النظام المصرفي اللبناني أقوى من أي وقت مضى

0

تزداد العمليات الإحتيالية والهجمات الإعلامية على القطاع المصرفي اللبناني في ظلّ حمّلة سياسية مُنظّمة تقوم بها جهات إقليمية بهدف التأثير السياسي على الداخل اللبناني من خلال بوابة النظام المصرفي. وإذا كانت هذه الحملات قد وصلت إلى ذروتها، إلا أن تسلسل الأحداث وواقع النظام المصرفي اللبناني تُثبت أنه أقوّى من أي وقت مضى بفضل الإطار القانوني والمالي الذي فرضه مصرف لبنان على هذا القطاع.إحدى أهم ركائز إستراتيجية رياض سلامة عند تسلّمه سدّة حاكمية مصرف لبنان في العام 1993، كانت جعل القطاع المصرفي على مستوى نظائره في المراكز المالية العالمية. ولتحقيق هذا الهدف، قام سلامة بالعديد من الخطوات التي يُمكن قسمتها إلى أربعة فئات:

أولًا – الشق القانوني: فقد بدأ سلامة مشواره بإصدار سلّة من التعاميم تهدف إلى حماية المودعين في المصارف اللبنانية. ولهذا قام بفرض قيود من منطلق سلطته التشريعية والرقابية، على حرية التصرّف بأموال المودعين من قبل المصارف التجارية وإتخذ العديد من الإجراءات الإحترازية التي تحمي إستثمارات المودعين وتضع قيودًا عليها (مثال إستثمارها في الأسواق المالية، ضمانات على تسليف الودائع…)، ولكن أيضًا تحمي المصارف اللبنانية من خلال منعها من التعامل مع مراسلين (أي مصارف أو مؤسسات مالية) أجانب لا يستوفون شروطًا وضعها مصرف لبنان.

ويبقى الأهم في هذا الشق، إلزام المصارف التجارية من خلال التعاميم بتطيق كل القوانين الدولية (ومنها الأميركية) على مثال قانون فتكا وغتكا، وقانون العقوبات الأميركية، وقانون الإمتثال ومكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، وغيرها من القوانين التي تُعتبر من الشروط الأساسية التي يفرضها أهم المراسلين الغربيين للقبول بالتعامل مع المصارف اللبنانية.

ثانيًا – الشق المالي: عمد سلامة إلى إصدار تعاميم فرض من خلالها على المصارف الإلتزام بالمعايير المالية الدولية وعلى رأسها معايير بازل (1، 2، و3) حيث سبقت المصارف اللبنانية نظيراتها الأميركية في تطبيق هذه المعايير خصوصًا من ناحية رأس مال المصرف (بازل 3) والذي إلتزمت به المصارف لحظة صدوره. هذه المعايير هدفها درء الأخطار عن المصرف التجاري وزيادة رأس المال الذي يُعتبر الضمانة الوحيدة لإمتصاص الخسائر وبالتالي ضمان ودائع الزبائن. أيضًا إلتزمت المصارف اللبنانية بمعايير IFRS 9 والتي تفرض فصل العائدات عن الأرباح بما يسمح للمصارف بزيادة رأسمالها الإقتصادي وبالتالي تحمّل التغيير النوعي في المخاطر.

على صعيد أخر فرض رياض سلامة على المصارف سياسة إحترازية في إعطاء المصرف للقروض من خلال رفع الإحتياطي الإلزامي. هذا الأمر جعل تعثر قسم من القروض التي أعطاها المصرف قابلة للإمتصاص من قبل المصرف وبالتالي حافظ على المصرف وعلى الودائع.

الجدير ذكره أن سلامة ومن خلال سياسته الإحترازية منع المصارف التجارية من الإستثمار في المُشتقات السامة التي كانت سبب الأزمة المالية العالمية في العام 2008 وبالتالي حمى المصارف اللبنانية من تداعيات هذه الأزمة.

ثالثًا – الشق النقدي: فرض سلامة على المصارف التجارية نسبة سيولة عالية تسمح لهم بهامش تحرّك في وجه أي عنصر فجائي في الأسواق. هذه السيولة العالية سمحت للمصارف التجارية بتلبية الطلبات على القروض والأهم مواجهة تداعيات الأحداث الأمنية والسياسية على الصعيد النقدي.

من جهة أخرى فرض سلامة على المصارف قيود على إصدار الأموال الائتمانية (fiduciary money) من خلال وضع قيود على إعطاء القروض. هذا الأمر سمح بالطبع بالحفاظ على مستويات مقبولة من التضخم وعدم تعريض المصارف اللبنانية للمشاكل المالية نتيجة إرتفاع قيمة القروض نسبة إلى رأس المال.

رابعًا – الشق التنظيمي: في هذا الشق، نظّم مصرف لبنان طريقة عمل المصارف من خلال تعاميم (مصرف لبنان، لجنة الرقابة على المصارف، وهيئة الأسواق المالية) ألزم المصارف تطبيقها. هذه التعاميم تحوي على شق تنظيمي إداري (مثل خلق وحدة المخاطر، وحدة مكافحة تبييض الأموال، وحدة التدقيق الداخلي، وحدة الإمتثال…) كما فرض على الموظفين في هذه المصارف تقديم إمتحانات خاصة تجعل منهم أهلًا للقيام بوظائفهم طبقًا للقانون ولكن أيضًا لتقديم خدمة أفضل للزبائن.

على صعيد أخر، فرض مصرف لبنان العديد من التقارير الدورية الإلزامية على المصارف (يومي، أسبوعي، شهري، فصلي، نصف سنوي وسنوي) التي تُرسلها إلى مصرف لبنان حيث تقوم لجنة الرقابة على المصارف وهيئة التحقيق الخاصة وهيئة الأسواق المالية بدراسة هذه التقارير بهدف الرقابة وتصحيح عمل المصارف في حال وجود أي خلل.

من هذا المنطلق، زادت نسبة الثقة بالقطاع المصرفي من قبل المؤسسات الدولية ومن قبل المُستثمرين والمودعين كما يُثبته إرتفاع حجم الودائع الذي بلغ الـ 185 مليار دولار أميركي حتى شهر نيسان 2018. كما أن الدور الذي لعبته المصارف في تمويل عجز الدوّلة اللبنانية من خلال شراء سندات الخزينة كان له الفضل الأكبر في تخطّي المشاكل المالية للدوّلة اللبنانية.

وبما أن السياسة النقدية التي يتبعها حاكم مصرف لبنان – أي الثبات النقدي بشقيّه سعر صرف العملة وسعر الفائدة – زاد إحتياط مصرف لبنان إلى أرقام قياسية وبالتالي فإن مصرف لبنان قادر في أي لحظة على نجدة أي مصرف تجاري لبنان قد يتعرّض لأي مُشكلة سيولة (إحدى مهام مصرف لبنان).

كل هذا جعل من لبنان مركز مالي يُعتبر من أهم المراكز المالية العالمية حيث أصبح لبنان يمتلك مقاصة بالدولار الأميركي جاعلة منه حالة إستثنائية عالمية.

الحمّلة التي يتعرّض لها القطاع المصرفي تدخل في خانة الحرب السياسية (داخليًا وإقليميًا). فالوضع القانوني، المالي، النقدي والتنظيمي للمصارف اللبنانية لا يسمحّ بأي شك في ما يخص قدرة هذه المصارف على القيام بمهامها بصلابة ومتانة. اليوم ومع مرحلة تشكيل الحكومة والصراع على الحصص الوزارية الذي نشهده والتدخلات الإقليمية في تشكيل الحكومة لتغيير التوازنات الداخلية، لا تتركّ أي شك على نيّة زعزعة القطاع المصرفي اللبناني بهدف ضرب الإستقرار الإقتصادي، المالي والإجتماعي (نظرًا لدور المصارف) وبالتالي فإن عامود الإقتصاد – أي القطاع المصرفي – هو أفضل جبهة للضرب عليها بعد فشل الحملة على الليرة اللبنانية وعلى إحتياط مصرف لبنان من العملات الأجنبية والحملات على حاكم مصرف لبنان.

من هنا إنطلقت حملة العصابات العراقية واللبنانية التي أخذت تبتزّ المصارف اللبنانية والتي تمّ إعتقالها من قبل الأجهزة الأمنية العراقية واللبنانية بعد الشكوى التي قام بها بنك عودة. هذا الأمر أظهر إلى العلن قوّة المصارف اللبنانية في إحترامها للقوانين ولكن أيضًا لجوئها إلى القانون لملاحقة أصحاب الحملات على المصارف اللبنانية.

إننا إذ نرى أن هذه الحملة على القطاع المصرفي اللبناني لما له من دور في دعم الإقتصاد وتمويل الدوّلة اللبنانية، هي حمّلة مُدانة بكل المعايير، نجد أنها أظهرت قوة القطاع المصرفي اللبناني، متانته وإلتزامه بالقوانين الدوّلية بفضل الإستراتيجية التي إتبعها سلامة للنهوض بهذا القطاع.

ولأصحاب الحملات على الليرة اللبنانية، وعلى مصرف لبنان وعلى القطاع المصرفي اللبناني، نقول «أعلى ما في خيلكم، إركبوه».

رابط الشرق

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.