عجاقة.. شطب ديون الدولة من الدين العام سيحد من قدرتها على التموّل من المصارف

0

اوجدت السياسات المالية والنقدية التي اتبعت خلال السنوات الماضية ديناميكية لتراكم الدين أقوى من ديناميكية نمو الاقتصاد. كما استنفدت السياسات المذكورة آليات التمويل القائمة.تشكل نسبة الدين إلى الناتج المحلي القائم المعيار الأسلم لقياس عبء الدين العام في أي بلد من البلدان، ذلك أن حجم الدين المطلق لا يعبر عن تأثيره على المالية العامة وعلى الاقتصاد لكون البلدان تختلف أحجام اقتصاداتها اختلافات كبيرة.
والناتج يقيس حجم الاقتصاد، وبالتالي القاعدة التي تستطيع الدولة تحصيل إيراداتها منها. ولما يتم الحديث عن تثبيت الدين، فانما يقصد به ليس تثبيت حجمه بالمطلق بل نسبته من الناتج. وفي المقاييس العالمية يعتبر تخطي هذه النسبة عتبة ١٠٠% توريطا للبلد في إدخاله في دائرة الخطر، خصوصا إذا ترافق مع معدلات فوائد على هذا الدين أعلى من معدلات النمو الاسمية للاقتصاد.
تركّز اقتراض الدولة بالليرة بشكل أساسي لدى القطاع المصرفي والمالي اللبناني ولدى جمهور المقيمين بنسبة تتراوح بين ٩٠ و٩٥% على الرغم من إقدام عدد من المستثمرين غير اللبنانيين على الاكتتاب بسندات الخزينة خصوصاً عام ١٩٩٦، مع ارتفاع الفوائد عليها. ولما بدأت الدولة تتوسع في الإصدارات بالعملات، للحد من الفوائد على الدين العام ولتخفيض طلب الاستدانة بالليرة، راحت نسبة اكتتاب المصارف اللبنانية ترتفع تدريجيا في سندات الخزينة بالعملات حتى بلغت ٨٠% بنهاية ١٩٩٨. وأدى ذلك إلى تغيير بنية مصادر الدين العام بالعملات إذ ارتفعت حصة المصارف اللبنانية فيه من حوالي ١٠% بنهاية ١٩٩٥ إلى اكثر من النصف.
ان عبء هذا الدين العام يرهق المواطن قبل الخزينة، ويبدو انه حجز مكاناً مميزاً في الارث اللبناني حيث ان المؤشرات تلحظ تناقله مع الاجيال بغياب المعالجات السليمة والحكيمة. وان ُطرح الموضوع على بساط البحث لإيجاد الحلول تحت وطأة ضغط هذا الدين على المالية العامة اتت الآراء متباعدة كل البعد عن الواقع دون ان يتم وضع الاصبع على الجرح.

يؤكد حاكم مصرف لبنان رياض سلامة إن القيمة الإسمية للدين، تختلف عن القيمة السوقية مشيراً إلى أن أكثر من ٤٠% من الديون اللبنانية، هي ديون يحتفظ بها مصرف لبنان، وأن نسبة ديون السوق إلى الناتج المحلي الإجمالي أقل من ١٠٠%، بينما يبلغ الدين الإسمي ١٥٢%. ومن جهة أخرى، يطمئن سلامة الى ان البنك المركزي يدعم ديون الحكومة.
وبالامس القريب، سمع الجميع دعوة النائب نواف الموسوي للمصارف الى شطب القروض المستوفاة اضعافا، وخفض اسعار فوائد الاقراض للدولة.
إقتراح الى جانب غيره من اقتراحات أخرى تحمل على طرح عدة علامات استفهام.
لماذا ليس هناك من قرار جدي بشأن نزع مكامن الخلل في هذه الدولة؛ من هدر وفساد وتهرب ضريبي.
لماذا تنبت المواقف بين الحين والآخر مؤيدة تهديد قطاع صلب بقي لوحده صامدا في كل الازمات العاصفة يوظف ويستثمر وهو القطاع المصرفي؟
الكل يدرك الحقيقة، لطالما المصارف تعاونت مع الدولة، وهي تنتظر اليوم إسوة بغيرها من الحكومة المقبلة خطوات اصلاحية تحدّ من الهدر والفساد. كما ان الجميع يدرك ان المصارف ليست جمعيات خيرية لا تبغي الربح. واذا لم تحقق الارباح فهذا يعني تراجعا للسياسات المالية ولثقة المدخر وبالتالي للمجتمع الدولي. فهناك العديد من المتطلبات والمعايير العالمية المكلفة ومن الواجب الالتزام بها.
ما هو رأي الخبراء الاقتصاديين في اقتراح النائب الموسوي لإطفاء الدين العام؟

البروفسور جاسم عجاقة
يعتبر الخبير الاقتصإدي والاستراتيجي البروفسور جاسم عجاقة ان تصريح النائب نواف الموسوي لا ينطبق على الحالة اللبنانية بحكم أن مثل هذا الإجراء يشترط أن تُعلن الدوّلة إفلاسها بحسب قواعد اللعبة المالية في الأسواق الحرّة. وبالتالي، إن تنفيذ هذا الإجراء يعني أن القطاع المصرفي سيتلقّى ضربة قوية من ناحية أن شطب القروض تعني أن المصارف ستدفع من رأسمالها الخاص إذ لا يُمكن لها أن تستخدم أموال المودعين بحكم قدسية الملكية. وبالتالي، فإن حجم الشطب المطلوب سينعكس في أحسن الأحوال إحتمال ضئيل خسارة في رأسمال المصارف وفي أسوأ الأحوال الإحتمال الأكثر واقعية سيكون هناك تداعيات على الثبات المصرفي وحتى على الدوّلة اللبنانية.
ويقول عجاقة للانوار: هذه التداعيات ستتغلغل في الماكينة الإقتصادية، والمنظومة المالية بحسب الآلية التالية: سيتم شطب الديون من رأسمال المصارف وهذا يعني أن حجم القطاع المصرفي سينخفض بنفس القيمة. وبالتالي، فإن قدرة المصارف على التسليف ستنخفض حكماً عملا بمعايير بازل التي تفرض أن كل 100 د.أ مُسلّفة يجب أن يكون مقابلها 8 د.أ من رأسمال المصرف مُجمّدة في مصرف لبنان Cooke Ratio. هذا الأمر يعني أن القطاع المصرفي سيُصبح مُلزماً تطبيق سياسة إنكماش في القروض خصوصاً للقطاع الخاص ولكن أيضاً للدوّلة اللبنانية مما يؤدّي حكماً إلى تراجع النمو الإقتصادي الذي أساسه الإستثمار والإستهلاك وسيضع الدوّلة في وضع صعب من ناحية قدرتها على التموّل من القطاع المصرفي. وبما أن الدوّلة ستذهب إلى الأسواق العالمية، ستجدّ صعوبة كبيرة في الإستدانة بحكم التخبّط السياسي الهائل الذي ينعكس بشكل تلقائي على أسعار السندات.
بإعتقادنا أن الدوّلة ليست بحاجة إلى شطب ديون من دينها العام بقدر ما هي بحاجة إلى محاربة الفساد الذي يُمكن أن يؤمّن لها مداخيل بأقلّه 5 مليار د.أ سنوياً محرومة منها بسبب التهرّب الضريبي بالدرجة الأولى.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.