العدالة الإجتماعية في نظر الإقتصاد

0

العدالة الإجتماعية هي عبارة عن مفهوم أخلاقي وسياسي يهدف إلى المساواة في الحقوق كما وضرورة وجود تعاضد بين أفراد المُجتمع. هذا المفهوم أصبح من أهم المفاهيم التي توجّه السياسات الإقتصادية والإجتماعية في عصرنا الحالي.من وجهة نظر الإقتصاديين، إعتماد هذا المفهوم هو أساسي ويستند إلى عنصرين: الأول العدل (Equité) أي لكل مُستحقّ حقه من ناحية أن إعطاء الحق لصاحبه يكون متوافق مع التوقعات التي يتم التعبير عنها بشكل عام في المجتمع. والثاني المساواة الإجتماعية (Egalité) بين كل مُكونات المُجتمع ما يعني السعي إلى مجتمع أكثر عدالة مع أفراده. وقد يُقال أن هذا الأمر مثالي لكن المُهم أنه يدفع بإتجاه تقدّم المُجتمعات.

مما تقدّم، يُمكن إعتماد عدد من القواعد لتطبيق العدالة الإجتماعية:

أولًا – العدالة الإجتماعية هي علاقة تبادلية تستند إلى وجود مبدأ المُعاملة بالمثل (Pure) بين أفراد المُجتمع حيث أن كل فرد يجني على قدر مساهمته في اللعبة الإقتصادية. في حين أنها تُسمّى عدالة إجتماعية «توزيعية» إذا كان هدفها إعطاء الحد الأدنى للعيش الكريم.

ثانيًا – يجب أن تضع الإجراءات التي تهدف إلى تحقيق العدالة الإجتماعية، الركيزة لنظام توزيع عادل حيث أن كل شخص يحمل نفس حظوظ نجاح الأخرين في حياته وهذا ما يُسمّى بـ «تكافؤ الفرص».

بعض الباحثين يُعرفون العدالة الإجتماعية بطريقة سلبية عبر القول أن «اللاعدالة الإجتماعية هي كل شيء غير مقبول من المُجتمع» على مثال الفرق في الأجور بين المهن (النظرة الشيوعية).

جون راولز في كتابه الشهير «نظرية العدالة»، طرح ثلاثة مبادئ تُصنّف من خلال المُجتمعات العادلة: (1) ضمان الحريات الأساسية للجميع، (2) تكافؤ الفرص، و(3) الحفاظ على اللامساواة فقط في حال الأكثر حرمانًا.

ما طرحناه أعلاه يسمح لنا بإظهار العلاقة مع السياسة الإقتصادية. فمثلًا إذا ما أخذنا التعريف السلبي للعدالة الإجتماعية، نرى أن كل ما هو غير مقبول في المُجتمع يُعتبر لا عدالة إجتماعية. بمعنى أخر، أن الفساد، غياب الإنماء المناطقي، البطالة، «الواسطة»، الهدرّ، التخطيط السيء أو غياب التخطيط، تعطيل القرارات الإقتصادية، الفقر، البيئة الملوثّة، الخدمة الصحية الرديئة، غياب الضمان الصحّي… كلها مفاهيم تضرب مكونات العدالة الإجتماعية وبالتالي لا يُمكن بأي شكل من الأشكال خلق عدالة إجتماعية في مُجتمع فيه هذه المفاهيم.

بعض المؤشرات الموجودة في لبنان تُعطي فكرة عن غياب العدالة الإجتماعية، نذكر منها:

أولًا – مؤشرّ الفقر: هذا المؤشّر هو الأهم على الإطلاق من ناحية أن كلمة «إجتماعية» مرتبطة بشكل وثيق بهذا المؤشرّ. فمُستوى الفقر في لبنان هو 31.59% من الشعب اللبناني أي أن ما يوازي 1.8 مليون شخص يعيشون تحت عتبة الفقر. هذه النسب تختلف بحسب المناطق، فبحسب تقرير البنك الدوّلي 36% من سكان عكار يعيشون تحت عتبة الفقر.

ثانيًا – مؤشر توزيع الثروات: هذا المؤشّر مُرتبط بشكل وثيق بهرم أبراهام ماسلو الذي صنّف من خلاله الحاجات الإنسانية بحسب الأهمّية وبالتالي فإن توزيع الثروات على أفراد المُجتمع (كلٌ بحسب مساهمته في الإقتصاد) يأتي كمؤشّر لقدرة أفراد المُجتمع على سدّ هذه الحاجات. وعلى هذا الصعيد نرى أن مؤشّر جيني (GINI Coeff.) والذي تبلغ قيمته 86.1 (0 يعني توزيع كامل وعادل، و100 توزيع مُركز للثروات) هو خير مثال على غياب التوزيع العادل. أضف إلى ذلك، أنه وبحسب المعلومات غير الرسمية المُتوافرة، 0.3% (أي ما يوازي 9000 شخص) يملكون نصف ثروة لبنان!

ثالثًا – مؤشّر البطالة: هذا المؤشّر من أهم المؤشّرات التي يتّبعها الإقتصاديون لأنه جوهري في الماكينة الإقتصادية ونظرًا أنها الوسيلة الإقتصادية الوحيدة لكسب المال. وفي لبنان نرى أن نسبة البطالة وبأرقام غير رسمية تفوق الـ 35% كمعدّل عام (بإعتماد المنهجية العالمية) وتتخطّى الـ 50% لدى فئات الشباب. أضف إلى ذلك أن من بين 30 ألف مُتخرّج من الجامعات، فقط 3000 يجدون وظائف مما يعني أن قدرة الماكينة الإقتصادية على خلق الوظائف شبه معدومة.

رابعًا – مؤشّر الفساد: هذا المؤشّر جوّهري في الإقتصادات إذ لا يطال فقط الشقّ الإجتماعي بل أن له دور سلبي في توزيع الثروات على أفراد المُجتمع ويُدخل خلّل في اللعبة الإقتصادية. والحسابات التي قمنا بها تدلّ على أن كلفة الفساد على الإقتصاد هي 10 مليار دولار أميركي ويُشكّل التهرّب الضريبي 7.2% من الناتج المحلّي الإجمالي.

خامسًا – مؤشّر البيئة: مما لا شكّ فيه أن ملف النفايات وملف تلوّث المياه تبقى العلامّة الساطعة لغياب العدالة الإجتماعية. فعدم قدرة الإنسان على الحصول على أبسط حاجاته الأساسية أي ماء الشرب، هو أمر كارثي خصوصًا في بلد المياه لبنان. كما أن غياب إدارة سليمة للنفايات، تجعل من تلوّث البيئة قنبلة موقوتة سيدفع ثمنها العديد من اللبنانيين في المُستقبل المُتوسّط إلى البعيد صحيًا وماليًا.

سادسًا – مؤشّر الإنماء المناطقي والذي يدلّ بأبسط معالمه على تصحير المناطق من سكّانها لحساب المدن التي تنعم بإنماء أفضلّ. هذا الأمر يخلق العديد من المشاكل مثل حزام الحرمان حول المُدن، زحمات السير، ضغط على الإدارات الرسمية، الى إرتفاع أسعار الشقق.

سابعًا – مؤشّر الدين العام والذي يطّرح مُشكلة غياب التخطيط وبالتالي تحميل أعباء مالية (من خلال الضرائب) على المواطنين. الجدير ذكره أن الطفل اللبناني يخلق بمديونية 20 ألف دولار أميركي. هذا الرقم مُرشّح للإرتفاع مع إزدياد العبء المالي على خزينة الدوّلة.

بالطبع هناك تشابك بين هذه المؤشّرات وأحيانًا مؤشّر يؤّثر على الأخر لتظهر أهمية البدء بإعتماد سياسة العدالة الإجتماعية التي لم تعد عنصر رفاهية في المجتمع بل حاجة مُلحّة لأنها السبيل الوحيد للنهوض بالمُجتمع اللبناني.

رابط الشرق  

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.