تفقد من قيمتها، لأن نسبة دولرة الإقتصاد عالية جداً ومصرف لبنان يتمتع بقدرة دفاع هائلة للدفاع عنها.
رابط المدن 

مقالات بحسب المواضيع

الإقتصاد اللبناني

المالية العامة

الفساد

السياسة النقدية

سلسلة الرتب والرواتب

جاسم عجاقة لـ”النشرة”: كان من المفترض وضع رسم 7 و 8% على البضائع المستوردة

اعتبر الخبير الإقتصاد​ي والاستراتيجي البروفسور ​جاسم عجاقة​ أن خفض ​العجز​ الذي تحقق في موازنة العامة 2019 كاف باعتبار أن المطلوب كان خفضه الى 9% ويبدو أنه وصل نتيجة التعديلات الأخيرة الى قرابة الـ7.3%، مشددا على ان العبرة ليست بالارقام انما بالتطبيق لأنّ تجربة موازنة 2018 لم تكن مشجعة.
المزيد...

المصارف اللبنانية العمود الفقري للاقتصاد اللبناني

يُعتبر القطاع المصرفي اللبناني العامود الفقري للاقتصاد اللبناني حيث يؤدي دورا أساسيا في تمويل الاقتصاد إضافة إلى…

جاسم عجاقة لموقع المرده: الليرة اللبنانية ليست في دائرة الخطر ومحميّة ووراءها دعم…

أكد الخبير الاقتصادي والاستراتيجي البروفيسور جاسم عجاقة أن “الليرة اللبنانية ليست في دائرة الخطر وانها محميّة…

الخلافات السياسية أطاحت موازنة 2019 وجلسة اليوم مفصلية

«يا فرحة ما اكتملت!» بالفعل... لم تكتمل فرحة اللبنانيين الذين كانوا ينتظرون الدخان الأبيض من مجلس الوزراء الأربعاء…

أبعد من السلام… حدود جغرافيّة بأقلام إقتصادية…

بالعودة الى الورشة الإقتصادية التي ستستضيفها العاصمة البحرينية المنامة في حزيران القادم، تحت عنوان "الرخاء من أجل…

الدين العام

«المركزي» دعَمَ الخزينة بـ 2.8 مليار دولار في 2018

هل يُساهم مصرف لبنان في دعم خزينة الدولة؟ سؤال مشروع مع تواتر الشائعات عن عدم مساهمة المصرف المركزي في دعم مالية الدولة. في الواقع تُشير الأرقام إلى أنّ كلفة مصرف لبنان جرّاء دعم خزينة الدوّلة بشقّيه التسهيلات والقروض بلغت 2.8 مليار دولار أميركي في العام 2018.
المزيد...

هكذا يتحول العجز إلى دين…وهذا هو الحل

أكد الخبير الاقتصادي الدكتور جاسم عجّاقة في حديث لصحيفة الشرق الاوسط، أن "مؤتمر (سيدر) فرض على لبنان إجراءات تتطابق…

مصرف لبنان يوفر على الدوّلة أقلّه ملياران ونصف مليار دولار أميركي

تتمّ مداولة العديد من المغالطات عن مدى مساهمة مصرف لبنان في خزينة الدوّلة والتي تُروّج لفكرة أن مصرف لبنان لا يقوم…

الحكومة مُحاصرة برباعية المجتمع الدولي ــ الشارع ــ عجز الموازنة والوقت

الديار | بروفسور جاسم عجاقة نقاشات حادّة طغت على الجلسات الأولى لمجلس الوزراء لبحث الموازنة وكادت تُطيح بها وبجلسات المجلس. وعلى الرغم من تدخّل الرئيس الحريري لتهدئة الأجواء وإرساء جو من النقاش البنّاء إلا أن المعلومات تُشير إلى أن أجواء الجلّسات بقيت محقونة تحت تأثير أربعة عوامل: أولا ـ المجتمع الدولي الذي ما يزال غير راض عن الإجراءات المُقترحة…
المزيد...

بروفسور جاسم عجاقة: هكذا سيكون وضع الليرة قرييا

مقابلة البروفسور جاسم عجاقة على قناة ليبانون فايلز ضمن برنامج مرتجل مفيد - عجاقة: هكذا سيكون وضع الليرة قرييا -…

مُعالجة الموازنة من وجهة نظر ماليّة لن تكفي والمطلوب مُعالجة إقتصاديّة إصلاحيّة

أسبوع مرّ على خطاب رئيس الجمهورية العماد ميشال عون وحتى الساعة لم يتمّ طرح الموازنة على طاولة مجلس الوزراء، مع…

الموازنة العامة

الكهرباء

النفايات

التهرب الضريبي

الإرهاب

لبنان يكافح شبكة تمويل داعش

نهاد طوباليان داهم الأمن العام في لبنان خلال عمليات نفذت مؤخرا في بيروت مؤسسات صيرفة وشركات مالية بعد الإشتباه…

العقوبات الأميركية على حزب الله

إيران

الأزمة القطرية الخليجية

الإمارات ومصر والسعودية أمام موجة خسائر بسبب مقاطعة قطر

ستكون شركات إماراتية وسعودية، أمام موجة من الخسائر المالية التي ما يزال مبكراً تقدير حجمها، ناتجة عن مقاطعة دول…

خُبراء.. قطع العلاقات مع قطر خسارة للاقتصادات العربية

محمد إبراهيم أكد خبراء ومحللون اقتصاديون، تأثر الاقتصادات العربية بالخلاف الدبلوماسي الأخير، والذي أدى إلى قطع…

مقالات إستراتيجية

الموازنة العامّة

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More