بروفسور جاسم عجاقة
باحث في الفيزياء النووية والإقتصاد

إستفتاء بريطانيا يرفع سعر الذهب

في ردة فعل شبه متوقعة على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، سجّل سعر أونصة الذهب في تداولات الأسبوع الماضي أعلى مُستوى له منذ 26 شهراً. وأقفلت العقود المُستقبلية (Comex-15 Aug) على سعر 1336.7 دولاراً أميركياً، مقترحة بذلك تخوف المُستثمرين من نتائج البريكزيت على الإقتصاد العالمي. بعد مرور 43 سنة على إنضمام بريطانيا إلى الاتحاد الأوروبي، قرر البريطانيون في إستفتاء 23 حزيران 2016 الخروج من الاتحاد ومعه انفتحت الأبواب على الغموض الذي بدأ يلف الإقتصاد البريطاني بالدرجة الأولى والأوروبي بالدرجة الثانية والعالمي بالدرجة الثالثة. وإذا كان قرار البريطانيين مُبرّراً ومعللاً بالنظام الليبيرالي، الذي لا يُمكنه أن يعيش في كنف نظام أوروبي اجتماعي يعتمد على التعاضد بين الدول الأوروبية، إلا أن ما لا لم يفهمه العالم حتى هذه اللحظة، هو مدى إستيعاب البريطانيين الخسارة التي ستطال إقتصادهم مع خسارة الأفضلية على سوق يبلغ حجمه 500 مليون نسمة. وإذا كان خروج بريطانيا من الاتحاد قرره 1.3 مليون بريطاني فقط، إلا أن مبدأ الديموقراطية العددية هو الذي يغلب. التداعيات أصبحت معروفة وتتأرجح بين إنهيار الجنيه الإسترليني واليورو وبعض العملات المُرتبطة بالجنيه، وبين ارتفاع سعر صرف الين الياباني، الفرنك السويسري، والدولار الأميركي، مروراً بإرتفاع أسعار الذهب والفضة. وبالحديث عن الذهب الذي يُعتبر من الأصول الآمنة، ارتفع سعر أونصة الذهب في تدولات الأسبوع المُنصرم إلى أعلى مستواياته منذ 26 شهراً. وأقفل سعر الأونصة على 1336.7 دولاراً أميركياً (عقود كوميكس 15 آب). لكن هذا الإرتفاع مُرجّح للإستمرار مع الغموض الذي يعتري مُستقبل العلاقة التجارية بين بريطانيا التي من الممكن أن تتأرجح بين قواعد منظمة التجارة الدولية، وبين العلاقة التي تمتلكها النروج مع الاتحاد الأوروبي. وفي كل الأحوال، هذا الأمر سيترك تداعياته على الإقتصاد البريطاني بالدرجة الأولى وعلى الإقتصاد الأوروبي بالدرجة الثانية. ما دفع بالجنيه الإستيرليني واليورو، ولو بنسبة أقل، إلى الإنهيار أمام العملة الأميركية. وبالتالي، أخذ المُستثمرون بالتهافت على الذهب الذي ارتفع 50 دولاراً أميركياً للأونصة، في اللحظة التي أعلنت فيها “سكاي نيوز” خبر فوز فريق خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. وإستمر الإرتفاع في الأسبوع الذي تلى الإستفتاء. وكذلك حصل مع الفضة التي ارتفعت أسعارها بشكل كبير. لكن لماذا يستمر الذهب بالإرتفاع. السبب يعود بالدرجة الأولى إلى التداعيات التي طالت العملات والتي أثرت على المُستثمرين على النحو التالي: بريطانيا: مخاوف من أن يؤدي ضعف الجنيه الإسترليني إلى زيادة التضخم، وأسئلة حول مُستقبل بريطانيا كمنصة للشركات العالمية لمقاربة السوق الأوروبي؛ أوروبا: مخاوف من أن يكون هناك سيناريو على الطريقة السوفياتية، وبالتالي خروج بلدان أخرى. فصدقية اليورو ستكون محط أسئلة؛ أميركا، اليابان، سويسرا: مع ارتفاع سعر صرف عملات هذه البلدان، فإن الضرر سيكون شبه حتمي على الصادرات؛ هناك أيضاً سبب عملي مرتبط بالسرعة التي خسر فيها الجنيه الإسترليني من قيمته. فخلال ساعات انخفضت قيمته 11% مقابل الدولار الأميركي. ما جعل المُستثمرين ينقلون أموالهم إلى الذهب وغيره من الأصول. أضف إلى ذلك، التحليلات التي تُظهر أن الجنيه الإسترليني لم يصل إلى القعر. وبالتالي ستتقلص قيمته مقابل العملات الرئيسية الأخرى. ما يعني اللجوء إلى الذهب أكثر. من ناحية أخرى، أعلن البنك المركزي البريطاني عن خطة لدعم الإقتصاد البريطاني، تتمثل بضخّ 250 مليار جنيه إسترليني في السوق البريطانية. وهذا تأكيد على أن الإقتصاد البريطاني سيتأثر بدون شك نتيجة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. والأصعب بالنسبة إلى المركزي البريطاني هو معضلة رفع الفائدة للجم التضخم الناتج من إنخفاض سعر صرف الجنيه. وبالتالي، سيكون هناك تداعيات سلبية على الإستثمارات من جهة، والدفاع عن الإقتصاد وقبول تضخم لم يعتده الإقتصاد البريطاني من جهة أخرى. كل هذا يترك الجنيه الإسترليني في حالة غموض تظهر في قيمة التقلبات الضمنية (Implied Volatility)، التي وصلت إلى مستويات تاريخية مع تخطيها عتبة 28% في الفترة التي سبقت الإستفتاء البريطاني.

كل هذا للقول إن تداعيات خروج بريطانيا من الاتحاد لن تتوقف رغم تطمينات أحد أعمدة النظام المالي العالمي، ديفيد روتشيلد، الذي قال إن “خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي ليس بمأساة رغم أننا لم نكن نُشجّعه”. وللتذكير خسرت الشركات البريطانية، في خلال ساعات، أكثر من مساهمتها في موازنة الاتحاد خلال 4 عقود. رسمياً، لم ترسل بريطانيا حتى الساعة كتاباً خطياً إلى بروكسل تعلمها فيها عن نية بريطانيا الخروج من الاتحاد، كما تفرض معاهدة إنشاء الاتحاد الأوروبي. ما يترك غموضاً أكثر في الأسواق المالية، وبالتالي سيبقى الذهب محط أنظار المستمثرين خلال الأشهر المقبلة إلى حين تظهر التداعيات السلبية لنتائج الإستفتاء وبدء بريطانيا المفاوضات مع الاتحاد على الشروط التي ستحكم العلاقة الإقتصادية بين الفريقين بعد عامين من بدء المفاوضات.

رابط المدن 

مقالات بحسب المواضيع

الإقتصاد اللبناني

المالية العامة

الفساد

السياسة النقدية

سلسلة الرتب والرواتب

البروفسور جاسم عجاقة ضيف إذاعة الشرق اليوم 18 تموز 2019

البروفسور جاسم عجاقة ضيف الإعلامية محاسن حلبي على إذاعة الشرق (88.3 أف أم) ضمن برنامج "بالأرقام" اليوم الساعة الرابعة بعد الظهر وذلك للحديث عن الموازنة
المزيد...

عملة لبنانية بختم فلسطيني وهلع بين الناس.. فما هي الحقيقة؟

امتناع البنوك عن استقبال العملة اللبنانية المختومة بكلمة فلسطين. الفلسطينيون يقومون بختم كلمة فلسطين على العملة…

السياسة النقديّة مستقرّة رغم الضغوط

على الرغم من الأزمات التي يمرّ فيها لبنان بشكل شبه يومي من تخبّط سياسي إلى فوضى إقتصادية ومالية مرورًا بأحداث…

السياسة النقدية مستقرّة رغم الضغوط

مقابلة البروفسور جاسم عجاقة على شاشة الـ أم تي في ضمن برنامج برس رفيو - السياسة النقدية مستقرّة رغم الضغوط - تاريخ…

صراع بين التساؤل اللبناني والملاحظات القاسية لصندوق النقد الدولي

صراع بين التساؤل اللبناني والملاحظات القاسية لصندوق النقد الدولي صندوق النقد يحذر «المركزي» والمصارف من شراء…

الدين العام

مصداقية الأرقام على المِحكّ والأسواق تُشكّك.. كيف تمّ خفض العجز إلى 6.59 بالمئة؟

أنها أقرب إلى قصّة خرافية منها إلى قصّة حقيقية، بلد يُعاني من عجز مزمن في موازنته العامّة وبظرف ثلاثة أشهر يتمّ خفض هذا العجز إلى ما يقارب النصف؟! الأسواق أعطت كلمتها ووكالات التصنيف الإئتماني أعطت أيضا كلمتها وحتى صندوق النقد الدولي أعطى كلمته والنتيجة واحدة: لن تستطيع الحكومة الإلتزام بعجز 7.59%. إذًا كيف يُمكن لها أن تلتزم بعجز 6.59؟
المزيد...

هل تُخفّض “موديز” تصنيف لبنان الإئتماني؟

تقرير موجّه إلى السياسيين في الدرجة الأولى، هكذا يُمكن تصنيف تقرير موديز الذي لم تتفاعل معه الأسواق المالية على…

دوّامة الدولار وارتفاع الأسعار

يوماً بعد يوم يتورّط لبنان في لعبة الدولار المسمومة. فانعدام النموّ الإقتصادي، والعجز الهائل في الميزان التجاري…

قطر مقابل موديز : نشتري سندات خزينة

مقابلة البروفسور جاسم عجاقة على شاشة الـ او تي في | قطر مقابل موديز : نشتري سندات خزينة | - تاريخ 30 حزيران 2019
المزيد...

محلل اقتصادي: تقرير “موديز” رسالة للطبقة السياسية اللبنانية

أعلنت مؤسسة الائتمان الدولية "موديز انفستورز سيرفيس" في تقرير لها عن أن تباطؤ التدفقات الرأسمالية على لبنان وتراجع…

تحذيرات “موديز” المتكررة وغواية أموال صفقة القرن

أطلقت وكالة "موديز" للتصنيف، مطلع العام 2019، نداءً تحذيرياً للطبقة السياسية اللبنانية، مفاده ضرورة إجراء إصلاحات…

الموازنة العامة

الكهرباء

النفايات

التهرب الضريبي

الإرهاب

الهجوم الإرهابي على القوى الأمنية يُثير المخاوف الاقتصادية والمطلوب ضبط الاوضاع…

الهجوم الإرهابي على القوى الأمنية يُثير المخاوف الاقتصادية والمطلوب ضبط الاوضاع الداخلية السماح للحكومة بالصرف على…

العقوبات الأميركية على حزب الله

إيران

الأزمة القطرية الخليجية

الإمارات ومصر والسعودية أمام موجة خسائر بسبب مقاطعة قطر

ستكون شركات إماراتية وسعودية، أمام موجة من الخسائر المالية التي ما يزال مبكراً تقدير حجمها، ناتجة عن مقاطعة دول…

خُبراء.. قطع العلاقات مع قطر خسارة للاقتصادات العربية

محمد إبراهيم أكد خبراء ومحللون اقتصاديون، تأثر الاقتصادات العربية بالخلاف الدبلوماسي الأخير، والذي أدى إلى قطع…

مقالات إستراتيجية

الموازنة العامّة

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More