لبنان يُقلِق البنك الدولي.. الاقتصاد هش

0

خضر حسان

يلوّح أقطاب السلطة اللبنانية بتوصيات البنك الدولي المتعلقة بالاصلاحات، كلما أرادوا تمرير صفقة تزيد من هدر المال العام وتمعن في تدمير المؤسسات العامة تحت ستار الخصخصة. لكن الاحتكام الى آراء البنك الدولي، يختفي فجأة عندما تُصوّب سهام المسؤولية في اتجاه السلطة نفسها.يؤكد البنك وجوب قيام لبنان بإصلاحات تبدأ من المالية العامة، حيث تشكل خدمة الدين العام ضغطاً كبيراً على الموازنة، وصولاً إلى وقف الهدر والفساد في إدارات الدولة ومرافقها، مروراً بإصلاح قطاعات الطاقة والمياه والتكنولوجيا. وفي هذا الإطار، تقوم السلطة بالتعاقد مع شركات خاصة لتسيير المرافق العامة، وأبرزها شركات مقدمي الخدمات في قطاع الكهرباء، بالإضافة إلى شركة كارادينيز التركية التي أتت ببواخر الطاقة. وتناست السلطة أن الركون إلى الخصخصة يجب أن يترافق مع رقابة حقيقية لمنع الهدر والفساد. وهو ما تجاهلته في توصيات البنك. واستمر التجاهل لسنوات، حتى تجاوز الدين العام 150% من الناتج المحلي الإجمالي في نهاية عام 2017، ووصل اقتصاد البلاد إلى مرحلة الهشاشة في ظل عدم توفر “مقومات الاستمرارية”، وفق توصيف نائب رئيس مجموعة البنك الدولي للشرق الأوسط وشمال إفريقيا، فريد بلحاج، الذي رأى أن لبنان “يقاوم السقوط منذ وقت طويل، وسيأتي يوم يتحقق فيه السقوط”.

رغم المؤشرات السلبية واستعداد البنك الدولي لتمويل المشاريع التنموية في لبنان، ما زالت السلطة تطلق مزيداً من الوعود، وآخرها تأكيد رئيس الجمهورية ميشال عون لبلحاج، خلال لقائهما يوم الاثنين 30 تموز، أن “الاصلاحات السياسية التي تحققت بعد الانتخابات النيابية التي تمت على أساس قانون النسبية، ستواكبها اصلاحات اقتصادية تساعد في تحقيق النهوض الاقتصادي المنشود وتفعيل قطاعات الانتاج”. وتجاهل عون أن أولى البوادر اايجابية لتحقيق تلك الوعود هي تشكيل الحكومة التي يبدو أن موعد ولادتها بعيد جداً. ما يجمّد تشغيل نحو 1.1 مليار دولار من أصل 2.2 مليار دولار مرصودة في محفظة البنك الدولي في لبنان بهدف “إنفاقها في مشروعات في مجالات التوظيف والصحة والنقل”، وفق بلحاج الذي حذّر منذ العام 2015 من أن استمرار الوضع الراهن يضع صدقية لبنان الدولية على المحك.

التناقض التام بين ما ترفعه السلطة تحت مظلة البنك الدولي وما تنفّذه، يُقلق البنك. وصحيح أن أغلب الأموال التي يدفعها البنك للبنان تأتي على شكل قروض، لكن من مصلحة البنك إنهاض الاقتصاد اللبناني لضمان سداد القروض، ولضمان عدم ارتفاع معدلات الفقر، إذ إن أحد أبرز اهداف البنك هو خفض معدلات الفقر في العالم.

وهذا القلق “يحشر السياسيين”، على حد تعبير الخبير الاقتصادي جاسم عجاقة، الذي ينظر إلى كلام بلحاج من زاوية توجيه “رسالة إلى لبنان، تحثه على إجراء الاصلاحات”. فالبنك الدولي “يقوم بواجباته ويتساهل مع لبنان، خصوصاً أن الأموال المرصودة في محفظة البنك، ستصرف في مشاريع تحدد وفق الأولويات التي تراها الدولة مناسبة. ما يعني أن البنك الدولي يترك الخيار للحكومة في تنفيذ المشاريع. ولبنان غير قادر على تشكيل حكومة تنفذ تلك المشاريع”، وفق عجاقة في حديث إلى “المدن”.

وصول البنك الدولي إلى مرحلة التحذير من صعوبة الوضع اللبناني، ينسحب إلى طرح علامات استفهام بشأن قدرة لبنان على كسب ثقة الدول المانحة التي وافقت على تقديم قروض وهبات تزيد عن 11 مليار دولار في مؤتمر سيدر. إلا إذا كانت السلطة تنوي تجاهل ما وعدت به من تنفيذ للمشاريع، بغض النظر عن طبيعتها وأولويتها ونتائجها الكارثية على القطاع العام في ظل انتشار الفساد. فالمعضلة اليوم هي عدم تنفيذ السلطة وعودها، ومجاهرتها بتعقيد الوضعين السياسي والاقتصادي أثناء خوضها حرب إثبات وجود سلطوي، وليس وجوداً إنمائياً مؤسساتياً.

رابط المدن

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.