موديز.. المطلوب حكومة فعّالة لإجراء إصلاحات

0

«المطلوب حكومة فعّالة قادرة على القيام بإصلاحات تطال المالية العامّة في الدرجة الأولى وتحرير أموال مؤتمر «سيدر» في الدرجة الثانية». هذا مُلخّص الرسالة التي وجّهتها وكالة «موديز» من خلال تقريرها عن لبنان، والذي خفّضت فيه تصنيفها للآفق المُستقبلية للبنان من ثابت إلى سلبي. فهل من هامش تحرّك للحكومة المُقبلة على الصعيد الإقتصادي؟

لم تُعدّل وكالة التصنيف الإئتماني تصنيف لبنان الإئتماني وأبقته على مستوى B3 وهي العلامة التي تقع في آخر خانة في فئة السندات ذات «المضاربة العالية والمخاطر الإئتمانية العالية» (Highly Speculative with high credit risk). لكنها قامت بتخفيض رؤيتها للآفاق المُستقبلية للبنان من ثابت إلى سلبي، ما يعني أنّ الإستمرار في الوضع على ما هو عليه، سيدفعها إلى خفض التصنيف الإئتماني في المرحلة المُقبلة (أقلّه) إلى Caa1، وهي سندات ذات جودة رديئة ومخاطر ائتمانية عالية جدًا وذات كلفة عالية جدًا على صعيد خدمة الدين العام، ما يعني تدهوراً إضافياً للمالية العامّة وتراجعاً للاقتصاد ومعه القدرة الشرائية.

240 يوماً مرّت على تكليف الرئيس الحريري تشكيل حكومة ما بعد الإنتخابات، من دون أن يستطيع القيام بذلك. والسبب يعود إلى التباعد الكبير بين مصالح الأحزاب السياسية. 240 يوماً كلّفت لبنان ما يُقارب الملياري دولار أميركي! هذه الكلفة آتية من ثلاثة مصادر: إرتفاع خدمة الدين العام، إرتفاع الإنفاق، وغياب الإجراءات الضرورية لتصحيح الأوضاع المالية والاقتصادية.

تقرير «موديز» حول تصنيف لبنان الإئتماني، يأتي في إطار تقييم دوري للدوّل لتحديث التصنيف الإئتماني لها. وتخفيض الآفاق المُستقبلية لوكالة «موديز» من ثابت إلى سلبي، يعني أنّ المُستثمر (أي الذي يشتري هذه السندات) يعي أنّ مستوى المخاطر إرتفع، وبالتالي فهو مُستعدّ للقبول بمخاطر عالية مُقابل فائدة عالية، عملًا بالنظرية المالية التي تنصّ على طلب عائدات عالية مقابل مخاطر عالية. وبالتالي فإن الدوّلة اللبنانية مُلزمة رفع الفوائد على سندات الخزينة، إذا ما أرادت إقتراض الأموال من الأسواق أو من المصارف.

يُبرّر تقرير «موديز» خفض الآفاق المُستقبلية بعدّة عوامل هي التالية:

1 – زيادة التخبّط السياسي والتأخير في تنحيف المالية العامّة، مما يُقوّض القروض الدولية، وهذا له تأثير على ثقة المُستثمرين.

2 – تراجع نسبة نمو الودائع مقارنة بعجز الموازنة الذي يزيد من مُشكلة السيولة.

3 – إتساع الخلل في ميزان المدفوعات في العام 2018 مما يزيد الضغط على إحتياط مصرف لبنان من العملات الأجنبية المطلوب لتأمين الثبات النقدي.

أمّا بالنسبة الى الحفاظ على علامة التصنيف (B3)، فقد برّرتها «موديز»، بأنّ تشكيل حكومة قادرة على تنحيف ماليتها العامّة، كفيل بتخفيف الضغط المالي في الموازنة كما والطلب الخارجي على السيولة. وأضافت «موديز»، أن السبب الثاني يعود إلى القدرة التي أظهرها مصرف لبنان في المحافظة على الثبات النقدي وتمويل الحكومة على الرغم من الأكلاف العالية.

وتقول الوكالة في تقريرها، إنّ إجراء إصلاحات مُهمّة (الواردة في مؤتمر «سيدر») قد يدفعها إلى إعادة النظر في رؤيتها للآفاق المُستقبلية إلى ثابت. إلا أنّها حذّرت من أنّ التقاعس على القيام بهذه الإصلاحات سيدفعها إلى تخفيض التصنيف الإئتماني وما له من تداعيات سلبية على الصعيد المالي.

انّ المُشكلة الأساسية تبقى في جدّية تلقّي السلطة السياسية لرسالة «موديز»، والتي تنصّ بوضوح على أنّه لا يُمكن الإستمرار في الوضع على ما هو عليه. في الواقع هذا التعديل في النظرة المُستقبلية، كانت لتكون مؤذية أكثر لو أنّ الدوّلة اللبنانية تتموّل بشكل رئيسي من الأسواق المالية، إلا أنّ استدانتها من قبل المصارف اللبنانية وما لهذه الأخيرة من مصلحة في دعم الدوّلة خصوصاً، مع التعرّض الكبير للديون السيادية، يُقلّل من وطأة هذا التعديل. وإذا كانت المصارف اللبنانية ومصرف لبنان على استعداد لتمويل الدوّلة، إلا أنّ قواعد اللعبة أصبحت تحوي شروطاً إضافية سيفرضها القطاع المصرفي وعلى رأسها رفع الفوائد وإجراء إصلاحات.

وهنا يُطرح السؤال عن إمكانية أن تعتمد الحكومة العتيدة منهجية جديدة في التعاطي مع الملفات الإقتصادية والمالية، خصوصاً أنّ للسلطة السياسية تاريخاً في إستخدام هذه الملفات في التعطيل السياسي، حيث شهدنا العديد من مواقف التعطيل التي كان ظاهرها إقتصادياً ولكن باطنها سياسي بامتياز. كما أنّ هناك تخوّفات من أن تكون الحكومة العتيدة حكومة تصفية حسابات بين الأطراف السياسية، بعد ما شهدته مرحلة الإنتخابات النيابية وتشكيل الحكومة من توتر بين الأفرقاء المشاركين في السلطة.

إذاً، نرى أن هناك مخاوف جدية حول فعالية الحكومة، كما طالب بها تقرير «موديز»، وبالتالي يُطرح السؤال، عمّا إذا كان هناك من هامش تمتلكه الحكومة في حال كان هناك تعطيل؟ الجواب بكل بساطة لا.

فحتّى في أحسن الأحوال – أي تشكيل حكومة فعّالة قادرة على إجراء إصلاحات- يرى «غولدمان ساكس» أنّ هناك إنيرثيا (Inertia) في تدهور أرقام المالية العامّة سيمتد إلى عامين، أقلّه قبل أن تبدأ الإصلاحات بإعطاء مفعولها. والأصعب في الأمر، هو توقعات المصرف لعجز الموازنة الذي سيستمر بالتدهور إلى مستوى 14% من الناتج المحلّي الإجمالي في الأعوام الخمسة القادمة. في ظل هذا الوقت يبقى عدّاد الدين العام يُسجّل تقاعس السلطة السياسية عن إجراء الإصلاحات اللازمة.

على هذا الصعيد، نُحذّر السلطة السياسية من أن تعمد إلى فرض ضرائب جديدة على النشاط الإقتصادي، لأن يعني ذلك ضرباً للنمو الإقتصادي في مرحلة حرجة. وبالتالي فهي مدعوة إلى فرض ضرائب على الموارد غير المُستخدمة في الماكينة الإقتصادية، مثل الأملاك البحرية والنهرية، الشقق الشاغرة والحسابات المصرفية النائمة التي تتخطّى مستوى مُعيّناً. كما انّها مدّعوة إلى إعادة فرض رسوم جمركية على إستيراد البضائع والسلع التي لها مثيل في لبنان، وقف التوظيف في القطاع العام لفترة 5 سنوات، ومكافحة التهرّب الضريبي. أمّا في ما يخصّ الكهرباء، فإن الوضع أصبح يُشكّل وصمة عار مع عبء بقيمة 4 مليارات دولار أميركي سنويًا، كافية في حال تمّت معالجة هذا الملف، إلى وقف التدهور المالي للدوّلة اللبنانية.

لا يسعنا القول في الختام، إلّا أنّ استمرار الوضع على ما هو عليه، سيضرب الثبات النقدي الذي سيؤدّي حتمًا إلى ثورة إجتماعية لن ترحم السلطة السياسية. لذا نتطلّع إلى وقفة مسؤولة عبر تشكيل حكومة فعّالة في أسرع وقت كما طالبت وكالة «موديز».

رابط الجمهورية

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.