عجاقة.. السلسلة كان لها التأثير الأكبر في التسبّب برفع أسعار الاستهلاك 0.91 %

0

أصدرت إدارة الإحصاء المركزي تقريرها الشهري حول أسعار الإستهلاك. وأظهر التقرير أن الرقم القياسي لأسعار الاستهلاك لشهر حزيران 2018 ارتفع بنسبة 0.91 في المئة نسبة إلى شهر أيار و7.61 في المئة نسبة إلى حزيران 2017. هذا الإرتفاع الناتج عن إرتفاع أسعار النفط وإقرار سلسلة الرتب والرواتب سيُشكّل عامل ضغط على أسعار الفائدة.وفي هذا السياق اعتبر الخبير الاقتصادي البروفسور جاسم عجاقة لـ»الشرق»، أنه «لم يمرّ ارتفاع أسعار النفط مرور الكرام على المواطن اللبناني، لا بل على العكس كانت له تداعيات على عدّة أصعدة أهمها فاتورة البنزين ولكن أيضًا كل السلع والبضائع التي خضعت لارتفاع آت (أقلّه) من سعر النقل. وهذا الأمر سبّب رفع الأسعار وفق آلية إقتصادية تُسمّى بالتضخم الضمّني».

ولفت إلى أن «الجدول الذي أصدرته إدارة الإحصاء المركزي يُظهر أن ارتفاع أسعار الكهرباء احتلّ المرتبة الأولى خلال شهر حزيران مع 12.85% مقارنة بالشهر السابق، يليه النقل الجوّي مع 6.91%، والعطلات (5.55%)، وجمع النفايات المنزلية (4.34%)… وبالنظر جيدًا نرى أن كل هذه السلع لها علاقة مباشرة بأسعار النفط العالمية».

وقال: لم يكن ارتفاع أسعار النفط العامل الوحيد ولا حتى الأساسي في رفع الأسعار، بل أن سلسلة الرتب والرواتب التي أقرّت في آب 2017 كان لها التأثير الأكبر حيث تسبّبت برفع أسعار الاستهلاك من خلال ثلاثة قنوات اقتصادية:

أولاً – رفع الطلب بشكلٍ كبير نتيجة إرتفاع الأجور في القطاع العام حيث تضاعفت هذه الأجور لبعض الوظائف في القطاع العام. هذا الأمر زاد من القدرة الشرائية لموظفي القطاع العام البالغ عددهم 260 ألف إضافة إلى المُستفيدين (بحدود الـ 25 ألفا) وبالتالي إرتفع الطلب على السلع والخدمات مما رفع الأسعار نتيجة قانون العرض والطلب المفهوم المحوري في الاقتصادات الحرّة.

ثانياً – ضخ كتلة نقدية موازية لكلفة سلسلة الرتب والرواتب مع تغذية قسم منها من الضرائب التي واكبت السلسلة والقسم الأخر تمّ تمويله على حساب عجز الخزينة. وهذا الضخ في الكتلة النقدية (في غياب نمو إقتصادي وازن) يتحوّل قسم كبير منه إلى تضخمّ مما يعني إرتفاعا في الأسعار ويشكل ضغطا على رفع الفوائد لإمتصاص هذا التضخم.

ثالثاً – الضرائب التي واكبت سلسلة الرتب والرواتب (خصوصًا الضريبة على القيمة المُضافة) رفعت الأسعار بحكم أن الضرائب هي على النشاط الإقتصادي وبالتالي ترتفع الأسعار (أقلّه) بقيمة الضرائب.

وفي معرض تحليله لهذا العرض، قال: يُمكن إيضاح الصورة أكثر: إن إقرار سلسلة الرتب والرواتب يعني ضخ أموال في السوق على أن يتمّ تمويله من خلال الضرائب وبالتالي يزيد الإستهلاك نتيجة زيادة القدرة الشرائية مما يعني إستفادة الإقتصاد وزيادة النمو. إلا أن معرفة أن القسم الأكبر من الإستهلاك هو مُستورد يعني بكل بساطة أن الإقتصادات الخارجية هي التي إستفادت بالدرجة الأولى وليس الإقتصاد اللبناني. أضف إلى ذلك أن حجم الضرائب لم يكف لتغطية كلفة السلسلة مما دفع الحكومة إلى الإستدانة لسدّ النقص (عجز في الموازنة). وكأن هذا لا يكفي آتت زيادة أسعار النفط لتأكل من القدرة الشرائية لتُقلّل بذلك الإستهلاك عما كان مُتوقّعًا أساسًا.

أضاف: المقارنة السنوية للرقم القياسي لأسعار الإستهلاك تُظهر أن الملابس إحتلّت المرتبة الثانية مع إرتفاع بنسبة 16.32% مقارنة بحزيران 2017، ولكن أيضًا وسائل التسلية (8.04%)، الأكل والمشروبات غير الروحية (5.87%)، أثاث ومُعدّات للمنازل (3.88%)… كل هذا يُظهر الزيادة في الطلب الناتجة عن سلسلة الرتب والرواتب.

وتابع عجاقة: إلا أن المُشكلة الأكبر هي أن سلسلة الرتب والرواتب لم تطاول إلا القطاع العام (280 ألف شخص) في حين أن الضرائب طاولت القطاعين الخاص (بحدود المليون موظف) والعام وبالتالي، نرى أن رفع القدرة الشرائية لـ 280 ألف مُستفيد قابله خفض القدرة الشرائية لمليون شخص مما يعني أن الزيادة في الإستهلاك في القطاع العام لم تكّن كافية لسدّ النقص في الإستهلاك في القطاع الخاص.

وقال: من هذا المنطلق، وفي ظلّ غياب أيّ إجراءات إصلاحية في الإقتصاد، نرى أن قسما من هذه الأموال يجب سحبه من الأسواق من خلال رفع الفائدة. وهذا الأمر إلزامي تفاديًا للضغط على الليرة اللبنانية.

وسأل عجاقة «كيف لمُستثمر يقبض 10% على ودائعه في المصرف أن يستثمر أمواله في الماكينة الاقتصادية؟»، فقال: الجواب هو تأمين عائدات على الإستثمارات في الماكينة الإقتصادية أعلى من الفوائد على الودائع. إلا أن هذا الأمر لا يُمكن أن يتم من خلال تدخّل الحكومة في هذا الأمر بل عبر تدعيم الثقة بالدرجة الأولى. هذه الثقة لا يُمكن تحقيقها إلا من خلال تشكيل الحكومة والبدء في تطبيق دقيق لمؤتمر سيدر 1 بشقيه الإستثماري والإصلاحي. فالإستثمارات التي ستقوم بها الحكومة (بقيمة إجمالية عدّة مليارات من الدولارات) ستُشجّع التوظيف ومن خلاله الإستهلاك وترُسل رسالة واضحة الى الأسواق عن إستعادة الثقة بالاقتصاد.

وتابع: أما الإصلاحات فلها مفعول «الحفاز» أي المُفعّل للثقة من خلال ضمانة قدسية الملكية الخاصة وبالتالي تحسّن المناخ الإستثماري. ومع القدرات الباطنة للإقتصاد اللبناني والعائدات المُمكن توقعها من الإستثمارات، ستلعب الإصلاحات دور جاذب للإستثمارات يتحوّل معها الإقتصاد اللبناني إلى إقتصاد إنتاجي. كل ذلك ليس بحلمّ من منطلق أن الطبقة السياسية تعلم جيدًا أن هامش التحرّك في هذا الأمر أصبح شبه معدوم وأن كل يوم يمرّ من دون إصلاحات يوازي ملايين الدولارات من الخسائر المباشرة ولكن أيضًا خسائر غير مباشرة.

وختم: لا يسعنا القول إلا أن السياسة النقدية لها دور أساسي في المحافظة على العملة الوطنية، إلا أن ضغط المالية العامّة سيؤدي على الأمد المتوسط إلى وضع ضغوطات كبيرة تفوق أي سياسة نقدية في العالم. من هذا المُنطلق، ندعو الأحزاب السياسية إلى التنبّه إلى خطورة الإستمرار في النهج الحالي في التعاطي مع الشق الإقتصادي والمالي للدوّلة اللبنانية.

رابط الشرق

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.