ميّز بين ثلاث بيئات وعوّل على إيجابية زيارة وفد البنك الدولي، الخبير الاقتصادي اللبناني جاسم عجاقة: لا إفلاس مالياً ونقدياً في لبنان

0

ناديا الياس

بيروت ـ «القدس العربي»: أكدّ الخبير الاقتصادي والاستراتيجي اللبناني البروفيسور جاسم عجاقة «أن زيارة وفد البنك الدوّلي للبنان إيجابية جدًا كونها تؤّشر إلى استعداد البنك الدولي لدعم لبنان» ورأى «انّ البيئة الاقتصادية في لبنان تعيش حالتها الأدنى وذلك منذ ما يقارب سبع سنوات وبالتالي لا يُمكن الحديث عن إنهيار في الماكينة الاقتصادية بل تآكل ناتج عن غياب الاستثمارات». وجزم أن «لا إفلاس نقدياً ومالياً في لبنان».وفي مقابلته مع «القدس العربي» قدمّ البروفيسور عجاقة نظرته الاقتصادية الشاملة حول الوضع الاقتصادي الراهن وخصوصاً إذا كان الأسوأ في تاريخ لبنان ولاسيما في ظلّ عدم تأليف الحكومة، وعلى ضوء ما يحكى عن إفلاس الدولة مثل اليونان (على خلفية وقف القروض الإسكانية ودمج عدد من المصارف وأمور أخرى منها عجز الكهرباء والرواتب) فشرح أنه «في علم الاقتصاد نُميّز بين ثلاث بيئات: الاقتصادية، والمالية والنقدية. هذا التمييز نابع من منطلق أن البيئة الاقتصادية تعكس السياسة الاقتصادية للحكومة، والبيئة المالية تعكس الإدارة المالية للبلد، والسياسة النقدية تعكس سياسة المصرف المركزي.
وفي لبنان يعمد الجميع إلى مزج هذه البيئات الثلاث وهذا الأمر يؤدّي إلى استنتاجات خاطئة عن وضع الاقتصاد والإجراءات الواجب اتخاذها وبالتالي من الطبيعي الحديث عن انهيار اقتصادي في ظل تشابك المعلومات وعدم القدرة على تمييزها عن بعضها».
وأضاف: «يُمكننا القول إن البيئة الاقتصادية التي تحوي كل التعاملات التجارية وسوق العمل والتصدير والاستيراد، هي في وضع ركود منذ بدء الأزمة السورية في العام 2011. وقد شجّع هذا الركود سحب الدول الخليجية لاستثماراتها في لبنان نتيجة إسقاط حكومة الرئيس سعد الحريري آنذاك والتموضع الإقليمي للبنان، ومنذ ذلك الوقت والاستثمارات تراوح مكانها. ومعروف في الاقتصاد أنه لا يُمكن الاستحصال على نمو من دون استثمارات، لذا فإن النمو الذي يُسجّله الاقتصاد اللبناني في حدود الـ 1.5في المئة كمعدّل عام ما هو إلا نتاج الدورة المالية وتحويلات المُغتربين وإلى حدٍ معين السياحة والتجارة.
وإذا ما أخذنا نموذج الاقتصاد السوري، نرى أنه وعلى الرغم من سنين من الحرب والدمار الذي ضرب سوريا لم يتراجع إلا بنسبة 20 في المئة لتُطبّق المقولة الاقتصادية أنه «ما دام هناك فمّ يأكل، فإن الاقتصاد يستمرّ». من هذا المُنطلق، نرى أنه في لبنان تعيش البيئة الاقتصادية في حالتها الأدنى وذلك منذ ما يقارب السبع سنوات وبالتالي لا يُمكن الحديث عن انهيار في الماكينة الاقتصادية بل تآكل ناتج عن غياب الاستثمارات. وهنا يتوجّب القول أنه لا يُمكن للبيئة الاقتصادية أن تنهار.
البيئة المالية التي تحوي على مالية الدوّلة (من دون القطاع المصرفي) وتضمّ الإنفاق العام والإيرادات والعجز والدين العام وخدمة الدين العام، هي في حالٍ تعيسة مع تفاقم العجز ووصوله إلى ما يقارب الـ 10في المئة من الناتج المحلّي الإجمالي. هذا الأمر يؤدّي إلى ضرب البيئة الاقتصادية والنقدية في حال وصلنا إلى وضع غير محمول. وسبب تردّي البيئة المالية يعود إلى عدّة عوامل نذكر منها:
ـ الإنفاق العام المُفرط والذي يعود إلى التوظيف العشوائي، الهدر والفساد، والتهرّب الضريبي الذي يُعتبر كارثياً مع 7.2 في المئة من الناتج المحلّي الإجمالي. أضف إلى ذلك أن قطاع الكهرباء يستنزف الخزينة العامّة بملياري دولار أمريكي سنويًا دون قدرة الطبقة السياسية على إيجاد حلّ لهذا الأمر.
ـ شبه ركود في إيرادات الدوّلة الناتج عن ضعف إيرادات الضرائب على النشاط الاقتصادي. هذا الأخير، كما وسبق الذكر، يعيش حالة ركود ناتجة عن غياب الاستثمارات وبالتالي لا يُمكن التفكير في حل واقعي للمالية العامّة دون زيادة الاستثمارات وهذا ما لا يُمكن للدوّلة أن تفعله من خلال المال العام بحكم نسبة العجز المُرتفعة. من هذا المُنطلق نرى أن الحلّ الوحيد يكمن في القطاع الخاص عبر الشراكة معه والأموال التي استحصل عليها لبنان من مؤتمر سيدر 1.
ـ تردّي البيئة المالية للدوّلة دفع بوكالات التصنيف الائتماني إلى خفض تصنيف لبنان مما زاد الفائدة على سندات الخزينة ومعها إرتفعت خدمة الدين العام. وتخطى الدين العام اللبناني 83 مليار دولار أمريكي كاسرًا بذلك عتبة الـ 150 في المئة من الناتج المحلّي الإجمالي وجاعلًا لبنان في المرتبة الثالثة عالميًا من ناحية المديونية».
ورأى البروفيسور عجاقة «أنّ البيئة النقدية تحوي على كل ما يتعلّق بالليرة اللبنانية من سعر صرف وسعر الفائدة والاحتياطي الأجنبي والنظام المصرفي. هذه البيئة حافظت على متانتها رغم تدهور البيئة المالية للدوّلة والضغط الذي تُشكله من ناحية أسعار الفائدة. الجدير ذكره أن علم الاقتصاد ينص على أن العملة تعكس ثروة البلد، من هذا المُنطلق كان يجب أن تكون الليرة في وضع تعيس. إلا أن السياسة النقدية التي يتبعها حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، والتي تعتمد الثبات النقدي بشقيّه سعر صرف الليرة وسعر الفائدة ورفع الاحتياطي من العملات الأجنبية، سمحت بتثبيت سعر صرف الليرة. على هذا الصعيد يتمتع مصرف لبنان بقدرة دفاع عن الليرة توازي 69 مليار دولار أمريكي (45 مليار د.أ الاحتياط من العملات الأجنبية، 12 مليار د.أ من الذهب، و12 مليار د.أ أصول تمتلكها المصارف اللبنانية في المصارف الأجنبية) أي ما يوازي 138 في المئة من الناتج المحلّي الاجمالي وهذا الرقم لا يوجد له مثيل في العالم ليصح بذلك القول الاقتصادي: أن الحفاظ على قيمة العملة في ظل اقتصاد في حال ركود ومالية عامّة متردّية، يعتمد بالدرجة الأولى على قدرة البلد على تأمين العملة الصعبة».
وأكدّ «انّ هذه البيئات تعمل بشكل مُستقل ولكن هناك نقطة تؤثر من خلالها كل بيئة على البيئتين الأخريين. هي ميزان المدفوعات، الذي يضمّ الحساب الجاري، الحساب المالي وحساب رأس المال، فما هو إلا النقطة التي تلتقي فيها البيئات الثلاث. فالاقتصاد الضعيف يزيد من عجز الميزان التجاري وبالتالي الحساب الجاري، كما أن السياسة النقدية تؤثر على الحساب الجاري من ناحية استقطاب رؤوس الأموال وتؤثّر أيضًا على الحساب المالي وحساب رأس المال الذين يضمان الاحتياطي من العملات الأجنبية. أما مالية الدوّلة فهي تضرب القدرة الاستثمارية في الاقتصاد من ناحية منافسة الدولة للقطاع الخاص على أموال المصارف، وكلما زاد عجز الموازنة ضعفت القدرة الاستثمارية وزاد العجز في الميزان التجاري. أيضا مالية الدوّلة المُتردّية تضرب الحساب المالي وحساب رأس المال اللذان يضمّان الاستثمارات الأجنبية المباشرة، المحافظ الاستثمارية. وهذا هو حال لبنان حاليا حيث نرى أن عجز الميزان التجاري يوازي 14 مليار دولار أمريكي نسبة إلى ناتج محلّي إجمالي بقيمة 52 مليار دولار أمريكي».
ورأى البروفيسور عجاقة «انّ الحفاظ على توازن ميزان مدفوعات (أي بقيمة صفر) هو مؤشّر نجاح عمل البيئات الثلاث. وبالتالي في حال لبنان، فإن البيئة المالية تدفع نحو الأسفل في حين أن البيئة الاقتصادية في حال ركود وتبقى مسؤولية محو عجز ميزان المدفوعات على كاهل مصرف لبنان الذي بفضل هندساته المالية استطاع منذ العام 2011 الحفاظ على مستوايات قريبة من الصفر بإستثناء عام 2015.
من هنا نرى أن المُشكلة تكمن في البيئة المالية أي مالية الدوّلة التي يتوجب إجراء إصلاحات عليها تفاديًا للكارثة التي تبقى بعيدة في الآمد القصير إلى المُتوسّط كما تشهد عليه سندات الخزينة اليوروبوند 5 سنوات التي تُحافظ على قيمتها الإسمية. وهنا يُمكننا الجزم أن لا إفلاس في لبنان لا نقدي ولا مالي.
لذا يأتي تشكيل الحكومة والبدء في تنفيذ دقائق مؤتمر سيدر 1 بشقيه الاستثماري والإصلاحي الحلّ الوحيد الذي يُطرح أمام لبنان. فمؤتمر سيدر 1 لم يُعط لبنان فقط 11 مليار دولار أمريكي بهدف ضخها في الماكينة الاقتصادية، بل فرض عددا من الإصلاحات التي لا نوافق على البعض منها مثل رفع الضرائب، لكن الباقي يذهب في الإتجاه الصحيح وعلى رأسها حلّ مُشكلة كهرباء لبنان ومحاربة الفساد والتهرّب الضريبي.
وفي حال نفذت الحكومة ما ورد أعلاه، فإننا نتوقّع نسب نمو قد تفوق الـ 5 في المئة في السنة الأولى لتتخطّى الرقمين في حال نفذت الحكومة إصلاحات اقتصادية، مالية، إدارية وقانونية. أمّا إذا لم تفعل فإن حساباتنا تُشير إلى أن قيمة الخسائر المُباشرة وغير المُباشرة قد تصل إلى حدود الـ 500 مليون دولار أمريكي إذا لم تُشكّل الحكومة قبل نهاية شهر آب/اغسطس الجاري». أما كيف ينظر إلى زيارة نائب رئيس مجموعة ​البنك الدولي​ لشؤون منطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا ​فريد بلحاج​ إلى المسؤولين اللبنانيين وهل هي لتعزيز الثقة الدولية في لبنان وتعزيز الشراكة مع البنك الدولي؟
وماذا عن الإصلاحات الاقتصادية؟ وتخصيص البنك الدولي مليار دولار للبنان والأولوية لتفعيل النمو؟
يرى البروفيسور عجاقة «أنّ زيارة وفد البنك الدوّلي إيجابية جدًا لأنها تُشير في الدرجة الأولى إلى استعداد البنك الدولي إلى دعم لبنان. أضف إلى ذلك تحفيز الوفد للسلطات اللبنانية على تسريع تشكيل الحكومة والبدء بتنفيذ الإصلاحات وتحرير ملياري دولار أمريكي قروض من البنك الدولي إلى لبنان عالقة في أدراج الحكومة. والأهم أن الوفد قال للسلطات اللبنانية أنه كلما ذهبتم بعيدًا في الإصلاحات كلما زدنا من دعمنا لكم وهذا حسب رأينا قمّة الإيجابية وتُلقي المسؤولية على الأحزاب السياسية التي أصبحت محشورة في الزاوية وتُعتبر المسؤولة الوحيدة عن تردّي في الوضع الاقتصادي.
الجدير ذكره أن الملياري دولار قروض البنك الدولي تأتي كإضافة على الـ 11 مليار دولار أمريكي الآتية من مؤتمر سيدر 1. لذا نعتبر أن الكرة أصبحت في ملعب اللبنانيين بالكامل وهم من سيُقرّر نهوض البلد أو ضرب اقتصاده».

رابط القدس

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.