كهرباء لبنان تسير بما تشتهيه البواخر

0

في حين تتسابق الدول المتقدمة على ابتكار تقنيات استخدام الموارد المتجددة لإنتاج الطاقة، بأقل كلفة وآثار بيئية، لا يزال اللبنانيون يرزحون تحت العتمة، مجبرين على الاقتناع أنهم إذا نعِموا بـ14 ساعة كهرباء وجب عليهم تقديم الشكر، وفي حال تنبّه أحدهم وسولت له نفسه التصريح عن الخلل في هذا القطاع، وجب عليه سحبه منعًا لأي تضليل لمسار “البواخر”، في ظل الترويج والتسويق القائمين.مصر أيضًا عانت لعقود من الحال السيئة في التغذية الكهربائية، لكنها افتتحت منذ شهرين ثلاث محطات لتوليد الكهرباء، بقدرة انتاجية بلغت 14.400 ميغاوات وبكلفة 8.16 مليار دولار، في فترة لا تتجاوز الـ27 شهرًا، لينعم 45 مليون مصري بكهرباء دائمة.

لم تنته مصر من محنتها عبر استجرار الطاقة من دولٍ شقيقة ولا عبر بواخرٍ راسية على ميناء الإسكندرية، انما لجأت الى خيار شركات الطاقة العالمية، عبر تلزيم شركة “سيمنز” الألمانية انشاء محطات توليد طاقة، بكلفة 570.000 دولار للميغاوات الواحد. وتستعد الشركة اليوم للتوجه نحو إنارة العراق الذي عاش حربًا مدمرة.

ولبنان ليس بمنأى عن اهتمام شركة “سمينز” بإنتاج الطاقة، إذ قبل افتتاح المحطات المصرية بأسابيع، قدم الرئيس التنفيذي للشركة جو كايزر الى لبنان، مرافقًا المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، والتقى وزير الطاقة سيزار أبي خليل مبديًا رغبة واضحة للاستثمار في قطاع الكهرباء، وعارضًا تأمينها بكلفة أولية لا تتجاوز 600 ألف يورو لكل ميغاوات. الا أن ابي خليل، وفقًا لمعلومات صحفية، أخبر رئيس الشركة بوجود عقبات محلية تقف عائقًا امام قدرات شركة “سيمنز” على حلّها، شارحًا “الخطة اللبنانية الناجحة”، والتي أدت الى عجز كهربائي يبلغ 1770 ميغاوات.

ربما لا يعلم اللبنانيون اهتمام الشركات العالمية بالاستثمار في القطاع الكهربائي في بلدهم، وباتوا شبه مقتنعين أنه لن تتوفر لهم الكهرباء 24 /24 إلا في الإعلانات المصوّرة، لكن العكس صحيح، إلا أن الخبير الاقتصادي جاسم عجاقة يشير الى أن قرار تلزيم “سيمنز” او غيرها ببناء محطات توليد الطاقة منوط بمجلس الوزراء. ويدعو الى استدراج العروض ووضعها على طاولة مجلس الأعمال عبر جدول مجلس الاعمال او خارجه.

يكشف عجاقة، في حديث الى موقع “القوات اللبنانية”، عن أن الملف سياسي لا تقني، وربطه الدائم بالحصص السياسية والمقايضة عليه يسحب أي تداول لأي حل تقني، “فكل ملف خلافي يوضع على جنب يعني وضح المصلحة العامة على جنب”.

يعتبر عجاقة أن أي حلّ جديد للكهرباء اليوم سيكون أفضل من الموجود، لأنه سيؤدي الى ساعات تغذية أكثر وخفض للفاتورة الكهربائية ما يريح المواطن. والحل الأفضل يكمن في بناء محطات تعمل على الغاز والطاقة المتجددة بنسبة 10 الى 15%، بكلفة 600.000$ للميغاوات الواحد، علمًا ان التكلفة العالمية هي مليون دولار للميغاوات.

وفي عملية حسابية لتكلفة الطاقة المُنتجة حاليًا، تؤمن معامل الكهرباء ما بين 1200 و1600 ميغاوات كحد أقصى، بالإضافة الى المولدات المنتجة لما يقارب 1500 ميغاوات، بمجموع 3000 ميغاوات كحد أقصى، تكون كلفة انتاج هذه الطاقة عبر معامل جديدة ما يقارب 1.8 مليار دولار كحد أقصى.

وفي هذا الإطار، يجب الاخذ بعين الاعتبار النمو السكاني، والطلب الزائد خلال فصلي الشتاء والصيف، مما يعني الحاجة الى 4000 ميغاوات كهرباء بكلفة 2.4 مليار ليكون لبنان في الجانب الآمن.

ويحذر الخبير الاقتصادي ذاته من ارتفاع اسعار النفط ما يرتب خسائر على شركة كهرباء لبنان والتي ستتخطى 2 مليار دولار، مما يخلق فاتورة إضافية من الدين العام على شكل ضرائب، إضافة الى الفاتورتين اللتين يدفعهما المواطن اللبناني لشركة كهرباء لبنان والمولدات.

وفي ظل الحديث عن استخراج الطاقة من النفايات، يستبعد عجاقة الاستفادة منها، فعلى الرغم من وجود كمية نفايات هائلة، يحوي مطمر الناعمة على 15.000 طنًا من النفايات تقريبًا وحده، الا انه وجب الاستفادة منها منذ اليوم الاول، إذ لم تعد هذه النفايات اليوم تحتوي على اي طاقة حرارية، معطيًا بذلك الأولية لإقامة اتفاقية شراكة مع شركات عالمية لبناء منظومة طاقة قادرة على دعم عملية التنمية في مجال توليد الطاقة الكهربائية وفقًا لأعلى مستويات الكفاءة العالمية.

من جهته، يشيد الخبير في الصناعة النفطية ربيع ياغي بالتجربة المصرية الناجحة مع شركة “سيمنز”، لافتًا الى أن دولًا أخرى مثل ليبيا والعراق والسودان على خطى مصر عبر تأمين أدنى مقومات الحياة لمواطنيها من خلال حلول مستدامة، ليس كحل البواخر الآني المطبق في لبنان.

ويؤكد ياغي، في حديث الى موقعنا، أن تلك الدول وبعد معاناة لا تقل شأنًا عن التجربة اللبنانية، وجدت الحل عبر اشراك القطاع الخاص المحلي او الاجنبي وتكليفه بمهمة الانتاج المضمون والمستدام من خلال يد عاملة متخصصة، وابقاء مهمة الجباية والتوزيع على عاتق الدولة.

بالإضافة الى الكلفة المتدنية لمعامل الغاز التي أصبح استخدامها من ضمن التوصيات الدولية بسبب الاثر البيئي الاقل ضررًا من استخدام الفيول، وبذلك يستطيع اللبنانيون الاستغناء عن الدواخين التي غمرت روائحها مدنهم لعقود.

انعدام ارادة الدولة اللبنانية في ايجاد الحلول يقابله عدم وجود القدرة، إذ فشلت في انتاج الطاقة المطلوبة لغاية اليوم، لذلك يجب اللجوء الى القطاع الخاص لتمويلها، فمن غير المقبول أن تؤمن شركة كهرباء لبنان 14 ساعة كهرباء فقط من أصل 24 ساعة، حتى بوجود البواخر، على حد قول الخبير.

ويلفت ياغي الى أن “معامل الزوق والجية، على الرغم من الاموال المهدورة على تجديدها، أدت قسطها. أما معامل دير عمار والزهراني لا تزال صالحة، اذ ينتج كل منها 450 ميغاوات، في حين ينتج كل من معمل صور وبعلبك 150 ميغاوات. وعليه يمكن المحافظة عليها، من خلال صيانة دورية، كاحتياط في حال حصول اي عطل للمحطات المقرر انشاءها. إضافةً الى خفض التكلفة والأثر البيئي، يمكن استخدام الجزء المشغل على الطاقة المتجددة في المحطات الجديدة في انارة الطرقات ما يساعد في تأمين السلامة المرورية”.

مشروع محطات توليد طاقة جديدة ليس حلمًا. وفي عملية حسابية بسيطة، إذا استثمرت الدولة اللبنانية الأموال التي دفعتها على الحلول البديلة، ما قيمتها 2.3 مليار دولار، مقابل كلفة الميغاوات المعروضة، لنعم اللبنانيون اليوم بـ4000 ميغاوات كهرباء نظيفة ودائمة.

وفي حال الخروج من التمنيات والانتقال الى الوقائع والحلول العملية، يمكن البدء بإنشاء محطات تنتج 2500 ميغاوات اضافةً الى الـ1500 الموجودة، بقيمة مليار ونص دولار، وبذلك تكون الدولة اللبنانية أمّنت طاقة مستدامة لمواطنيها، أقله للسنوات العشرة المقبلة، الا أن المصلحة العامة تسير بما لا تشتهي “البواخر”.

رابط القوات اللبنانية

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.