تركيا مهدّدة بالإفلاس۔۔ وما هو الدور العربي؟

0

منذ مطلع العام 2018، بدأت الليرة التركية بالتراجع حتى وصلت الى الانهيار شبه الكامل في بعض الاحيان وخسرت أكثر من 43% من قيمتها. ودخول الرئيس رجب طيب اردوغان على الساحة السورية والدولية وخلافاته مع الدول الكبرى، ساهم بشكل كبير في انهيار الوضع الاقتصادي التركي، والذي ساهم ايضا في الانهيار هو ضعف الاحتياط من العملات الاجنبية ومديونية الشركات العالمية بالدولار الاميركي التي تهدد تركيا بالافلاس ودخولها في نفق مظلم.

الديار \ جويل عرموني

وللغوص أكثر في تفاصيل الاقتصاد التركي والسياسة الاقتصادية التي اتبعها الرئيس رجب طيب أردوغان وخاصة بعد محاولة الانقلاب الفاشلة وما كان تأثيرها على الداخل التركي من خلال إغلاق بعض المؤسسات الاقتصادية والاكاديمية والاعتقالات التي قام بها النظام التركي۔ لذا كان لا بد لنا من إجراء هذا الحوار مع الخبير الاقتصادي والإستراتيجي، البروفسور جاسم عجّاقة، الذي ألقى الضوء على أسباب انهيار الوضع الاقتصادي والليرة التركية والمخاطر التي تعيشها تركيا إذا لم تجد حلا سريعا۔

أشار الخبير عجاقة لموقع ” الديار ” الى أن سياسة النمو التي اتبعتها تركيا منذ أوائل ثمانينات القرن الفائت ضمنت لنفسها نسبة نمو مقبولة. ولكن هذه النسبة كانت مُتقلبة بسبب الأحداث السياسية والإقتصادية التي واجهتها كحرب العصابات في 1984، الأزمة المالية في 1994، والأزمة المالية والإقتصادية في أواخر تسعينات القرن الماضي. وقامت الحكومة في العام 2001 بوضع خطة إصلاحية تضمنت أربع نقاط: إستقلالية البنك المركزي التركي، إعادة رسملة عدد من البنوك العامة والخاصة، إقفال المصارف التي في وضع الإفلاس، وإعادة هيكلة عدد من المؤسسات العامة والخاصة.

وأدّى الوضع الإقتصادي السيء الذي عاشته تركيا في أواخر التسعينات إلى وصول النظام الإسلامي الحالي (أكابي) إلى سدّة الحكم في العام 2002. وأكمل نظام أردوغان خطة حكومة النظام السابق مما سمح بإستمرارية تنفيذ الإستثمارات مستفيدة بذلك من الأوضاع الإقليمية التي ساعدتها على تقوية الإقتصاد كالعقوبات الإقتصادية على إيران التي لم تحترمها تركيا وإعادة إعمار العراق والطلب الإماراتي على البضائع التركية. كما وكان لموقف تركيا من الحصار المفروض على غزة أثر إيجابي كبير على الإقتصاد التركي.

تركيا تحتل المركز السابع عشر عالميا

وعلى الرغم من محدودية هذه الإصلاحات التي قام بها النظام السابق، أكّد عجاقة أنّها أسست البنية لوضع مالي وإقتصادي جيد وساعدها في ذلك عاملان: ضخامة الإستهلاك الداخلي (80 مليون تركي) وإستثمارات أجنبية مباشرة هائلة بلغت حدود الـ 20% من الناتج المحلي الإجمالي. وهذا الأمر أدّى إلى وصول الناتج المحلّي الإجمالي التركي إلى 850 مليار دولار أميركي في العام 2018 مما جعلها تحتلّ المركز السابع عشر عالميًا في لائحة الدول من ناحية حجم الإقتصاد.

هذا وتتوزع هيكلية الناتج المحلّي الإجمالي على الزراعة (8.6%)، الصناعة (27.1%) والخدمات (64.3%)، مستفيدًا بشكل كبير من تدني كلفة الأيدي العاملة. وتُصدّر تركيا بقيمة 157 مليار د.أ وتستورد بقيمة 234 مليار د.أ مما يتركّ عجزًا في الميزان التجاري السنوي بقيمة 77 مليار د.أ، مما يؤثرّ سلبًا على ميزان المدفوعات الذي يُسجّل عجزًا مُزمنًا (57 مليار د.أ على كامل السنة)، كانت تركيا تُعوّضه إلى حدٍ مُعين بجذب إستثمارات أجنبية مُباشرة، وبالتالي يُمكن القول أن أعمدة الإقتصاد التركي أصبحت تتمحوّر حول السياحة (26 مليار د.أ) والإستثمارات الأجنبية المباشرة (18 مليار د.أ) والصناعة والزراعة (200 مليار د.أ)…

كيف أثّرت السياسة الداخلية والخارجية على الوضع الاقتصادي؟

عن السياسة الداخلية والخارجية لتركيا، شدّد عجاقة قائلاً: “إنها أثرّت كثيرًا على الوضع الإقتصادي والمالي والنقدي في تركيا، فأردوغان الذي كان يسعى إلى زعامة العالم الإسلامي العربي، دفع النظام إلى أخذ عدة مواقف من القضية السورية – الفلسطينية، حيث لاقت ترحيباً في الداخل التركي كما وفي دول المنطقة. إلا أن بعض المواقف الخارجية وعلى رأسها تقارب تركيا، (وهي عضو في الناتو)، من روسيا وخصوصًا صفقة صواريخ الـ س 400 ودعمها لقطر في مواجهتها الدول الخليجية، أدّت إلى توتّر في العلاقات التركية – الأميركية من جهة، والعلاقات التركية – الخليجية من جهة أخرى.

وأضاف الخبير الاقتصادي، إن سياسة أردوغان الداخلية خصوصًا بعد محاولة الإنقلاب الفاشلة والإعتقالات الكبيرة التي قام بها أدّت إلى تأزم العلاقات التركية – الأوروبية عامّة. هذه الخطوات فسّرها العالم الغربي وخصوصاً ألمانيا، كتحول النظام الحالي إلى “سُلطوي” مبرراً ذلك بالقمع الذي طال التظاهرات الأخيرة التي حصلت في البلاد.

أما من ناحية الوضع الإقتصادي الحالي الذي تعيشه تركيا، فقد جاء على خلفية قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب بمقايضة تركيا على اعتقال القس الأميركي في الظاهر ولكن السبب الحقيقي هو التقارب مع روسيا، والتي كانت أولى قرارات ترامب، زيادة التعرفة الجمركية على صادرات تركيا إلى الولايات المتحدة الأميركية، وهي الحديد والألومنيوم. وهذا الأمر يعني أن صادرات تركيا إلى الولايات المُتحدة الأميركية ستنخفض بشكل جذري حوالى (300 مليون دولار أميركي سنويًا)، ومعها ستحد من دخول العملات الصعبة الى تركيا. وتزامن هذا الأمر مع قرار أردوغان بفرض قيود على السياسة النقدية للمصرف المركزي التركي، مما فسرته الأسواق المالية على أن أمرا خطيرا دفع برؤوس الأموال إلى الهجرة بكثّرة من تركيا.

خفض الدول العربية لاستيرادها من تركيا

من ناحية أخرى، قامت الدول العربية بخفض إستيرادها من تركيا بنسب كبيرة ولعل أهمّها الإمارات العربية المتحدة التي خفّضت إستيرادها بنسبة 77% من أيار 2017 حتى حزيران 2018! كما أن التأثير الخليجي على بعض الدول العربية مثل المغرب واضح، حيث خفّضت هذه الأخيرة إستيرادها من تركيا بنسبة 40% خلال فترة أربعة أشهر. أيضًا الولايات المُتحدة الأميركية خفّضت من إستيرادها من تركيا بنسبة 31% مقارنة مع أعلى مستوى من الاستيراد في أيار 2017.

ومن المعلوم أنه في ظل نظام العولمة، أصبحت المواقف السياسية للبلدان تؤثّر على الإقتصاد الوطني الذي فقد استقلاليته، وبالتالي أصبحت المؤشّرات الإقتصادية تتراجع مع ثبات أردوغان على مواقفه مثل التضخمّ الذي فاق الـ 12% في الـ 2017 مقابل النمو 2.8%.

في ظل الاستحقاقات الداهمة على تركيا، فإن تدهور الوضع الاقتصادي فيها، ذاهب حتمًا إلى تدهور كبير، ذلك مع إستحقاقات مالية تبلغ 210 مليار د.أ، على تركيا تأمينها في العشرة أشهر المقبلة. وهذه المُهمّة شبه مُستحيلة في ظل العقوبات الأميركية. فالأسواق المالية العالمية والمصارف الأوروبية لن تقبل أن تُقرض تركيا في حال استمرار العقوبات الأميركية عليها. وتركيا التي تمتلك إحتياط من العملات الأجنبية والذهب بقيمة 131 مليار د.أ (14.5% من الناتج المحلّي الإجمالي)، لا يمكنها الدفاع عن الليرة التركية في ظل ذوبان الإحتياط مثل الشمع.

ما هي الخيارات أمام تركيا؟

بعد كل ما ورد، نجد أنه ليس أمام تركيا الكثير من الخيارات، لان الوضع الاقتصادي الذي باتت تعانيه اصبح ضاغطا على الداخل وعلى الوضع المعيشي في تركيا۔

لذا امامها خيارين وهما:
الأول – الخضوع للشروط الأميركية لتفادي الإفلاس المالي الذي سيكون كارثيا.

الثاني – الإستمرار على المواقف الحالية وهذا الأمر سيؤدّي حتمًا إلى إفلاس تركيا ودخولها في نفق مُظلم لن تستطيع الدول الحليفة لها مثل قطر، روسيا وإيران من إنقاذها مما هي فيه.

وكان الخبير الاقتصادي جاسم عجاقة قد اختتم حديثه قائلا: “إن الازمة الحالية الاقتصادية التركية باتت ظاهرة الى العلن ولم يعد بالامكان اخفاءها وذلك لان لعبة جديدة فرضتها القواعد الاميركية على الاقتصاد التركي وذلك بواسطة قدرتها الإقتصادية الكبيرة والمؤثرة عالميا.

مصدر رابط الديار

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.