أستاذ جامعي وباحث نووي وإقتصادي

الاستراتيجية الدفاعية الوطنية

 

عشرة أعوام مرّت على القول الشهير لوزيرة الخارجية الأميركية السابقة كونداليزا رايس “ولادة الشرق الأوسط الجديد”. هذا التصريح أثار الكثير من التساؤلات والمخاوف لدى البعض والسخرية لدى البعض الأخر. لكن بنظرة إلى الواقع منذ العام 2010 وحتى اليوم نرى أن الدول العربية تعيش هذا الشرق الأوسط الجديد بكل ما للكلمة من معنى. وفي حين أن ملامح هذا الشرق الأوسط الجديد بدأت تبرز، كان وما يزال لبنان، الحلقة الأضعف في هذه المنطقة، يتخبط في حال عدم استقرار سياسي وأمني بسبب إنقسام الطبقة السياسية والتبعيات الدولية والإقليمية.   

 

وكان للأزمة السورية الوقع الأكبر على الإنقسام الداخلي، الإقليمي والدولي، ونتج عنها، أقله لدى شق من اللبنانيين، أهمية حصر السلاح بالجيش اللبناني مما أبرز إلى الواجهة موضوع الإستراتيجية الدفاعية الوطنية وخصوصاً لردع التعديات الإسرائيلية. لكن التعديات الإسرائيلية لم تكن الوحيدة التي دفعت بهذا الملف إلى الواجهة، فالتفجيرات الإرهابية التي طاولت المواطنين والطبقة السياسية كان لها أثر كبير لدى الرأي العام لدعم الجيش وقوى الأمن بكل ما يلزم لوقف النزف. وفعلاً أثبت الجيش من خلال تدخلاته في عدة مناطق على أهمية أن يكون الرادع داخلياً وخارجياً وذلك عبر وضع إستراتيجية دفاعية وطنية. 

 

مكونات الإستراتيجية الدفاعية الوطنيةلا تقتصر الإستراتيجية الدفاعية الوطنية على الشق العسكري فقط، فبالنظر إلى بعض الإستراتيجيات العالمية، نرى أن الشق العسكري هو جزء من هذه الإستراتيجية. وتعتمد الإستراتيجية الدفاعية الوطنية على الأسس التالية: أولاً الحفاظ على إستقلال لبنان وسيادته: فالجيش اللبناني هو المكلف بالحفاظ على السيادة الوطنية التي هي أساس الأمن الوطني. وفي غياب الموارد اللازمة للقيام بهذه المهمة، يُفرّغ مفهوم السيادة من مضمونه، ويُصبح مفهوماً إعلانياً؛ ثانياً حماية المواطن اللبناني: إن حماية المواطن اللبناني هي واجب على الدولة اللبنانية ولا فضل لها في ذلك. لذا من المفروض أن تضع الدولة كل الموارد اللازمة في يد القوات المسلحة الرسمية من أمن داخلي وجيش وأمن عام لمكافحة العمليات الإرهابية التي تهدد حياة المواطن اللبناني.ثالثاً حماية مصالح المجتمع اللبناني: وخصوصاً المصالح الإقتصادية، (تأمين طرق إستيراد المواد الإستراتيجية) وتحفيز الإقتصاد (الأمن الإقتصادي) ووضع سياسة إجتماعية لخير المجتمع اللبناني. 

 

عناصر الإستراتيجية الدفاعية الوطنيةلتحقيق نجاح هذه الأسس، يتوجب على الدولة اللبنانية:

  1. تحديد الجبهات الإستراتيجية التي تشكل عنصر تهديد للمصالح اللبنانية وتتضمن تأمين الحدود، مكافحة الإرهاب، الدفاع عن الثروة النفطية، الدفاع عن الثروة المائية، …
  2. تحديد سياسة دفاع شامل ومتكامل تُحدد أُطر الأمن الوطني الذي يحتوي على سياسة الدفاع الخارجي (ضد العدو)، سياسة الأمن الداخلي (ضبط الأمن)، وسياسة الدفاع المدني؛
  3. المحافظة على وعي إستراتيجي يمر بالوقاية التي تعتمد بشكل حصري على الإستخبارات التي تسمح بتفادي الكوارث، الردع، الحماية، والتدخل بواسطة قوات خاصة؛
  4. خلق قوة صاروخية لردع العدو عبر تزويد الجيش اللبناني بترسانة صاروخية حديثة مهمتها الوحيدة الردع عند الإعتداء على الأراضي اللبنانية (مجال قصير) ومتنوعة، تسمح بردع الطائرات والبوارج واعتراض الصواريخ؛
  5. تزويد الجيش بالمعدات اللازمة لمراقبة الحدود ومنع تسلل الإرهاب أين كان مصدره؛
  6. وضع سياسة أمن داخلي تتصدرها حماية المواطن اللبناني وتمر عبر نزع السلاح، مكافحة الإرهاب، إنشاء وسائل دفاع مدنية، مكافحة الهجومات الإلكترونية وحماية طرق التزود بالمواد الإستراتيجية؛
  7. إشراك المجتمع المدني بالأبحاث الإستراتيجية والتي أمّنت التفوق للدول العظمى، فلا يخفى على أحد أن القنبلة النووية إخترعها مدني، والتكنولوجيا الرقمية، المُستخدمة في المجال العسكري، أساسها الجامعات؛
  8. إنشاء هيئة وطنية مدنية – عسكرية لإدارة الأزمات في فترات الحروب والعمليات الإرهابية وغيرها، مهمتها خلق التعاون العسكري – المدني بهدف حماية المواطن اللبناني وتخفيف الأضرار عليه؛
  9. البحث عن تعاون إستراتيجي عسكري مع دول لا تفرض شروطاً على لبنان، مما يعني إستقلالاً إستراتيجياً في القرارات الوطنية؛
  10. تنمية قدرات الجيش على التخطيط وقيادة العمليات العسكرية عبر تدعيم مراكز الأبحاث وكليات التدريب وتزويده بالسلاح والعتاد الذي يسمح له بإنجاز مهمته على أكمل وجه؛
  11. إنشاء إحتياط بشري كما وخدمة مدنية إلزامية لغرس الهوية الوطنية اللبنانية في عقول وقلوب الشباب اللبناني.

 

 

كيف يُمكن إنجاح هذه الإستراتيجية؟هذه الإستراتيجية هي البديل الوحيد عن الحل العسكري، الذي سيفرض رابحاً وخاسراً، مما يعني زيادة الشرخ في المجتمع اللبناني. لذا من أولى العوامل التي ستُنجح هذه الإستراتيجية، إقتناع الأفرقاء اللبنانيين بأنها البديل الوحيد للفوضى والحرب، وعدم رفع سقف المطالب. ثاني عامل مهم في إنجاحها، تفعيل الديبلوماسية اللبنانية لتسويق الفكرة والشرح للمجتمع الدولي الأهداف الدفاعية البحتة لهذه الإستراتيجية. ماذا عن السلاح الداخلي؟أمام السلطات الرسمية إحتمالان: سحب السلاح الداخلي بالقوة، وهذا الخيار سيكون كارثياً على المجتمع اللبناني. أو إعتماد أساليب ديبلوماسية ذكية عبر لجنة وطنية مؤلفة من أشخاص حياديين لهم مصداقية، لحضّ الأفرقاء اللبنانيين على دمج السلاح مع سلاح الجيش اللبناني. www.lebanonfiles.com/news/715326 

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More