من الأحمر الى الأخضر..هاجس اقتصادي جديد

0

لا يُنكر أحد أنّ المحروقات على اختلاف أنواعها تُشكّل حاجة أساسية لأي مواطن لبناني. لم يعد لهذه المادة بدائل متوفرة بكثرة كما في السابق. فكل ما حولنا يتطلّب تشغيله أنواعاً شتى من المنتجات النفطية. تأمين هذه المواد يُلقي عبئاً إضافياً على رب الأسرة يُشبه الى حد بعيد بثقله هاجس تأمين المواد الغذائية، وإن تفاوتت حدّة الأعباء بين وسيلة وأخرى. ولعلّ المازوت أحد هذه المنتجات التي تزداد حدة الحاجة اليها في فصل الشتاء لغاية التدفئة، خصوصاً في المناطق الجبلية تزامناً مع أوقات البرد القارس. وغالباً ما كانت تخضع هذه المادة لسيف الاحتكارات  من قبل التجار وأصحاب الشركات، نظراً لازدياد الطلب عليها، رغم دعمها أحياناً من قبل الحكومة، إلا أنها كثيراً ما كانت تتبخر من الأسواق بفعل التخزين والتهريب.ومن المعروف أنّ لبنان اعتمد على مدى سنوات على النوع الأحمر من المازوت، قبل أن يُعلن وزير الطاقة سيزار أبي خليل قبل أيام، تحول وجهة الاستهلاك الى النوع الأخضر كلياً مع نهاية الشهر المقبل. أسئلة كثيرة جرى طرحها من قبل المواطنين، خصوصاً الذين تشكّل لهم هذه المادة ضرورة أساسية. أسئلة جلها يتعلّق بالواقع الاقتصادي، فهل ستشكّل هذه المادة أعباء إضافية على جيوب المواطنين، خصوصاً في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي تعاني منها البلاد؟.

لدى إعلانه عن الانتقال الى الاعتماد الكلي على المازوت الأحمر، شدّد وزير الطاقة على أن “ظروف السوق أدت إلى التساوي بأسعار المازوت الأحمر بالأخضر”، وبالتالي لا أعباء اقتصادية اضافية على جيب المواطن، إلا أن الخبير الاقتصادي البروفسير جاسم عجاقة يطرح في حديث لموقع “العهد الإخباري” الكثير من علامات الاستفهام حول إمكانية ضبط هذا الأمر في الأسواق اللبنانية. الأخيرة لا تخلو من مواسم الاحتكارات، واللعب بالأسعار، فما الذي يضمن ثباتها أوقات ازدياد الطلب عليها والحاجة الملحة لها؟. هل الدولة ستراقب مسار التوزيع والبيع؟، وما هي الوسائل التي تمتلكها الدولة في ظل نظام اقتصادي حر لمنع الشركات من رفع الأسعار؟ هل ستقوم الدولة بدعم المازوت الأخضر، -المعروف باستيراده من قبل الشركات-، على غرار الدعم الذي قدمته للأحمر؟. أسئلة وفق عجاقة تُشكّل هاجساً لدى المواطن اللبناني بانتظار الأشهر المقبلة للإجابة عنها.

يتوقّف عجاقة عند مسألة أخرى تتعلّق بتكاليف غير مباشرة قد يدفع ثمنها المواطن دون أن يشعر. فمن المعروف أنّ المازوت الأخضر يتميز بسرعة احتراقه أكثر من الأحمر، ما يزيد من الكمية المستهلكة لدى المواطنين، ويرتّب بالتالي أعباء إضافية على جيوبهم. وهنا يؤكد المتحدث أنه يؤيد خطوة وزير الطاقة، لكنّه يشدد على ضرورة عدم تحميل كاهل المواطنين أعباء إضافية خصوصاً أولئك الذين يعتمدون عليه للتدفئة التي تعد حاجة أساسية كالمأكل والمشرب ونوعاً من أنواع الأمان الاجتماعي.

نقطة أخرى لا بد من التوقف عندها، لدى مقاربة هذه النقلة النوعية. أسئلة كثيرة تُطرح حول التأثيرات البيئية للمازوت الأخضر وما اذا كان أقل ضرراً للبيئة من نظيره الأحمر. موقع “العهد” اطلّع على آراء مجموعة من الخبراء البيئيين. بعضها أكّد نظرية وزير الطاقة في هذا السياق بأن النوع الأخضر يوفر أضراراً على البيئة. وبعضها الآخر رفض استباق الأمور، لافتاً الى أننا لم نر حتى الساعة خير المازوت الأخضر من شره، بانتظار الحصول على جدول مواصفات بالنوعين من وزارة الطاقة كي يتمكن القيام بدراسة علمية دقيقة في هذا الموضوع. نوع ثالث من الخبراء أكد عدم الالمام كلياً بهذا الملف. وهنا يؤكّد عجاقة من خلال نماذج دول اعتمدت على الأخضر أن الأخير أنظف للبيئة وتداعيات التلوث فيه أقل، لكن هناك مشكلة أخرى تبرز في هذا الإطار تكمن في حاجته الى صيانة دائمة للماكينات والمولدات التي تعتمد على الأخضر.

ومن المفيد الإشارة هنا الى أنّ المواطن الغارق بالمشاكل الاقتصادية والأزمات المعيشية قد لا يلتفت كثيراً للأضرار البيئية بقدر التفاته الى الليرة الاضافية التي سيدفعها لشراء النوع الجديد من المازوت، بانتظار جلاء الصورة عند البدء بتطبيق القرار العتيد.

رابط العهد

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.