بروفسور جاسم عجاقة
باحث في الفيزياء النووية والإقتصاد

غسل الأموال في قبرص : الإزدواجية الأميركية

ظهرت على واجهة الأحداث أزمة مالية حادة في قبرص تمثلت بعجز القطاع المصرفي القبرصي عن إحترام إستحقاقاته المالية. يكمن السبب بتعرّض المصارف القبرصية للديون السيادية اليونانية. ومثل أي دولة أوروبية، يحق لقبرص طلب مساعدة الإتحاد الأوروبي، عبر صندوق الثبات المالي الأوروبي. إلا أن تلبية الطلب ترافقت مع شرط من دول الإتحاد وعلى رأسها المانيا : محاربة غسل الأموال. فما هي حقيقة هذا الأمر؟ وكيف يتعاطى الأميركيون معه؟   الإقتصاد القبرصي، إقتصاد صغير الحجم. اذ لا يتجاوز الناتج المحلي الإجمالي الـ 22 مليار دولار. ويتميّز هذا الإقتصاد بقطاع أولي يُعاني من جفاف مزمن، حيث 15 % فقط من الاراضي الزراعية في قبرص يتم زرعها.

ومن أهم ما ينُتجه هذا القطاع: القمح، العنب، الزيتون وغيرها. أما القطاع الثانوي فقد شهد نمواً ملحوظاً على الرغم من الخضّات التي تعرضت لها الجزيرة مع الإجتياح التركي للجزيرة في العام 1974 والذي أدّى الى هجرة كثيفة من الشمال الى جنوب الجزيرة. أما قطاع الخدمات فهو الأكثر تطوراً، مستفيداً من طبيعة الجزيرة السياحية، ومن الإرث البريطاني لتطوير القطاع المصرفي.

تنقسم الجزيرة القبرصية الى ثلاثة أقسام : الجمهورية القبرصية في جنوب الجزيرة وهي الوحيدة المعترف بها دولياً وتمتدّ على مساحة نصف الجزيرة تقريباً؛ الجمهورية التركية في شمال قبرص والتي تعترف بها تركيا فقط؛ ومنطقة تحت سيطرة بريطانية في أقصى جنوب الجزيرة وتحتل 10 % من مساحة الجزيرة ويقطنها بريطانيون وأتراك.

قبل إنضمام الجمهورية القبرصية الى الإتحاد الأوروبي، قامت قبرص بتوثيق علاقاتها مع اليونان لما لها من إرتباط عقائدي وعرقي مع الأخيرة. توطيد العلاقات شمل القطاعات التجارية والخدمات المصرفية. وقامت المصارف القبرصية بالإستثمار بشكل كبير في الإقتصاد اليوناني، خصوصاً سندات الخزينة اليونانية. كما عمدت المصارف الى تنشيط التعاون المصرفي مع بريطانيا.

مع دخولها الإتحاد الأوروبي، إستفادت الجمهورية القبرصية من موقعها كدولة أوروبية موجودة في قلب البحر المتوسط ومناخها المثالي للسياحة. وإزداد عدد السواح الأوروبيين بشكل كبير مما أدّى الى نمو ملحوظ في إقتصاد الجزيرة. لكن ضعف الإقتصاد القبرصي، على الصعيد الزراعي والصناعي، دفع الجمهورية القبرصية الى تطوير قطاع الخدمات، خصوصاً القطاع المصرفي الذي، وبهدف إستقطاب المستثمرين، عمد الى تخفيف الرقابة كما هو منصوص عليه في الأنظمة الأوروبية.

هذا التخفيف في الرقابة، أدّى، وبحسب الإتهامات الأوروبية للجزيرة، الى عمليات غسل أموال، وهذا ما نفته الحكومة القبرصية. وأخذت العلاقات الأوروبية – القبرصية بالتعقيد لرفض الجزيرة إرسال مراقبيين أوروبيين للتحقّق من الأمر.

وفي هذا الإطار، نشرت مجلة “دير شبيغل” الألمانية في تشرين الثاني 2012 تقريراً قالت فيه أن قبرص تسمح بغسل أموال رجال أعمال روس ورجال مافيا، وأن المبالغ تصل الى حد الـ 20 مليار يورو.

في هذا الوقت، رزحت اليونان تحت أزمة ديون سيادية أقل ما يُمكن قوله فيها، أنها ستدوم لسنين طويلة. والحلول التي قامت بطرحها الترويكا (الإتحاد الأوروبي، البنك المركزي الأوروبي، وصندوق النقد الدولي) نصّت على محو نصف الدين اليوناني من قبل المقرضين، ومن بينهم المصارف القبرصية، والتي تتمتّع بنسبة تعرّض كبيرة للديون السيادية اليونانية. وبسبب حجم هذا التعرّض وحجم المصارف القبرصية، وجدت الأخيرة نفسها عاجزة عن سد الإستحقاقات والتي تُقدر بـ 12 مليار دولار أميركي.

ومثل أي دولة أوروبية عضو في الإتحاد الأوروبي، قامت الحكومة القبرصية بطلب المُساعدة من أوروبا. لكن هذه الأخيرة عادت الى إشتراط رقابة قوية على العمليات المصرفية لتفادي عمليات غسل الأموال، وهذا ما رفضته الحكومة القبرصية.

إلا أنها قبلت برقابة مستقلة من قبل جهة ثالثة. ومما زاد شكوك الدول الأوروبية بوجود عمليات غسل أموال، العرض الروسي بمساعدة قبرص بـ 2,5 مليار يورو. والشرط الثاني للإتحاد الأوروبي كان بالطلب من القبارصة المشاركة بإنقاذ الجزيرة عبر ضرائب على الودائع المصرفية، إلا أن البرلمان القبرصي رفض هذا الشرط.

ولكن هل هناك من خيار أخر لقبرص؟

للرد على هذا السؤال، يجب معرفة أن المصارف القبرصية أصبحت في وضع، أقل ما يُقال، انه كارثي. فقد أعلن التلفزيون الرسمي القبرصي أن المصرف الثاني في قبرص، LAIKI Bank، سيُعلن إفلاسه في الأيام المُقبلة. ولن يكون هذا المصرف الوحيد.

وبحسب نظرية الدومينو، سيؤدّي هذا الإفلاس الى جرّ عدد من المصارف الأخرى معه. وبذلك، نرى صعوبة وجود خيار آخر للحكومة القبرصية إلا الإمتثال للمطالب الأوروبية. ولكن الغريب في الأمر هو الموقف الأميركي، اذ أن ردة الفعل الأميركية لم تكن على المستوى المعهود من الإدارة الأميركية، وخصوصاً الخزينة الأميركية.

وكلنا يتذكر قضية المصرف اللبناني – الكندي الذي دفع بالمسؤولين الأميركيين لزيارة لبنان عدة مرات والتلويح بشبح العقوبات على لبنان وأدّى الى ما يعرفه الجميع. لذا نستنتج أن هناك إزدواجية في التعاطي الأميركي مع هذه القضية.

ولتأكيد ذلك، نشر موقع “أوروب برس”، خبراً جاء فيه أن قارباً روسياً رسى على الشواطئ القبرصية مرغماً بسبب العاصفة. وعند تفتيش هذا القارب عثرت الشرطة على أسلحة مرسلة الى سوريا. ولكن الغريب في الأمر أن السلطات القبرصية قامت بإخلاء سبيل القارب مع حمولته. مع العلم ان الإستخبارت البريطانية موجودة بفعالية على الجزيرة.

يبقى السؤال إذا ما كان هذا الأمر سيطال لبنان؟ المعروف أن العديد من رجال الأعمال اللبنانيين يمتلكون شركات Offshore في قبرص. وبحسب تحليلنا فإن تشدّد مصرف لبنان في تطبيق تعاميمه ووضع لبنان تحت المجهر الأميركي تُقلل من نتائج الآثار السلبية على لبنان، حتى ولو كان هناك من مخالفات.

رابط الجمهورية 

مقالات بحسب المواضيع

الإقتصاد اللبناني

المالية العامة

الفساد

السياسة النقدية

سلسلة الرتب والرواتب

الموازنة تُهدّد الحكومة… وسيناريو التعطيل مُكلِف

تكاثرت التسميات بين موازنة إصلاحية، تقشفية، تصحيحية... والنتيجة واحدة، موازنة من دون هوية. والسبب يعود إلى الصراعات السياسية التي تُطيح فرصة الإستفادة من الظروف والوقت لإخراج موازنة تكون على مستوى التحدّيات. سيناريوهات عديدة أمام الحكومة واسوأها تعطيلها. فما هي هذه السيناريوهات وما هي التداعيات الاقتصادية؟
المزيد...

أزمة محروقات مُفتعلة؟

إصطف بعد ظهر اليوم، العديد من المواطنين أمام محطات الوقود، في مختلف المناطق اللّبنانيّة، خوفاً من أزمة وقود،…

هكذا رُحلت الموازنة غير “الوازنة”

يوم بعد آخر تُرحّل النقاشات "الموازناتية "من جلسة إلى أُخرى، لتصبح "البنود" المطروحة على طاولة البحث أشبه بـ شبكات…

حسابات سياسية تُعرّقل طريق الموازنة وإحتمال حدوث سيناريو السلسلة مُرتفع

عقد مجلس الوزراء جلسة البارحة كان من المفروض أنها الجلسة الختامية في سلسلة إجتماعات مُخصّصة لدرس مشروع موازنة العام…

لا توظيف في الدولة والبطالة تتفشى.. ما هي البدائل؟

لا جدال في أن وقف التوظيف في القطاع العام بات ضرورياً، كخطوة أساسية من خطوات وقف استنزاف القطاع العام وخزينة…

الدين العام

«المركزي» دعَمَ الخزينة بـ 2.8 مليار دولار في 2018

هل يُساهم مصرف لبنان في دعم خزينة الدولة؟ سؤال مشروع مع تواتر الشائعات عن عدم مساهمة المصرف المركزي في دعم مالية الدولة. في الواقع تُشير الأرقام إلى أنّ كلفة مصرف لبنان جرّاء دعم خزينة الدوّلة بشقّيه التسهيلات والقروض بلغت 2.8 مليار دولار أميركي في العام 2018.
المزيد...

هكذا يتحول العجز إلى دين…وهذا هو الحل

أكد الخبير الاقتصادي الدكتور جاسم عجّاقة في حديث لصحيفة الشرق الاوسط، أن "مؤتمر (سيدر) فرض على لبنان إجراءات تتطابق…

مصرف لبنان يوفر على الدوّلة أقلّه ملياران ونصف مليار دولار أميركي

تتمّ مداولة العديد من المغالطات عن مدى مساهمة مصرف لبنان في خزينة الدوّلة والتي تُروّج لفكرة أن مصرف لبنان لا يقوم…

الحكومة مُحاصرة برباعية المجتمع الدولي ــ الشارع ــ عجز الموازنة والوقت

الديار | بروفسور جاسم عجاقة نقاشات حادّة طغت على الجلسات الأولى لمجلس الوزراء لبحث الموازنة وكادت تُطيح بها وبجلسات المجلس. وعلى الرغم من تدخّل الرئيس الحريري لتهدئة الأجواء وإرساء جو من النقاش البنّاء إلا أن المعلومات تُشير إلى أن أجواء الجلّسات بقيت محقونة تحت تأثير أربعة عوامل: أولا ـ المجتمع الدولي الذي ما يزال غير راض عن الإجراءات المُقترحة…
المزيد...

بروفسور جاسم عجاقة: هكذا سيكون وضع الليرة قرييا

مقابلة البروفسور جاسم عجاقة على قناة ليبانون فايلز ضمن برنامج مرتجل مفيد - عجاقة: هكذا سيكون وضع الليرة قرييا -…

مُعالجة الموازنة من وجهة نظر ماليّة لن تكفي والمطلوب مُعالجة إقتصاديّة إصلاحيّة

أسبوع مرّ على خطاب رئيس الجمهورية العماد ميشال عون وحتى الساعة لم يتمّ طرح الموازنة على طاولة مجلس الوزراء، مع…

الموازنة العامة

الكهرباء

النفايات

التهرب الضريبي

الإرهاب

لبنان يكافح شبكة تمويل داعش

نهاد طوباليان داهم الأمن العام في لبنان خلال عمليات نفذت مؤخرا في بيروت مؤسسات صيرفة وشركات مالية بعد الإشتباه…

العقوبات الأميركية على حزب الله

إيران

الأزمة القطرية الخليجية

الإمارات ومصر والسعودية أمام موجة خسائر بسبب مقاطعة قطر

ستكون شركات إماراتية وسعودية، أمام موجة من الخسائر المالية التي ما يزال مبكراً تقدير حجمها، ناتجة عن مقاطعة دول…

خُبراء.. قطع العلاقات مع قطر خسارة للاقتصادات العربية

محمد إبراهيم أكد خبراء ومحللون اقتصاديون، تأثر الاقتصادات العربية بالخلاف الدبلوماسي الأخير، والذي أدى إلى قطع…

مقالات إستراتيجية

الموازنة العامّة

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More