أستاذ جامعي وباحث نووي وإقتصادي

امر غريب جداً يحصل في وسط بيروت

مجد بو مجاهد

لم تعد حاجةً ملحّةً ينتجها واقعٌ معيشيٌّ مأسوي. صارت مهنة أرباحها تضاهي رواتب غالبية الموظفين في لبنان. التمثيل والنحيب واستخدام الأطفال ذريعة تحمل القلوب على التعاطف، فضلاً عن الدعوات التي تصعق بها اصوات المتسولات صميم مواطنٍ يحتاج الى امل ما، وكم هي كثيرة حاجاتنا الى التفاؤل في هذا الزمن، فيرتبك لا ارادياً ويعطيها ما تطلب، ليس دافعاً في مساعدتها بل رغبةً في ان تساعده دعواتها. الا ان آخر أساليب التسوّل في بيروت فاقت حدود المنطق وتحوّلت خدعاً مقيتة تصطاد المارة من دون الحاجة الى استخدام اساليب الترجّي. قد يكون متنكّراً بهيئة موظّف مصرفٍ يأتي اليك بكلّ كبرياء وثقة ويطلب منك مالاً لسبب ماكرٍ.

 

 

بالأمليّة… معك ألفين؟
لعلّ أبرز محطةٍ تتفيأ في ظلالها نماذج “المتسوّلين الموظّفين” هي شوارع وسط العاصمة بيروت حيث تجتمع النساء المتنكّرات بأزياء جميلة لكنّها تتّخذ طابع التهريج، اضافةً الى الاطفال الذين يقضون النهار يلعبون امام الساحات ويقتنصون الضيوف. لكن الابتكار الأخير للتسوّل كان بالـ”البدلة وربطة العنق”. صادفناه في ساحة الشهداء للمرّة الأولى حيث اقترب يحمل حقيبةً جلدية سوداء فاخرة ويرتدي بذّةً سوداء تشي بانّه موظّفٌ مرموق في احدى الشركات المهمّة. توقّف لدقائق امام الساحة بانتظار وصول احد المارة اليه ثم بادر بالقول: “بالأملية، معك ألفين؟ فقدت محفظتي أثناء تجوّلي هنا، واحتاج الى هذا المبلغ الآني بدل أجرةٍ للعودة الى المنزل”. في موقف كهذا لا بد لمن يصادفه، أن يضع نفسه مكان الشاب الأنيق، فيبادر إلى مساعدته.

الا ان المصادفة أعادت خلط الأوراق لتكشف حقيقة موظّف المصرف المزيّف. لم يمضِ اسابيع قليلة حتى عدنا لمصادفته مباغتةً في المكان نفسه، هذه المرّة بالثياب الرياضية: “بالأمليّة معك ألفين؟ فقدت محفظتي منذ قليل وانا اتبضّع واريد العودة الى المنزل”. هذه المرّة كان لا بدّ من المواجهة، فصارحناه بامتعاض اننا قابلناه منذ فترة وكان يواجه الحالة المؤسفة ذاتها. اعترافه جاء بكذبةٍ جديدة: “الجميع يعرفني هنا ويعلم بوضعي المأسوي، تقدّمت بطلب مئات الوظائف ولم استطع الحصول على ايٍّ منها، انفصلت عن زوجتي ولدي 5 اولادٍ في مدرسة الايتام، وقد تخلّت عني في ظروفٍ صعبة وتركتني اواجه المصاب بمفردي”. وحين سألناه عن اسمه اتسمت تعابيره بالخوف والقلق، واكتفى بالإجابة: “اسمي سليم”. بالتأكيد استخدم اسماً مستعاراً للتضليل، واللافت انه قبل الانسحاب طالب بالألفي ليرة لبنانية: “شو بدّك تساعدني او لأ؟”، قبل ان يهم بالنسحاب بحثاً عن غلّةٍ ثمينة في المساء.

التسوّل الاجرامي
قد لا يكون الهدف من طلب المال كسب الفي ليرة كما يتبدى لنل للوهلة الاولى. خفايا اجرامية قد تكون الهدف الاساسي. يشرح الخبير الاقتصادي، الدكتور جاسم عجاقة، خبايا هذه الظاهرة المستشرية في اوساط المجتمع اللبناني: “هناك عاملان يحكمان عملية التسول وهما الاحتراف في الاحتيال والنزوح السوري. قد ينظّم احد اللبنانيين او السوريين شبكة مؤلّفة من عشرات الاولاد فيكسب اكثر من 2000 دولار في الشهر. الا ان منهم من يرغبون في السرقة وتنفيذ الاعمال الاجرامية لا كسب المال. هذا المفترق يتبلور حين يستخدم المتسوّلون للمراقبة واستطلاع اماكن وجود الناس الميسورين بغية تنفيذ جرائم سرقة وقتل في اوقاتٍ لاحقة. حين يقترب المتسول من السيارات، بعضهم يستطلع نظام الامان فيها وامكان فتح الابواب وتنفيذ عمليات مشبوهة وهذا ما يحدث خصوصاً في الفترات المسائية”. وحول ارتباط هذه الظاهرة بالنزوح السوري يلفت الى ان “الاتجار بالأولاد السوريين موجود بكثرة، وهي في تزايد مع توقّع ازدياد اعداد النازحين في نهاية العام الحالي، وتتورّط في تشغيلهم منظمات متخصّصة، سورية ولبنانية على حدٍّ سواء”.

النصب من طريق التسوّل
يفنّد الدكتور في علم النفس الاجتماعي هاشم الحسيني، النماذج التي حوّلت مسألة التسوّل الى مهنة: “وسائل طلب المساعدة المادية لها جذورها عبر التاريخ حيث كانت تعرف بالكدية. مع تطوّر الحياة، أخذت هذه الظاهرة اساليب مختلفة عن مفهومها القديم وبات الهدف الحصول على مبالغ مالية كبيرة. الوساطة بين المحسن والله هي ابرز الاشكال الموجودة، من خلال دعاء لحفظ الصحّة مقابل اعطائه نقداً. الأولاد يشكّلون عاملاً اساسياً ايضاً في التقاط المارة وهم نفسهم مأجورون لتحريك مشاعر الناس”. وحول كسب المال بطريقة رخيصة يقول: “المتسوّل هنا ليس بمحتاج، الا انه يرغب في الربح المادي السريع من دون عناء، فيلجأ الى البدلة وربطة العنق التي تعتبر من آلات العمل. وهذا ما يسمّى عملياً بالنصب من طريق التسوّل.

كما ان نسبة لا يستهان بها من الجمعيات التي تتخذ صفة “الخيرية”، هي في الواقع وهمية او حقيقية ولكن غير منتجة، وتسعى بشتى الطرق للحصول على المال من خلال استخدام الهاتف الخلوي وزيارة الناس الى البيوت”. وعن تأثير هذه الممارسات على صدقيّة مفهوم التسوّل كحاجة ملحّة وحقيقية يعتبر ان “انتقال مفهوم الحاجة الى مهنة أوجد نوعاً من الالتباس حول صدقيّة ما اذا كان المحتاج كاذباً ومحتالاً. الا ان هذا لا يمنع وجود صدقيّة في المطالب، وهذا ما أثّر فعلاً على البعد الانساني لطلب المساعدة المادية”.

لا يعلم سليم، الرجل المخادع، انه بفعله المنافي للأصول الأخلاقية يحرم محتاجاً حقيقياً من امكان تحصيل لقمة عيش. وهو في الوقت نفسه، يحوّل جميع من فقدوا محفظتهم الى محبّذين للنصب والخداع والتسوّل. المهم ان نميّز بين طالب المساعدة المادية والباحث عن الربحية. والأهم ان لا ننظر الى منطق مدّ اليد كأسلوبٍ مراوغ. قد تكون نظرة العيون البائسة قلماً يرسم مأساةً في مجتمعٍ يبحث فيه مواطنوه عن فرصة حياة.

رابط النهار

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More