غياب الحكومة سيُؤدّي حتماً الى الإنهيار المالـي… والخلاص بتـنـفيذ مؤتمر سيدر

0

هذا هو واقع الإقتصاد اللبناني اليوم، إرباك بسبب عدم تشكيل الحكومة مما يُرتبّ خسائر مادية بالدرجة الأولى، وتشويه سمعة بسبب حملات إفترائية على النظام المصرفي اللبناني من دول إقليمية بأيدي لبنانية. إلا أن الخطر الأكيد آت من المالية العامّة التي تُسجّل عجزًا مفرطًا سيؤدّي حتمًا إلى الإفلاس بغياب الحكومة وبعدم الإفراج عن مؤتمر سيدر 1.

مؤشرات الإقتصاد اللبناني تدلّ على نمو بنسبة 1.5 إلى 2% هذا العام وبالتالي بحسب معايير علم الإقتصاد، الإقتصاد اللبناني ينمّو. لكن الدخول في تفاصيل المؤشرات الإقتصادية الأخرى يُظهر أن نسبة النمو هذه غير كافية لإمتصاص العجز في الموازنة ولا لسدّ خدمة الدين العام.
هناك ثلاثة بيئات في الإقتصاد: أولًا البيئة الإقتصادية البحتة وتضمّ عامودي النشاط الإقتصادي (الإستثمارات والإستهلاك) وكل ما يدور في فلكها؛ ثانيًا البيئة المالية وتضم مالية الدوّلة وما تحويه من إيرادات، إنفاق عام، ضرائب، تصنيف إئتماني…؛ ثالثًا البيئة النقدية وتضم الليرة اللبنانية، السياسة النقدية، أسعار الفائدة والقطاع المصرفي. هذه البيئات تتفاعل ديناميًا فيما بينها وتتأثر بعوامل خارجية أهمّها العامل السياسي  الذي فرضه إتفاق الطائف عبر وضع القرار الإقتصادي بيد السلطة السياسية مُجتمعة. هذا العامل السياسي  يؤثّر بالدرجة الأولى على البيئة المالية للدوّلة اللبنانية التي بدوّرها تؤثّر على البيئة الإقتصادية والبيئة النقدية.
البيئة الإقتصادية في حال شبه ركود
وإذا ما أردنا توصيف الواقع اللبناني، نرى أن البيئة الإقتصادية اللبنانية هي في حال تآكل مُستمرّ منذ العام 2011 مع تراجع الإستثمارات التي تُعتبرّ الوقود للماكينة الإقتصادية. وما نراه اليوم من نموّ هو نتاج سياسة الدعمّ التي قام بها رياض سلامة تجاه القطاعات الإنتاجية في السنوات الماضية ونتاج تحاويل المُغتربين بالدرجة الأولى. هذا الأمر مُثبّت بحكم أن كل مليار دولار أميركي يُستثّمر في الإقتصاد اللبناني يؤدّي إلى نمو 1% في الناتج المحلّي الإجمالي. ويُمكن تشبيه الماكينة الإقتصادية بالسيارة التي لا يُمكن أن تسير من دون وقود.
يجب معرفة أن البيئة الإقتصادية تتمتّع بميّزة إسمها الإينرثيا (momentum)  والتي تسمح لها بالإستمرار  فترة من الزمن على الرغم من توقّف الإستثمارات. هذا الأمر يعني أن الإقتصاد اللبناني لن يدّخل في مرحلة الإنكماش في الوقت الحالي نظرًا إلى عوامل ضمنية. إلا أننا لا يُمكن أن نعتمد على هذه الإينرثيا إلى فترة طويلة من الوقت.
النظر إلى الواقع الحالي للقطاعات الإنتاجية يُشير إلى أن بعض القطاعات تنمو وبعضها الأخر يتراجع. أيضًا يُمكن ملاحظة أن بعض القطاعات تتراجع على جبهة وتتقدّم على جبهة أخرى على مثال القطاع الصناعي الذي تراجعت صادراته من 4.3 مليار د.أ في العام 2012 إلى 2.64 مليار د.أ في العام 2017، حيث أن إقفال معبر نصيب والحوادث الأمنية التي رافقت الأزمة السورية لعب دورًا سلبيًا. الجدير ذكره أنه قبل الإقفال، كان هناك 250 شاحنة تعبر يوميًا تنقل متنوجات صناعية (22% من إجمالي الصادرات الصناعية) والمنتوجات الزراعية، وأن الإقفال فرض تصدير البضائع عن طريق البحر مع زيادة في الكلفة تمّ تقاسمها بين الدوّلة (16.6 مليار د.أ) والشركات.
لكن الصادرات الصناعية تُشكّل 19% فقط من إنتاج القطاع الصناعي (13.8 مليار د.أ) مما يعني أن 81% من هذا الإنتاج يُستهّلك داخليًا. وتُشير أرقام وزارة الصناعة إلى أن عدد الرخص الصناعية في العام 2017 بلغت 652 رخصة منها 219 للقطاع الغذائي ليتمّ إثبات نظرية اليويو في الإقتصاد والتي تنصّ على أن الشركات تختفي وتظهر بحسب الطلب في السوق. كل هذا للقولّ أنه في أسوء الأحوال لا يُمكن أن يكون تراجع القطاع الصناعي أكثر من 12% نسبة للعام 2012.
على صعيد القطاع الزراعي، هناك حال من شبه الركود في هذا القطاع مع تراجع الصادرات بسبب معبر نصيب (550 ألف طنّ قبل إقفال المعبر، و350 ألف طن عبر البحر بعد الإقفال). هذا الأمر  إضافة إلى منافسة إقليمية لبعض البضائع في السوق الداخلي، قد يكون سبب لخسارة بقيمة 100 مليون دولار سنويًا. إلا أن معرفة أن مُساهمة هذا القطاع في الناتج المحلّي الإجمالي وفي نموّه ضئيلة ومعرفة أن اليد العاملة الأساسية فيه هي أجنبية، كفيل بالقول أن الأضرار تبقى محدودة على الصعيد العام.
القطاع السياحي والذي يُشكّل 20 إلى 25% من الناتج المحلّي الإجمالي ومن اليد العاملة اللبنانية، ما زال يُقاوم التخبّط السياسي والتبعيات الأمنية للإرهاب. ويبقى غياب سياسة حكومية لتدعيم هذا القطاع العنصر الأساسي في ركوده على الرغم من الأعداد الهائلة من السواح الذين هم بمعظمهم من اللبنانيين المُغتربين والذين لا يُنفقون مثل السواح الخليجيين. هؤلاء وعلى الرغم من الوعود العديدة، ما زالوا يُقاطعون لبنان لصالح دول أخرى مثل سلطنة عمان. وبالتالي هناك العديد من المؤسسات السياحية التي أقفلت أبوابها نتيجة التراجع مع صرف لعمّال قسم كبير منهم من العمالة الأجنبية.
القطاع المصرفي (كشركات) على عكس القطاعات الأخرى ما زال ينمو  ويُحقّق أرباح بالمليارات (2017) على الرغم من الإطار السياسي والإقتصادي العام. هذا الأمر آت من مبدأ أن الطلب على الخدمات المصرفية يزيد كذلك عمولات المصارف. أمّا قطاع التأمين فإنه يراوح مكانه مع 1.6 مليار دولار أقساط تأمين و160 مليار دولار أميركي أرباح.
القطاع العقاري اللبناني وعلى الرغم من كل الإشاعات ليس على أبواب الإنهيار، فهذا القطاع الذي عانى  من تراجع في عدد العمليات من 70 ألف عملية عقارية في العام 2015 إلى 53 ألف في العام 2017، لن يخسر أكثر من 5000 عملية في العام 2018 نتيجة أزمة القروض السكنية مما يعني أن هناك تراجع إضافي بنسبة 9%  إلى 48 ألف عملية مُتوقّعة في العام 2018 مما سيُضفي بعض المرونة على الأسعار.
القطاع التجاري ما زال يُسجّل نموًا أكيدًا على الرغم من الأوضاع الإقتصادية حتى ولو أن مزاج المُستهلك تحوّل وأصبح يهتم بسلع وبضائع من فئات أخرى. هذا الأمر أدّى إلى أضرار على بعض المؤسسات والإستفادة لبعضها الأخر. وبحسب تقديراتنا، هناك تراجع في مبيعات بعض المؤسسات إلى حدود الـ 40% في حين أن البعض الأخر يُحقق نمو بنسبة 10 إلى 20% في العام 2018.
أما القطاع التكنولوجي، فنرى أنه أكثر القطاعات إستفادة مع أكثر من 1000 شركة وعشرات الأولوف من الموظفين من نسب نمو لا تقلّ عن الـ 10 إلى 15% في الأعوام الماضية.

البيئة المالية إلى إنهيار حتمي في ظل غياب الحكومة
البيئة المالية على عكس البيئة الإقتصادية تتجه إلى الهاوية يومًا بعد يوم والسبب يعود إلى الإنفاق المُفرط للدوّلة اللبنانية. فالعجز المنصوص عليه في موازنة العام 2018 هو 4.8 مليار دولار أميركي، في حين أن المُحقّق في الأشهر الأربعة الأولى من العام 2018 هو 1.93 مليار د.أ أي أنه على هذا الموال سيكون العجز في نهاية العام الحالي 5.77 مليار د.أ ! أضف إلى ذلك أن الدين العام في إرتفاع مُستمر بمُعدّل عام 3.1 مليار د.أ سنويًا حتى فاق الـ 83 مليار د.أ حاليًا مع إرتفاع في خدمة الدين العام.
الإنتظام المالي للدوّلة ينص على أن فائض الميزان الأولي يجب أن يكون أعلى من خدمة الدين العام. هذا الواقع غير مطابق في لبنان بسبب إرتفاع الفجوة بين سعر الفائدة الحقيقي ونسبة النمو الإقتصادي (من هنا قولنا أن نسبة نمو 1.5% غير كافية لتغطية خدمة الدين العام) ولكن أيضًا بسبب السياسات الحكومية للسنين السابقة من ناحية الإستدانة. وبالنظر إلى أرقام وزارة المال، نرى أن الميزان الأولي أقلّ بكثير من خدمة الدين العام ويُسجّل أحيانًا عجزًا كما هو الحال في الأشهر الأربعة الأولى من العام 2018 مع عجز 550 مليون د.أ مقارنة بخدمة دين عام تفوق الـ 5 مليارات د.أ. وبالتالي فإن لبنان يُموّل الفارق من خلال الإستدانة أي يزيد من دينه العام ومعه خدمة الدين !
إنفاق الدوّلة اللبنانية مُفرط وسبب ثلاثة بنود في الموازنة بالتحديد: بند الأجور والتعويضات، خدمة الدين العام ودعم مؤسسة كهرباء لبنان. هذه البنود وحدها تفوق الـ 80% من الموازنة وبالتالي هناك إستحالة للدوّلة اللبنانية من القيام بإنفاق إستثماري. التوظيف العشوائي المُستمر في وزارات الدولة ومؤسساتها هو السبب الرئيس الذي فجّر كتلة الأجور التي إرتفعت من نصف مليار د.أ في العام 1992 إلى 5.7 مليار د.أ في العام 2018، هذا الأمر هو كارثي على الدوّلة التي لا تكفي إيراداتها لتغطية إنفاقها. أيضًا هناك بند دعم مؤسسة كهرباء لبنان والذي بحسب فخامة رئيس الجمهورية كلّف الدولة 36 مليار د.أ والذي من المُتوقّع أن يتفاقم أكثر في العام 2018 مع إرتفاع أسعار النفط.
وإذا كانت وكالات التصنيف الإئتماني قد أعطت نظرة مُستقبلية مُستقرّة للبنان، إلا أن هذا الأمر لن يطول مع دخول الدين العام مرحلة الصعود الإسي (Exponential) والتي تعني أننا مُتجهون إلى الإفلاس.
البيئة النقدية صمّام أمان ولكن…
سياسة مصرف لبنان وحاكمه رياض سلامة أثبتت فعّاليتها على الرغم من كل الأبواق المأجورة. فكل الأحداث السياسية والأمنية التي عصفت بلبنان لم تستطع أن تؤثر على سعر صرف الليرة مما حمى الإقتصاد والمواطن اللبناني من الإذلال والفقر وضمن للإقتصاد وسيلة تمويل عبر إنفتاح القطاع المصرفي على العالم وإندماجه في المنظومة المصرفية العالمية. وفي الواقع أنه لا يُمكن زعزعة الليرة اللبنانية لا من قريب ولا من بعيد ولا بإحداث أمنية ولا سياسية. إلا أن إعلان إفلاس الدوّلة اللبنانية بسبب تزايد دينها العام، سيضع حدّ لهذا الأمر مع الإرتباط العضوي بين الليرة اللبنانية والوضع المالي للدوّلة اللبنانية.
شكّلوا الحكومة وإلاّ…
إن الخروج من أزمة المالية العامّة لا يُمكن إلا من خلال زيادة الإيرادات ولجم الإنفاق. الإيرادات لا يُمكن زياداتها حتى ولو تمّ رفع الضرائب بحكم أن هذه الأخيرة هي على النشاط الإقتصادي وبما أن النشاط الإقتصادي في حال ركود بسبب غياب الإستثمارات، لذا من المُستحيل رفع الإيرادات.
لجم الإنفاق يجب أن يمرّ عبر لجم الفساد والهدر الذي يعصف بالمؤسسات ويحرم الخزينة العامّة من 10 مليارات دولارات سنويًا (وحده التهرّب الضريبي يُشكّل 7.2% من الناتج المحلّي الإجمالي). إلا أن مكافحة الفساد بحاجة إلى قرار سياسي لا يُمكن أخذه في ظل غياب الحكومة.
مؤتمر سيدر 1 هو خشبة خلاص لهذه المشاكل مع شِقَيّه الإستثمارات والإصلاحات وبالتحديد هناك أكثر من 11 مليار د.أ أميركي بإنتظار أن تُفرج عنها الدوّلة اللبنانية بإجرائها بعض الإصلاحات المفروضة في إطار هذا المؤتمر. ولكن من سيُفرج عنها،  الحكومة؟  الحكومة غائبة بسبب الخلافات السياسية والإرتباطات الخارجية.
إن عدم تشكيل الحكومة سيضع الدوّلة اللبنانية أمام إستحقاق جدّي بدءًا من مطلع العام المُقبل. هذا الإستحقاق هو إستحقاق الدين العام الذي أصبح في الخمسين متر النهائية قبل الوصول إلى الإفلاس. فرأفة بالشعب شكّلوا الحكومة قبل فوات الأوان.

رابط الديار

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.