بروفسور جاسم عجاقة
باحث في الفيزياء النووية والإقتصاد

سوسا، ساكس والسياسة في لبنان

أصبح ​لبنان​ يُشكّل محطّ إهتمام العديد من المُستثمرين والإقتصاديين والدليل عدد الدراسات التي صدرت عن ​الوضع المالي​ والإقتصادي في لبنان منذ عام وحتى اليوم. وأخر هذه الدراسات دراسة لإقتصادي فاروق سوسا من مصرف ​غولدمان ساكس​ والذي درس درجة إسترداد الأموال في حال تمّ إعادة هيكلة ​الدين العام اللبناني​.

لقدّ صدر لنا مئات المقالات عن الدين العام اللبناني منذ العام 2013 وحتى اليوم، وكل هذه المقالات تحوي على تحذيرات من سرعة تنامي هذا الدين نسبة إلى النموّ الإقتصادي. ومن البديهي القول أن الأخير يُشكّل الدخل للدوّلة اللبنانية (من باب الضرائب) في حين أن الإستدانة هي طريقة غير صحيّة لتمويل الدول من ناحية أن اللجوء إلى الإستدانة من قبل هذه الأخيرة هو قبل كل شيء مُشكلة سيولة لا أكثر ولا أقلّ. أيضًا من البديهي القول أن الإفراط في الإنفاق يخلق عجز وهذا العجز يتحوّل إلى دين عام تنتج عنه مُشكلة معروفة في الإقتصاد إسمها “دينامية خدمة الدين العام”.

خدمة الدين العام في لبنان إرتفعت كثيرًا في السنوات الماضية والسبب يعود إلى العجز المُزمن الذي يواكبه تراجع في النمو الإقتصادي كنتيجة للأزمة السورية التي دكّت هياكل الكيان اللبناني وقسمت طبقته السياسية عاموديًا وأفقيًا لدرجة أصبح أخذ أبسط القرارت الإقتصادية أو المالية يتعلّق بحسابات إقليمية وحتى في بعض الأحيان دولية.

بالطبع التخبّط السياسي الناتج عن الأزمات الإقليمية منع الإصلاحات التي كانت من المفروض أن تواكب تراجع النمو الإقتصادي وزيادة الإنفاق. فعلى سبيل المثال بقي لبنان من دون ​موازنة​ أكثر من 11 عامًا يصرف خلالها على أساس القاعدة الإثني عشرية “المُعدّلة” أي مع إعتمادات من خارج ​الموازنة​. هذا المنهج رفع الدين العام إلى مستويات تاريخية حيث أنه خلال الفترة التي كانت فيها الموازنة غائبة، تضاعف الدين العام!

أدّت دينامية خدمة الدين العام إلى إرتفاعها إلى مستويات تاريخية من 3.62 مليار د.أ في العام 2012 إلى أكثر من 5.57 مليار د.أ في العام 2018! وبالطبعّ هذا الأمر آت من المُعادلة الإقتصادية التي تنصّ على أن:

الضرائب + ​إصدار سندات​ خزينة (دين عام) = خدمة الدين العام + ​الإنفاق العام​.

وبالتالي نرى أن رفع الدين العام رفع معه خدمة الدين العام ودخلت معه المالية العامّة في منحنى تصاعدي كان خطّي (Linear) في البدء والأن أصبح إسّي (Exponential).

هذه المُعادلة تُظهر أن الخلل في الإنتظام المالي آت من نقطتين: الأولى إزدياد الفجّوة بين النمو و​سعر الفائدة​ الحقيقي، والثانية هي سياسة الدين العام في السنين السابقة.

تقرير فاروق سوسا (موظّف في بنك غولدمن ساكس) هو عبارة عن دراسة لما يُمكن أن يحصل في حال لم يعدّ لبنان وبالتحديد مصرف لبنان ومن خلفه ​القطاع المصرفي​، قادر على تمويل خدمة الدين العام. بالطبع هذا الأمر بعيد في الوقت وهو ما يعترف به سوسا في تقريره ويُعطي مُدّة سنتين. و​ذهب​ سوسا في إتجاه معرفة ما هي نسبة الإسترداد (Recovery Rate) في حال تمّ إعادة هيكلة الدين العام اللبناني؟

يقول سوسا في تقريره أن هذه النسبة هي 35% وقد تكون مُختلفة إذا ما تمّ إعطاء الأولية في الإسترداد إلى ​المصارف​. بالطبع لا نتوافق وسوسا في أرقامه بحكم أن هذه الأرقام هي من باب التخمين وليست نتاج حسابات علمية دقيقة. فحساب نسبة الإسترداد يتطلّب معرفة كل المُستحقات على الدوّلة اللبنانية و​الأصول​ التي تمتلكها وهو أمر لا تعرفه حتى الدوّلة اللبنانية بحدّ ذاتها. أضف إلى ذلك لا يُمكن معرفة مُسبقًا على أي ​سعر فائدة​ سيتمّ إعادة هيكلة الدين العام اللبناني بل أن هذه النسبة هي وليدة الساعة و​المفاوضات​ بين السلطات المالية والمُقرضين.

إذا من أين أتى سوسا برقم 35%؟ في الواقع من المعروف في سوق مشتقات القروض (Credit Derivatives) أن مُعدّل نسبة الإسترداد للدين هي 40% ويكفي البحث في المراجع العلمية لمعرفة أن مُعظم الحسابات العملية وخصوصًا حساب سعر الـ CDS يتمّ على أساس 40%. لذا بإعتقادنا أن سوسا قام بعملية تقدرية إنطلاقًا من هذا الرقم وقدّر أن الوضع المالي للدولة اللبنانية هو وضع تعيس لن يكون من المُمكن بوجوده من إسترداد أكثر من 35%. وشكّك في أن أي إجراءات ضريبية قد تُعطي مفعول يُبعد شبح هيكلة الدين العام عن لبنان.

وككل دراسة إقتصادية، قام سوسا بإستعراض الوضع المالي والإقتصادي اللبناني وحدّد مكامن الخللّ وعلى رأسها التخبط السياسي حيث أن وصفه كان دقيقًا ولكن ليس بجديد. هذا الوصف يقوم به كل إقتصادي لإعطاء مصداقية لدراسته وبالتالي فإن سوسا إستخدم نفس الأسلوب.

مُشكلة لبنان هي قبل كل شيء مُشكلة إفراط في الإنفاق وفساد. هذا الأخير له تأثير كبير في ​النتائج المالية​ للإصلاحات التي قدّ تقوم بها الحكومة. وبإعتقادنا فإن الإجراءات التالية كفيلة بإبعاد شبح الإفلاس وهيكلة الدين العام عن لبنان بدون أدنى شك:

أولًا – إعادة فرض رسوم جمركية على البضائع المُستوردة من الخارج؛

ثانيًا – وقف ​التوظيف​ بكلّ أشكاله في ​القطاع العام​؛

ثالثًا – محاربة التهرّب الضريبي؛

رابعًا – إشراك القطاع الخاص في ​الكهرباء​.

في الواقع إن هذه الإجراءات الأربعة كفيلة بإعادة القطار إلى السكّة لأن هذه الإجراءات تؤمّن إنخفاض العجز إلى نصف ما هو عليه حاليًا وهذا الأمر مُثبّت في الأرقام. فبدل أن نقف مُتفرّجين على تردّي وضع المالية العامّة، فلنقم فورًا بهذه الإجراءات ونُنقذ بلدنا من الإنهيار. في الواقع إنه قرار سياسي بحت!

رابط الإقتصاد

مقالات بحسب المواضيع

الإقتصاد اللبناني

المالية العامة

الفساد

السياسة النقدية

سلسلة الرتب والرواتب

هل تشمل العقوبات الأميركية الجديدة الصف الأول من «حلفاء حزب الله»؟

«لست أنا من يحدد العقوبات الأميركية على (حزب الله). الحكومة الأميركية واضحة في كيفية مقاربة الموضوع، ولا يمكن تغييرها»...
المزيد...

«ستاندار آند بورز» تحافظ على تصنيف لبنان وفيتش تُخفّضه… والسبب الرئيسي غياب…

«ستاندار آند بورز» تحافظ على تصنيف لبنان وفيتش تُخفّضه... والسبب الرئيسي غياب الإصلاحات التخبّط السياسي العامل…

مكاتب الصيرفة تُخالف القانون ووزارة الإقتصاد مدعوة إلى قمعّ المخالفات عملًا…

الديار | بروفسور جاسم عجاقة لا أزمة دولار في السوق اللبناني، وكل قول عكس ذلك يعني جهل تركيبة السوق. نعم هناك مكاتب…

لبنان والتصنيف المنتظر

مقابلة البروفسور جاسم عجاقة على شاشة الـ ال بي سي ضمن برنامج نهاركم سعيد | لبنان والتصنيف المنتظر | تاريخ 22 آب…

عقوبات أميركية مرتقبة على رجال أعمال ووزراء مسيحيين

يكثر الكلام عن عقوبات أميركية على حلفاء حزب الله، لا سيما المقرّبون من العهد والتيار الوطني الحر وتيار المردة…

الدين العام

مصداقية الأرقام على المِحكّ والأسواق تُشكّك.. كيف تمّ خفض العجز إلى 6.59 بالمئة؟

أنها أقرب إلى قصّة خرافية منها إلى قصّة حقيقية، بلد يُعاني من عجز مزمن في موازنته العامّة وبظرف ثلاثة أشهر يتمّ خفض هذا العجز إلى ما يقارب النصف؟! الأسواق أعطت كلمتها ووكالات التصنيف الإئتماني أعطت أيضا كلمتها وحتى صندوق النقد الدولي أعطى كلمته والنتيجة واحدة: لن تستطيع الحكومة الإلتزام بعجز 7.59%. إذًا كيف يُمكن لها أن تلتزم بعجز 6.59؟
المزيد...

هل تُخفّض “موديز” تصنيف لبنان الإئتماني؟

تقرير موجّه إلى السياسيين في الدرجة الأولى، هكذا يُمكن تصنيف تقرير موديز الذي لم تتفاعل معه الأسواق المالية على…

دوّامة الدولار وارتفاع الأسعار

يوماً بعد يوم يتورّط لبنان في لعبة الدولار المسمومة. فانعدام النموّ الإقتصادي، والعجز الهائل في الميزان التجاري…

قطر مقابل موديز : نشتري سندات خزينة

مقابلة البروفسور جاسم عجاقة على شاشة الـ او تي في | قطر مقابل موديز : نشتري سندات خزينة | - تاريخ 30 حزيران 2019
المزيد...

محلل اقتصادي: تقرير “موديز” رسالة للطبقة السياسية اللبنانية

أعلنت مؤسسة الائتمان الدولية "موديز انفستورز سيرفيس" في تقرير لها عن أن تباطؤ التدفقات الرأسمالية على لبنان وتراجع…

تحذيرات “موديز” المتكررة وغواية أموال صفقة القرن

أطلقت وكالة "موديز" للتصنيف، مطلع العام 2019، نداءً تحذيرياً للطبقة السياسية اللبنانية، مفاده ضرورة إجراء إصلاحات…

الموازنة العامة

الكهرباء

النفايات

التهرب الضريبي

الإرهاب

الهجوم الإرهابي على القوى الأمنية يُثير المخاوف الاقتصادية والمطلوب ضبط الاوضاع…

الهجوم الإرهابي على القوى الأمنية يُثير المخاوف الاقتصادية والمطلوب ضبط الاوضاع الداخلية السماح للحكومة بالصرف على…

العقوبات الأميركية على حزب الله

إيران

الأزمة القطرية الخليجية

الإمارات ومصر والسعودية أمام موجة خسائر بسبب مقاطعة قطر

ستكون شركات إماراتية وسعودية، أمام موجة من الخسائر المالية التي ما يزال مبكراً تقدير حجمها، ناتجة عن مقاطعة دول…

خُبراء.. قطع العلاقات مع قطر خسارة للاقتصادات العربية

محمد إبراهيم أكد خبراء ومحللون اقتصاديون، تأثر الاقتصادات العربية بالخلاف الدبلوماسي الأخير، والذي أدى إلى قطع…

مقالات إستراتيجية

الموازنة العامّة

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More