عجز الموازنة تخطّى 6 مليارات دولار في 2018

التهويل بانهيار المالية العامّة والليرة اللبنانية هو كلام غير صحيح وغير دقيق

0
مع إعلان وزارة المال أرقام المالية العامة للأشهر التسعة الأولى من العام 2018، بدأت الصورة تتّضح أكثر عمّا سيكون عليه العجز في نهاية 2018. وتُشير الحسابات إلى أنه أصبح شبه أكيد أنّ هذا العجز تخطّى الستة مليارات دولار أميركية في العام الماضي مُنذرةً بإرتفاع كبير في الإنفاق وبالتالي ضرورة أخذ الإجراءات المُناسبة.

 

أظهرت أرقام وزارة المال أنّ العجز التراكمي في الأشهر التسعة الأولى من العام 2018 بلغ 4.53 مليارات دولار أميركي أي ما يوازي 8.6% من الناتج المحلّي الإجمالي. وهذا يعني أنه وبفرضية أنّ الإنفاق في الأشهر الثلاثة الأخيرة من العام 2018، بقي على الوتيرة نفسها (مع أخذ بعض الإنفاق المعروف سلفاً) فهذا يعني أنّ العجز في نهاية الـ 2018 وصل إلى 6.54 مليارات د.أ أي ما يوازي 12.3% من الناتج المحلّي الإجمالي (53 مليار د.أ).

إرتفعت الإيرادات في الأشهر التسعة الأولى من العام 2018 نسبة إلى الفترة نفسها من العام 2017 بقيمة 267 مليون د.أ، إلّا أنّ الإنفاق ارتفع في الوقت نفسه بقيمة 2.78 مليار د.أ. وهذا يعني أنّ العجز إرتفع بقيمة 2.52 مليار د.أ بين الفترتين. البحث في التفاصيل يُظهر أنّ الإنفاق في دعم مؤسسة كهرباء لبنان إرتفع بقيمة 341 مليون د.أ، وبند حسابات الموازنة من السنين السابقة بقيمة 242 مليون د.أ.، وبند خدمة الدين العام 285 مليون د.أ. أما الباقي من الزيادة في الإنفاق – أي 1.9 مليار د.أ – فقد ذهب إلى تمويل الأجور والتعويضات والتعاقد، والإنفاق التشغيلي والإنفاق الإستثماري. وإذا كنا لا نعرف التوزيع بالتحديد نظراً إلى غياب الأرقام الرسمية، إلّا أنّ حساباتنا تُشير إلى أنّ زيادة الإنفاق الإستثماري بلغت صفراً، الزيادة في الإنفاق التشغيلي 765 مليون د.أ والزيادة في الأجور 1.15 مليار د.أ (المقارنة بين الأشهر التسعة الأولى من 2018 والفترة نفسها من 2017).

في الواقع هذه الأرقام تطرح علامات إستفهام على الزيادة في الإنفاق على الأجور، وهنا نطرح السؤال: هل الزيادة المُقدّرة (من قبلنا) بـ 1.15 مليار د.أ هي نتاج سلسلة الرتب والرواتب أم هي نتاج التوظيف الإضافي أو مزيج من الإثنين؟ فبحسب تصريحات وزير المال تمّ توظيف ما لا يقلّ عن 5000 موظّف في الدولة في الأشهر الخمسة الأولى من العام 2018 وهذا التصريح أتى قبل نهاية العام 2018 ما يعني أنّ هناك إحتمالاً أن يكون هذا الرقم أكبر من ذلك بكثير. من جهة أخرى تُشير البيانات التاريخية الصادرة عن وزارة المال أنّ معدّل الزيادة السنوية للأجور منذ العام 2007 وحتى 2017 هي 450 مليون د.أ سنوياً، ما يعني أنّ العام 2018 وحده ضاعف (أقلّه) هذه الزيادة في وقت تُعاني مالية الدولة من عجز مُزمن أصبح أكثرَ من مُقلق.

هذا الأمر يفرض قراراً من قبل رئيس الجمهورية، رئيس الحكومة ووزير المال (في ظلّ حكومة تصريف الأعمال) بعدم قبول أيّ تعاقد لا يتمّ من خلال مجلس الخدمة المدنية وبالتالي رفض دفع بدل أجر. وإذا كانت المادّة 112 من قانون المُحاسبة العمومية كفيلة بحلّ هذه المُشكلة، إلّا أنّ تطبيقها يحتاج إلى توافق سياسي وهذا أمر صعب المنال في الظروف الحالية.

خدمة الدين العام لم ترتفع في الأشهر التسعة الأولى إلّا بقيمة 285 مليون د.أ، لكن هذا لا يعني بأننا على الطريق السليمة خصوصاً أنذ العام 2019 سيشهد العديد من إستحقاقات الدين العام وبالتحديد بالدولار الأميركي (2.65 مليار د.أ رأسمال و2.11 مليار د.أ فوائد). وإذا كان تمويل هذه الإستحقاقات مؤمّن من قبل مصرف لبنان للعام 2019، إلّا أنّ الإستمرار في وتيرة التوظيف العشوائي سيُعقدّ الأمور أكثر من ناحية رفعه للعجز وبالتالي الدين العام وخدمته.

أما من ناحية الكهرباء وعلى الرغم من أنّ الإرتفاع في الأشهر التسعة الأولى من العام 2018 بقيمة 341 مليون د.أ، إلاّ أنه من الواضح أنّ الأرقام لا تتضمّن السلفة الإضافية التي أُقرّت العام الماضي والتي تُقارب الـ 650 مليار ل.ل. وهذا الأمر سيظهر بالتأكيد في أرقام الأشهر الثلاثة الأخيرة من العام 2018 حين تُصدرها وزارة المال. بالطبع هذا الملف هو من الملفات الخلافية الكبرى في الحكومة وكاد أن يُعطّل الحكومة الماضية (حكومة تصريف الأعمال) ومن المُتوقّع أن يبقى نقطة خلافية كبيرة في الحكومة المقبلة. كل هذا في ظلّ إنفاقٍ من المال العام على مؤسسة كهرباء لبنان يراوح بين 1.5 و2.3 مليار د.أ سنوياً مقابل خدمة لا ترتقي إلى ما تدفعه خزينة الدولة كدعم إضافة إلى ما يدفعه المواطن على شكل رسوم وفواتير (كلفة الكهرباء على المواطن هي 3 مليارات د.أ سنويّاً).

في مطلق الأحوال التحدّيات المالية كبيرة والخطوات المطلوبة تحتاج إلى قرار سياسي نفتقده: وقف التوظيف العشوائي، وقف مجزرة الكهرباء، لجم الإنفاق التشغيلي، القيام بإصلاحات تطال الإدارة العام ومؤسسات الدوّلة…

وبغياب القرار السياسي، نرى أنّ هناك إلزامية لأخذ عدد من القرارات أقلّه كلّ بحسب الصلاحيات التي يملكها:

أولاً – إعادة فرض رسوم جمركية على البضائع المستوردة من أوروبا والدول العربية. وعلى هذا الصعيد، نشير إلى أنّ بعض الدول العربية علّق العمل بمعاهدة التيسير العربي وأعاد فرض رسوم جمركية.

ثانياً – رفض التوظيف من خارج مجلس الخدمة المدنية ورفض دفع الأجر لمَن يدخل إلى الدولة من خلال تعاقد غير قانوني.

ثالثاً – تحرير قطاع الكهرباء وإعطاء إمتيازات للقطاع الخاص بالطريقة نفسها التي أُعطي فيها الإمتياز لشركة كهرباء زحلة.

رابعاً – دعم أجهزة الرقابة وإعادة تفعيلها عملاً بالوعود الإنتخابية وخطابات النواب في المجلس النيابي والتي أظهرت أنّ كل الأحزاب اللبنانية من دون إستثناء هي مع محاربة الفساد.

إنّ التهويل بانهيار المالية العامّة والليرة اللبنانية هو كلام غير صحيح وغير دقيق. إلّا أنّ هذا القول لا يصحّ إلى ما لا نهاية، وبالتالي مطلوب من السلطة السياسية معرفة أنّ التأخير في أخذ القرارات المُناسِبة يُترجَم بخسائر على الدّولة اللبنانية أي دين عام، وهذا الدين سيُصبح ضرائب على المواطن اللبناني.

رابط الجمهورية

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.