حاربوا الفساد للنهوض الإجتماعي والإقتصادي

تعريف الفساد في القطاع العام : إستخدام المنصّة العامّة للمصلحة الخاصّة

0

يبقى الصالح العام هو البوصلة الأساسية لكل السياسات التي تضعها السلطات التنفيذية والتشريعية، لكن ​الفساد​ يؤثّر على هذا الصالح العام ويحوّل البوصلة إلى المصالح الخاصة لأصحاب القرار. اليوم ومع تردّي مستوى الخدمات العامّة وزيادة نسبة ​الفقر​ في ​لبنان​، يُطرح السؤال عن دور الفساد في تراجع الإنماء؟

 

أبدع الباحثون في إعطاء تعريف للفساد من وجهة نظر إقتصادية ولكن أيضًا إجتماعية، مالية، بيئية، وحتى سياسية. كلّ هذه التعاريف تصبّ في خانة واحدة ألا وهي أن الفساد لا يُمكن أن يُعطي مفعوله السيء إلا إذا كان موجود في ​القطاع العام​.

تعريف الفساد في القطاع العام الذي اقترحه بردهان (1997): “إستخدام المنصّة العامّة للمصلحة الخاصّة”. الفرضية الأساسية هو أن الموظّف في القطاع العام يستخدمّ وظيفته لتعظيم مداخيله وإرضاءً لمصالحه الخاصّة مُتخطّيًا بذلك قواعد الأخلاق التي يفرضها الصالح العام وموقعه.

الفساد في القطاع العام اللبناني أخذ أبعادًا كبيرة خلال الحرب الأهلية اللبنانية، وتمّ تكريسه بعد إنتهاء الحرب من خلال معادلة “السلم الأهلي فوق كل إعتبار” والذي دفعت وما زالت تدفع ثمنه الخزينة العامّة. هذا التكريس دفع بالفساد إلى الإنتشار عاموديًا (داخل الهيكلية الإدارية) وأفقيًا (ليشمل مُعظم الإدارات) وذلك على إمتداد الدولة الجغرافي.

من المفروض أنه من خلال مبدأ الشفافية المنصوص عليه في معظم الأنظمة الديموقراطية العالمية، أن يتمّ لجم هذه الظاهرة إلا أن ما حصل في لبنان هو إضعاف لمؤسسات الدوّلة لحساب أفراد، غياب التشريعات المؤاتية لمحاربة الفساد، ضعف الجهاز القضائي في مواجهة هذه الظاهرة… مما زاد من حجم الفساد وتداعياته السلبية إقتصاديًا، إجتماعيًا، بيئيًا، وماليًا.

هذا التطوّر السلبي فرض طرح أسئلة جوهرية حول الدور السلبي للفساد على الإنماء خصوصًا أن ​علم​ الإقتصاد ينصّ على أن الموارد المهدورة تُعتبر تخلّفًا إقتصاديًا وإجتماعيًا.

من المهم القول أنه لا يوجد أي قانون في العالم يُشرّع الفساد، إلا أن هناك العديد من الدول التي تتقبّل (ثقافة) الفساد وتُمارسه بالعلن. هذا القبول الثقافي له مصدرين:

أولًا – مبدأ تسريع المُعاملات في ظل تلكؤ الإدارة في إجراء هذه المعاملات حيث يقول البعض أن الكلفة تبقى أقلّ من التأخير ببت المُعاملة.

ثانيًا – مبدأ الإثراء غير المشروع والذي يُشرّع الرشوة بهدف التلاعب بقواعد اللعبة الإقتصادية وتسريع الإثراء الشخصي.

في كلا الحالتين، هناك مبدأ غير أخلاقي يتمّ إتباعه وهو وضع المصالح الشخصية قبل الصالح العام وبالتالي هناك تلاعب في القواعد العامّة المنصوص عليها في الدستور والقوانين المرعية الإجراء. هذا الأمر يطرح فرضية وجود علاقة جوهرية بين التخلّف الفكري في المجتمع وبين تفشّي ظاهرة الفساد من ناحية أنه طالما أن الإنماء غير موجود فإن الباب على الفساد مفتوح على مصراعيه. وبالتالي نصل إلى معضلة أساسية: محاربة الفساد تتمّ عبر الإنماء في حين أن الفساد هو عائق على الإنماء!

إذن إقتراح إعتماد الإنماء لمحاربة الفساد تبقى عمليًا غير مُمكنة بحكم أن بعض أصحاب القرار قد يكونوا مصابين بهذا المرض. وفي ظل نظام سياسي لبناني مبني على مبدأ “الديموقراطية التوافقية”، هناك إستحالة القيام بإنماء بحكم أن القرار بحاجة إلى موافقة الشخص المُصاب بمرض الفساد.

بحسب النظرية الإقتصادية، تداعيات الفساد على الإنماء كارثية، فالفساد يرفع الأسعار حكمًا (التقديرات تُشير إلى 10 إلى 20%) لأنه يتوجّب على أحد دفع الرشوة. وبالتالي نرى أن الإقتصاد الوطني يتحمّل نتائج رفع الأسعار التي تؤدّي إلى خفض القدرة الشرائية ومعها الإستهلاك أي بمعنى أخر النمو الإقتصادي. هذه العمليات عادة مُموّلة بقروض من ​المصارف​ مما يرفع دين الدوّلة (​الدين العام​ والدين الخاص) إلى مستويات غير مقبولة.

على صعيد أخر، يؤدّي الفساد إلى أخذ قرارات غير صائبة (لا تُعظّم الجدوى الإقتصادية) مما يؤثر على تطورّ الخدمات في القطاعين العام والخاص. وما مشاريع “الفيل الأبيض” إلا مثال على تداعيات القرارات الخاطئة الناتجة عن الفساد إذ يكفي النظر إلى المشاريع العامّة التي تُقرّ وتُكلّف ثروة دون أن يكون لها جدوى إقتصادية أو تداعيات إيجابية على الإنماء. أضف إلى ذلك أن تراجع مداخيل الخزينة يمنع الدولة من القيام بأية مشاريع إنمائية.

أمّا مالية الدوّلة فتبقى المُتضرّر الأكبر من الفساد (10 مليار د.أ سنويًا)، إذ أن العجز المُسجّل في الموزانة يتحوّل بقسم كبير إلى دين عام سيدفعه المواطن لاحقًا على شكل ضرائب. من هنا نطّرح السؤال: كيف يُمكن لبعض السياسيين التصريح أنه لا زيادة في الضرائب؟ من سيُسدّد الدين العام؟ هل سيتلقى لبنان هبات أو محو لقسم من دينه العام؟ المعروف في عالم المال أنه لا يوجد محو للديون إلا في حالة يكون فيها الشعب قد وصل إلى مستويات عالية من التقشّف بالتزامن مع عدم قدرة الدوّلة على سدّ ديونها. إلا أنه في لبنان لم يتمّ حتى الساعة وضع أي ميزانية تقشفية، مما يعني أنه لا محو لديون لبنان.

إننا إذ نرى أن الفساد هو عمل شنيع لا أخلاقي يؤثر سلبًا على المواطن من ناحية زيادة نسبة الفقر وتردّي ​الخدمات العامة​، ندعو إلى صحوة ضمير من قبل السلطة السياسية لمكافحة الفساد لأن ذلك هو الطريق الوحيد للوصول إلى الإنماء.

رابط الإقتصاد

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.