2019.. عام محفوف بالمخاطر

0

لا يستبشر المواطن اللبناني خيرًا من العام 2019 مع تخوف من إستمرار غياب الحكومة والضرائب الموعودة وإستمرار تفشّي الفساد. وإذا كان من السهل التكهّن بما ستؤول إليه الأوضاع الإقتصادية والمالية خصوصًا أن هناك ربطاً واضحاً بين الوضعين السياسي والإقتصادي، إلا تحليل الوضع الإقتصادي في العام 2018 يسمح برؤية واضحة للوضع في العام 2019.

الوضع الإقتصادي والمالي في العام 2018

أولًا – على الصعيد الإقتصادي: تُراوح الإستثمارات الأجنبية المباشرة مكانها مع 2.6 مليار دولار والمحلّية مع بضعة مئات من ألوف الدولارات إلى درجة أصبح النمو الإقتصادي المُسجّل (1%) هو نتاج الإستهلاك ونمو القطاع المصرفي. وإذا كانت الأشهر الأخيرة من هذا العام قدّ سجّلت تراجعًا في الإستهلاك، فإن ذلك دفع بالعديد من المنظمات الدولية إلى تخفيض توقعاتها لنمو الإقتصاد اللبناني حتى إلى أقلّ من 1%. بالتوازي، أخذت تداعيات إرتفاع أسعار النفط في الفصل الأول من العام مع الطلب المُرتفع الناتج عن سلسلة الرتب والرواتب إلى دفع التضخّم إلى مستويات عالية قاربت الـ 7% وفرضت إلى حدٍ معين رفع الفوائد لإحتواء التداعيات الكارثية على النقد. الجدير ذكره أن سلسلة الرتب والرواتب لم تستطع دعم الطلب الداخلي بل دعمت الطلب الخارجي كما تؤكده أرقام الجمارك. الإستهلاك الكبير من البضائع المُستوردّة دفع إلى ضرب الشركات المحلّية وزيادة البطالة والأهم هو ضرب ميزان المدفوعات الذي سجّل عجزًا يفوق الـ 3.1 مليارات دولار في الأشهر العشرة الأولى من العام 2018. هذا الإرتفاع في عجز المدفوعات يزيد من الضغط على الليرة اللبنانية التي تبقى بحماية مصرف لبنان مع وسائله الضخمة.

وبالتالي يُمكن إختصار الوضع الإقتصادي في العام 2018 على أنه إقتصاد في حال ركود تضخّمي مع الأمل أن تكون الفوائد المُرتفعة حاليًا قد قضت على التضخّم المُسجّل في الأشهر الست الأولى من العام 2018.

ثانيًا – على الصعيد المالي: تُعتبر سنة 2018 الأسوأ في تاريخ لبنان على الصعيد المالي حيث من المُتوقّع أن يُسجّل عجز في الموازنة يفوق الـ 6 مليارات دولار أميركي (مقارنة بـ 4.8 مليارات دولار متوقّعة في موازنة العام 2018) وهو مستوى تاريخي ناتج عن زيادة سلسلة الرتب والرواتب ولكن أيضًا عن قطاع الكهرباء والتوظيف العشوائي وإستحقاقات الدين العام. والأصعب في الأمر أن الواردات قلّت نسبة إلى العام 2017 حيث تُظهر أرقام وزارة المال أن الإيرادات على الأشهر الست الأولى من العام 2018 قلّت بقيمة 500 مليار ل.ل عن إيرادات العام 2017 على نفس الفترة. وهذا إن دلّ على شيء يدل على عشوائية الإيرادات نسبة إلى ما هو في الموازنة.

من جهة أخرى، كان لبنان في العام 2018 على موعد مع العديد من إستحقاقات الدين العام إن من ناحية الفوائد أو من ناحية رأس المال وبالتالي زادت الكلفة بشكل ملحوظ من 4.99 مليارات دولار في العام 2017 إلى أكثر من 5.6 مليارات دولار متوقّعة في العام 2018. هذه الزيادة مُرشّحة إلى الإرتفاع في العام 2019.

أيضًا وماليًا شهد قطاع الكهرباء طلبًا غير مسبوق على الدعم من قبل الدوّلة مع توقعات بوصول هذا الدعم إلى أكثر من 2.2 مليار دولار في نهاية العام 2018.

ولم تقف القصة عند هذا الحدّ مع إرتفاع كتلة الأجور بقيمة 1.87 مليار دولار التي تُشكّل قيمة سلسلة الرتب والرواتب إضافة إلى التوظيفات في العام 2018 والتي من المُتوقّع ظهور نتائجها الكارثية في العام 2019.

ثالثًا – على الصعيد النقدي: على الرغم من الضغوطات التي تعرّضت لها الليرة اللبنانية جراء الحملات الهدامة التي يقف خلفها أكثر من طرف، إستطاع مصرف لبنان الحفاظ على قيمتها الفعلية مقابل الدولار الأميركي. وأظهرت هذه الحملات قدرة مصرف لبنان على السيطرة على الأوضاع النقدية مع إستمرار نمو الودائع المصرفية بنسبة 4 إلى 5% وهي نسبة نمو أقلّ من السنين السابقة. كما وإستطاع القطاع المصرفي الإحتفاظ بقدرته التمويلية للدوّلة اللبنانية وهو أمر أكثر من إيجابي لأنه يُبعد شبح الإفلاس عن الدوّلة اللبنانية.

الوضع الإقتصادي والمالي في العام 2019

لا يُخفى على أحد القول أن العام 2019 سيبدأ بظروف أكثر من سيئة مع إستمرار التعثر بتشكيل الحكومة. فالخلاص للمالية العامّة والإقتصاد لن يكون مُمكنًا إلا من خلال حكومة فعّالة. إلا التنبؤات تميل إلى التشاؤم مع إزدياد حدّة الخطاب السياسي الذي يرافق تشكيل الحكومة وبالتالي، فإن الوضع في العام 2019 سيكون رهينة الوضع السياسي بالدرجة الأولى.

التحديات التي ستواجه الحكومة اللبنانية هي تحدّيات مالية بالدرجة الأولى، إذ أن إستمرار إرتفاع عجز الموازنة سيُشكّل الضربة الأساسية للإقتصاد والمالية العامّة والنقد في نفس الوقت وبالتالي لا يُمكن للحكومة إلا مُعالجة هذا الوضع. فالإستحقاقات المالية للدوّلة اللبنانية على صعيد الدين العام تصل إلى 2.65 مليار دولار نهاهيك عن الحاجة إلى تمويل الأجور (ما يُقارب الـ 6 مليارات دولار) والتي تُعتبر مثل الدين العام من ناحية الأولوية إلا إذا أرادت الطبقة السياسية تحمّل الغضب الشعبي عبر تأجيل العمل بسلسلة الرتب والرواتب وتخفيض أجور المُتقاعدين!

بالطبع الإتجاه الحكومي هو نحو تنفيذ التوصيات الصندوقية عبر رفع الضرائب (وعلى رأسها الضريبة على القيمة المُضافة والضريبة على البنزين) وسحب الدعم الإجتماعي (كهرباء وتخفيض المُساعدات الإجتماعية). إلا أن تظاهرات الأحد الماضي

تُشير إلا أن هذه الإجراءات لن تمرّ عند المواطن وبالتالي فإن الحكومة مُلزمة البحث عن وسائل أخرى لخفض العجز والإلتزام بتعهدها في مؤتمر سيدر 1 بخفض العجز في الموازنة إلى 5% (العجز اليوم هو 10%).

من هنا يُمكن طرح فكرة إعادة فرض رسوم جمركية على البضائع المُستوردة والتي قد تدرّ على الخزينة مداخيل بقيمة 200 مليون دولار شهريًا (أو 2.4 مليار دولار سنويًا) ما يُعتبر بحدّ ذاته إجراء كافٍ لخفض العجز في الموازنة إلى النصف. ولا يُمكن نسيان قطاع الكهرباء الذي يجب مشاركة القطاع الخاصة في إيجاد الحلول له ما يسمح بخفض الدعم إلى النصف (أي مليار دولار) في العام 2019 وحده! وما يُساعد هذا الطرح هو الإتجاه الإنخفاضي لأسعار النفط عالميًا.

إلى جانب ذلك يتوجّب وقف التوظيف في القطاع العامّ والذي تُثبت الأرقام أن كتلة الأجور فيه ترتفع بمعدّل 433 مليون دولار سنويًا. هذا الأمر وحده كفيل بتوفير نصف مليار دولار على خزينة الدوّلة وما يرافقه من إلتزامات مُستقبلية. إلى كل ما سبق ذكره، نعاود التذكير بالتهرّب الضريبي والذي يحرم الخزينة من 4 مليارات دولار سنويًا. وبالتالي فإن أي محاولة لمكافحة هذا التهرّب وتخفيضه ولو بنسبة 10 إلى 20% سنويًا كفيل بدرّ مليار دولار على خزينة الدوّلة. بالطبع لا يُمكن نسيان الأملاك البحرية والنهرية والتي تصل مساحتها إلى 3.75 ملايين متر مربّع والتي بإيجار 100 دولار للمتر قادرة على درّ 400 مليون دولار على خزينة الدوّلة.

بالطبع كل ما ذكر لا يُمكن تحقيقه إلا من خلال حكومة تكون فعّالة وتستطيع فصل الشق الإقتصادي المالي عن السياسية.

رابط الشرق

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.