أستاذ جامعي وباحث نووي وإقتصادي

المشاريع الصغيرة… رصاصة اخيرة للشباب قبل الهجرة

يواجه معظم الشباب اللبناني مشكلة ايجاد عمل في وطنه فيضطر الى العمل خارج اختصاصه، فيتحول الاعلامي الى بائع للهواتف الذكية وخريج التسويق الى سائق لسيارة اجرة لتأمين قوته اليومي، وفي حال قرر فتح شركة صغيرة، فالقانون اللبناني له في المرصاد، ليتحول من موظف في بلده او صاحب عمل الى طالب للهجرة في دول تحترم شهادات ابنائها.  معظم الشباب اللبناني العاطل عن العمل يواجه الهواجس نفسها لتأمين حياة كريمة له في بلده وبالطبع معظم تلك المحاولات باءت بالفشل، فالمخاطرة لفتح مشروع صغير ستترتب عليها اعباء مالية، فيقرر عدد كبير منهم الى استئجار سيارة اجرة والعمل عليها. صائب، وهو صاحب احد الملاهي الليلية الصغيرة في منطقة الحمرا يشير الى ان المشروع بدأ قبل سنة مع احد الاقارب، فهو سبق وقد تخرج من الجامعة ولم يجد ما يلبي طموحه ضمن اختصاصه خصوصاً انه قد افتتح مع صديقه شركة للاعلانات على الفيس بوك وكان يتواعد مع الزبائن اما في القهوة او في اي مكان عام، وبالطبع، من دون تسويق لم يلاق العمل النجاح المطلوب ليتجه بعدها الى افتتاح “pub” صغير في شارع الحمرا. وبحسب صائب، فقد اختار منطقة الحمرا نظراً لأنه من رواد تلك المنطقة ويعرف زواريبها ولديه علاقات صداقة فيها وهي منطقة حيوية لا تموت مهما كانت الظروف. معتبراً ان “مثل هذا النوع من المحلات يحتاج للوقت. ففي السنة الاولى بالطبع لن يكون هناك ربح، ومع الازمة الاقتصادية التي تضرب البلد بالطبع سيؤثر الموضوع علينا”. واعتبر الشاب الطموح ان مهرجانات الحمرا تساعد على تحريك الجو في الحانات خصوصاً ان الاسعار تراعي ذوي الدخل المحدود على عكس محلات اخرى تكون لطبقة محددة فقط. وبالقرب من محل صائب قرر عمر وهو خريج كلية الاعلام فتح محل للهواتف الذكية. فعمر خريج سنة 2013 لم يجد ضمن اختصاصه ما يلبي طموحه حيث ان العمل في الصحافة بحسب عمر “ما بطعمي خبز” ويضيف: “قررت المخاطرة للابتعاد عن الاعلام والعمل ضمن اختصاص احبه ويدر لي الاموال، فحياتي تحولت من صحافي الى ادارة محل في شارع الحمرا وخلال سنتين تمكنت من فتح محل للعب “بلاي ستيشن” حيث من خلال تمكنت من الزواج، فيما اصدقائي الذين قرروا البقاء ضمن مجال الاعلام فهم بالكاد يحصلون على راتبهم الشهري، ولكن رغم “ان وضعي” افضل من الآخرين الا انني ايضاً افكر في الهجرة من لبنان واكمال حياتي مع عائلتي في السويد وليس في لبنان”. حسن وهو خريج معهد الفندقية لم يحبذ العمل لدى المؤسسات المحلية خصوصاً ان الوضع السياحي لا يعول عليه في لبنان، فاتجه الى فتح مطعم صغير يقدم خلاله الـ”crep” وفي المساء يعمل في احد المطاعم، معتبراً ان اعتماده هو فقط على المطعم داخل المدرسة، فيما شقيقه خريج برمجة ومعلوماتية قرر هو الآخر فتح محل لبيع ادوات الحاسوب ويعمل صباحاً في احدى الشركات ليتمكن من تأمين مصروفه الشهري لأنه مقبل على الزواج وبحاجة الى اكثر من عمل. القانون ضد الشركات الصغيرةالخبير الاقتصادي د. جاسم عجاقة رأى ان القوانين اللبنانية لا تسمح للشركات متوسطة الحجم والصغيرة من الاستمرارية. فعلى سبيل المثال، في الولايات المتحدة يبلغ عدد الشركات الصغيرة ومتوسطة الحجم 30 مليون شركة، ولو ان كل شركة قامت بتشغيل ثلاثة موظفين فقط سيتمكن ما لا يقل عن 90 مليون اميركي من العمل في بلد عدد سكانه 300 مليون نسمة، اي ان ثلث الشعب الاميركي يعمل ضمن الشركات الصغيرة وهو ما يقضي بشكل اساسي على الفقر والبطالة، فيما في فرنسا يمكنك فتح شركة بيورو واحد فقط، اما في لبنان فأنت بحاجة الى ما لا يقل عن 1000 دولار والمعاملات تأخذ اسبوعين الى ثلاثة اسابيع وطبعا الى افتقاد الدعم من الدولة. بينما في باقي دول العالم تقوم الدولة بدعم تلك الشركات وتقدم لها التسهيلات الكافية لتتمكن من الاستمرار. ورأى عجاقة ان الشركات في لبنان تعتمد على مجهودها الخاص. فالشركات الكبرى تهيمن على جميع القطاعات الاقتصادية. فعلى سبيل المثال لو قرر احدهم فتح شركة صغيرة لتقديم الخدمات فسيواجه محاربة كبيرة من الشركات الكبرى المسيطرة على السوق المحلي مما سيضطر الى المقاومة لبقاء شركته على قيد الحياة او العمل ضمن احدى الشركات الكبرى كموظف لديها، معتبراً ان المشكلة الاساسية هي في الدولة اللبنانية والقوانين التي تخدم اصحاب المشاريع الضخمة بالاضافة الى سيطرة السياسيين على تلك الشركات. اكثر من 88 الف شركةوبحسب عجاقة يبلغ عدد الشركات في لبنان ٨٨،٢٧٥ شركة موزعة على القطاعات الإقتصادية المُختلفة. وتحليل النشاط الإقتصادي لهذه الشركات يُشير إلى أن خدمات الأعمال، التسوق، والصحة والجمال هي النشاطات التي تحوي أكبر عدد من الشركات. ويبقى السؤال عن فعالية هذا التوزيع وإذا ما كان ملائما للإقتصاد اللبناني وحاجاته؟ فأكثر من 83% من الشركات تنتمي إلى قطاع الخدمات، و15% تنتمي إلى قطاع الثانوي، اي (الشركات التي يشمل نشاطها الإقتصادي الصناعات التحويلية) والباقي ينتمي إلى القطاع الأولي (ويشمل الشركات التي تتعاطى جمع وإستغلال الموارد الطبيعية مباشرة)… وبالتالي نستنتج أن الإقتصاد اللبناني هو إقتصاد خدماتي بإمتياز. هشاشة الاقتصاد اللبنانيولإظهار هشاشة الهيكلية الحالية للإقتصاد اللبناني، فأن عدد الشركات في مجال الصحة والجمال بحسب عجاقة توازي نسبتها الـ 12% من مجمل عدد الشركات. وما ذلك إلا دلالة على ضعف الإستثمارات في الماكينة الإقتصادية التي أدت إلى خلق شركة صحة وتجميل لكل 378 شخصا! وبحسب الدراسات، فان اكثر من 95 % من الشركات في لبنان صغيرة ومتوسطة الحجم، تعاني من نقص في التمويل، بالاضافة لسياسة الدولة الضريبية والتي تفرض ضرائب على الأرباح في الأوقات العصيبة ولا تُساعد في خلق فرص عمل للشباب اللبناني بما يدفع الشركات إلى إستخدام العمالة الأجنبية غير المُصرّح عنها. من هذا المُنطلق تأتي السياسات الحكومية لتصحيح هذا الوضع عبر العمل على هيكلة الإقتصاد بشكل صحيح يسمح بإعادة التوازن بين مُختلف القطاعات الإقتصادية. هذا الأمر يبدأ من خلال العمل على الإطار القانوني الذي يُسهّل خلق الشركات في القطاعين الأولي والثانوي. لكن العمل التشريعي يجب أن يطال قبل كل شيء الإستثمارات والشق الضريبي من خلال مدن صناعية تسمح للمُستثمرين بالعمل في ظل مناخ جاذب خصوصاً أن بعض المناطق القريبة من الساحل تُشكّل نموذجاً مثالياً لمثل هذه المدن. اذا وببساطة، يرى معظم الشباب اللبناني ان تلك المشاريع ما هي الا الرصاصة الاخيرة قبل الهجرة. فالعمل كسائق او صاحب محل للأجهزة الذكية وان كانت مربحة، ولكن عدم وجود الاستقرار الامني والسياسي في لبنان يدفعهم الى الهجرة. رابط البلد   

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More