بروفسور جاسم عجاقة
باحث في الفيزياء النووية والإقتصاد

السقوط إلى الجحيم

لم يكن لبنان بخطر مالي كما هو اليوم حيث أن العجز الذي أخذ يتعاظم أصبح يتحوّل كليًا إلى دين عام تزداد معه خدمة هذا الأخير. لكن الأخطر في العملية أن غياب النمو الإقتصادي وإستشراء الفساد سيجعل من هذه العلاقة علاقة إسّية (exponential) ستدفع بلبنان إلى الجحيم.

موقع الإقتصاد | بروفسور جاسم عجاقة

أظهرت الأرقام الأخيرة التي أصدرتها وزارة المال أن العام 2016 كان عام عجز بإمتياز حيث حقّق لبنان أعلى مُستوى عجز في تاريخه (5 مليار دولار أميركي أي ما يوازي 10% من الناتج المحلّي الإجمالي!).

وتعود أسباب هذا العجز إلى زيادة النفقات من 13.5 مليار دولار أميركي في العام 2015 إلى 14.9 مليار دولار أميركي في العام 2016 إضافة إلى إرتفاع مُستوى خدمة الدين العام إلى 4.77 مليار دولار أميركي مقارنة بـ 4.46 مليار دولار أميركي في العام 2015.

والجدير بالذكر أن العجز المُسجّل في السنوات السابقة يؤثّر سلبًا على سد رأس المال الذي تراجع من 218 مليون دولار أميركي في العام 2015 إلى 198 مليون دولار أميركي في العام 2016.

هذه الأرقام المُخيفة تجعل من لبنان ثالث دولة في المديونية عالميًا (140% نسبة إلى الناتج المحلّي الإجمالي بعد اليابان وإيطاليا. والفارق الأساسي بين لبنان والدولتين المذكورتين هو أن الماكينة الإقتصادية للبنان ضعيفة جدًا مقارنة بالماكينات الإقتصادية لهاتين الدولتين. وبالتالي فإن سدّ الدين العام في حال لبنان صعب جدًا في غياب نمو إقتصادي في حين أن النمو الإقتصادي في اليابان وإيطاليا يسمح بإمتصاص دينهما مهما كانت قيمته.

أضف إلى ذلك مُستوى الفساد الذي يشوب الماكينة الإقتصادية اللبنانية والذي وفي حال وُجد النمو، يُشكّل عبئًا على المالية العامّة تمنع أية إستثمارات عامّة.

هذا الواقع الآليم يتزامن من مطالب إجتماعية بإقرار سلسلة الرتب والرواتب التي تزيد من العبء على المالية العامّة بقيمة 800 مليون دولار أميركي، ليُصبح العجز بمشروع موازنة العام 2017، 5.2 مليار دولار أميركي بحسب وزارة المال. هذه العجز يتضمّن السلسلة والسلّة الضريبية المرافقة والتي تؤمن بحسب وزارة المال 1.6 مليار دولار أميركي.

المُشكلة في هذه الأرقام هو أن العجز بدون السلسلة وبدون السلّة الضريبية يبلغ 6 مليار دولار أميركي (أرقام وزارة المال). هذا العجز وبحسب تطور العلاقة بين العجز والدين العام وبغياب النمو الإقتصادي وإستشراء الفساد، سيتحوّل إلى دين عام تزيد معه خدمة الدين العام بشكل كبير (بحدود 5.5 مليار دولار أميركي) مما يزيد من العجز بدوره وهكذا دواليك ليدخل بعدها لبنان في دوّامة إرتفاع الدين العام بشكل يؤمّن سقوط لبنان في الجحيم!

زيادة الضرائب حق للدولة على المواطن في الإقتصادات الحرّة. لكن هذه الضرائب وحدها لن تكّفي كما تُظهر هذه الأرقام مع إستمرار هدر المال العام نتيجة الفساد وسوء الإدارة. وإذا كان الفساد يُكلّف المالية العامة ما يوازي العشرة مليارات دولار أميركية سنويًا، إلا أن الهدر يلعب أيضًا دورًا مهمًا مع توظيف عشوائي (كتلة الأجور تُشكّل نصف مدخول الدولة) وإنفاق في تجديد مفروشات في الوزارات والمؤسسات العامّة ونفقات سفر جنونية توازي الألأف الدولارات في النهار للشخص الواحد!

نعم لزيادة الضرائب، لكن ليكن معلومًا أن التاريخ سيُحاسب الطبقة السياسية لعدم القيام بإصلاحات خصوصًا الإصلاحات التي تطال مكافحة الفساد. إنه لإجرام بحق الشعب اللبناني الإستمرار في سياسة اللامبالاة هذه خصوصًا أن الإنفاق يزيد عامًا بعد عام ومُعظمه (96%) إنفاق جاري. أما الإنفاق الإستثماري (4%) فحدّث ولا حرج حيث لم نرى مشروع واحد في الدولة اللبنانية تمّ الإستثمار فيه وأصبح يدرّ أمولًا على الخزينة العامّة!
كهرباء لبنان إستنزفت الخزينة العامّة بـ 16 مليار دولار أميركي تحاويل من العام 2008 وحتى اليوم (2017). هل من مُبرّر لهذا الإنفاق؟

الإصدار الأخير الذي قامت به وزارة المال نجح بشكل غير مُتوقع مع طلب بلغ ستة أضعاف المبلغ المطلوب. لكن هذا الأمر لا يُمكن إعتباره إنتصارًا لأن إستحقاقات الدين العام لهذا العام تبلغ 7.92 مليار دولار أميركي. وهذا الأمر بحد ذاته نذير شؤم وذلك بحكم أن لبنان بدأ يتعاطى بمستوى ديون لا يتناسب ومستوى الحوكمة الرشيدة الحالية (مُستوى فساد عالٍ، غياب الرقابة، غياب الإصلاحات، غياب الخطط الإقتصادية…).

وبإعتقادنا إذا إستطاعت الدولة جمع ثلاثة مليارات من الدولارات الأميركية، فهذا بفضل الكمّ الهائل من السيولة في المصارف اللبنانية. لذا من العقلانية أن يتمّ التعاطي مع المصارف بحذر كبير لأن الأداء السيء للدولة اللبنانية ينسحب على القطاع المصرفي وبالتالي إذا إنهار هذا القطاع فإن الدولة ستنهار معه حكمًا.

وللذين يتوقعون خلاص لبنان من خلال الثروة النفطية، نرى أنهم بعيدون عن الواقع بحكم أن الإستمرار على نفس المُستوى من الأداء العام، سيجعل من الثروة النفطية ثروة مرهونة للمُقرضين حتى قبل إستخراجها.

لذا رأفة بالعباد، باشروا بالإصلاحات اليوم قبل الغد وبدل التراشق الكلامي على الضرائب الذي له خلفية إنتخابية، باشروا بوضع خطّة إصلاحية للدوّلة اللبنانية.

مصدر موقع الإقتصاد

مقالات بحسب المواضيع

الإقتصاد اللبناني

المالية العامة

الفساد

السياسة النقدية

سلسلة الرتب والرواتب

جاسم عجاقة لـ”النشرة”: كان من المفترض وضع رسم 7 و 8% على البضائع المستوردة

اعتبر الخبير الإقتصاد​ي والاستراتيجي البروفسور ​جاسم عجاقة​ أن خفض ​العجز​ الذي تحقق في موازنة العامة 2019 كاف باعتبار أن المطلوب كان خفضه الى 9% ويبدو أنه وصل نتيجة التعديلات الأخيرة الى قرابة الـ7.3%، مشددا على ان العبرة ليست بالارقام انما بالتطبيق لأنّ تجربة موازنة 2018 لم تكن مشجعة.
المزيد...

المصارف اللبنانية العمود الفقري للاقتصاد اللبناني

يُعتبر القطاع المصرفي اللبناني العامود الفقري للاقتصاد اللبناني حيث يؤدي دورا أساسيا في تمويل الاقتصاد إضافة إلى…

جاسم عجاقة لموقع المرده: الليرة اللبنانية ليست في دائرة الخطر ومحميّة ووراءها دعم…

أكد الخبير الاقتصادي والاستراتيجي البروفيسور جاسم عجاقة أن “الليرة اللبنانية ليست في دائرة الخطر وانها محميّة…

الخلافات السياسية أطاحت موازنة 2019 وجلسة اليوم مفصلية

«يا فرحة ما اكتملت!» بالفعل... لم تكتمل فرحة اللبنانيين الذين كانوا ينتظرون الدخان الأبيض من مجلس الوزراء الأربعاء…

أبعد من السلام… حدود جغرافيّة بأقلام إقتصادية…

بالعودة الى الورشة الإقتصادية التي ستستضيفها العاصمة البحرينية المنامة في حزيران القادم، تحت عنوان "الرخاء من أجل…

الدين العام

«المركزي» دعَمَ الخزينة بـ 2.8 مليار دولار في 2018

هل يُساهم مصرف لبنان في دعم خزينة الدولة؟ سؤال مشروع مع تواتر الشائعات عن عدم مساهمة المصرف المركزي في دعم مالية الدولة. في الواقع تُشير الأرقام إلى أنّ كلفة مصرف لبنان جرّاء دعم خزينة الدوّلة بشقّيه التسهيلات والقروض بلغت 2.8 مليار دولار أميركي في العام 2018.
المزيد...

هكذا يتحول العجز إلى دين…وهذا هو الحل

أكد الخبير الاقتصادي الدكتور جاسم عجّاقة في حديث لصحيفة الشرق الاوسط، أن "مؤتمر (سيدر) فرض على لبنان إجراءات تتطابق…

مصرف لبنان يوفر على الدوّلة أقلّه ملياران ونصف مليار دولار أميركي

تتمّ مداولة العديد من المغالطات عن مدى مساهمة مصرف لبنان في خزينة الدوّلة والتي تُروّج لفكرة أن مصرف لبنان لا يقوم…

الحكومة مُحاصرة برباعية المجتمع الدولي ــ الشارع ــ عجز الموازنة والوقت

الديار | بروفسور جاسم عجاقة نقاشات حادّة طغت على الجلسات الأولى لمجلس الوزراء لبحث الموازنة وكادت تُطيح بها وبجلسات المجلس. وعلى الرغم من تدخّل الرئيس الحريري لتهدئة الأجواء وإرساء جو من النقاش البنّاء إلا أن المعلومات تُشير إلى أن أجواء الجلّسات بقيت محقونة تحت تأثير أربعة عوامل: أولا ـ المجتمع الدولي الذي ما يزال غير راض عن الإجراءات المُقترحة…
المزيد...

بروفسور جاسم عجاقة: هكذا سيكون وضع الليرة قرييا

مقابلة البروفسور جاسم عجاقة على قناة ليبانون فايلز ضمن برنامج مرتجل مفيد - عجاقة: هكذا سيكون وضع الليرة قرييا -…

مُعالجة الموازنة من وجهة نظر ماليّة لن تكفي والمطلوب مُعالجة إقتصاديّة إصلاحيّة

أسبوع مرّ على خطاب رئيس الجمهورية العماد ميشال عون وحتى الساعة لم يتمّ طرح الموازنة على طاولة مجلس الوزراء، مع…

الموازنة العامة

الكهرباء

النفايات

التهرب الضريبي

الإرهاب

لبنان يكافح شبكة تمويل داعش

نهاد طوباليان داهم الأمن العام في لبنان خلال عمليات نفذت مؤخرا في بيروت مؤسسات صيرفة وشركات مالية بعد الإشتباه…

العقوبات الأميركية على حزب الله

إيران

الأزمة القطرية الخليجية

الإمارات ومصر والسعودية أمام موجة خسائر بسبب مقاطعة قطر

ستكون شركات إماراتية وسعودية، أمام موجة من الخسائر المالية التي ما يزال مبكراً تقدير حجمها، ناتجة عن مقاطعة دول…

خُبراء.. قطع العلاقات مع قطر خسارة للاقتصادات العربية

محمد إبراهيم أكد خبراء ومحللون اقتصاديون، تأثر الاقتصادات العربية بالخلاف الدبلوماسي الأخير، والذي أدى إلى قطع…

مقالات إستراتيجية

الموازنة العامّة

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More