ضربة “مُعلم” جديدة لرياض سلامة

0

أكثر ما يُعانيه ​الإقتصاد اللبناني​ هو ضعف قطاعاته الصناعية والتكنولوجية. هذا الضعف دفع بالميزان التجاري إلى تسجيل عجز يصل إلى أكثر من 21 مليار دولار أميركي (2012) بسبب كمية السلع المُستوردة من الخارج والتي يعجز القطاعين الصناعي والزراعي عن تأمينها. لكن حاكم ​مصرف لبنان​ قام بمبادرة قد تُغيّر هذا الواقع ألا وهي دعم رأس المال التشغيلي بهدف التصدير.

لم تترك الحرب الأهلية التي عصفت بلبنان من منتصف السبعينات إلى أوائل تسعينات القرن الماضي، أي قدرة صناعية أو زراعية فعلية تسمح للإقتصاد بالإعتماد عليها. وتُظهر الأرقام أن السياسة الإقتصادية التي تمّ إتباعها منذ نهاية الحرب وحتى يومنا هذا هي سياسة تعتمد على تحفيز ​قطاع الخدمات​ كما والريع. هذه السياسة ساعدت في رفع الناتج المحلّي الإجمالي بدون أدّنى شك، إلا أنها حفّزت في نفس الوقت الإستهلاك. هذا الأخير تطوّر مع السنين بشكلٍ لم تعد معه الماكينة الإقتصادية قادرة على تلبيته. وبالنظر إلى البيانات التاريخية، نلحظ إرتفاعًا كبيرًا لإستيراد البضائع مع نقلة نوعية في العام 2006 حتى بلغ حجم هذا الإستيراد ذروته في العام 2012 مع أكثر من 21 مليار دولار أميركي من البضائع المُستوردة!

في المُقابل، لم تستطع الماكينة الإقتصادية بقطاعيها الصناعي والزراعي، مواكبة هذا التطور وبقي إنتاج لبنان عاجز عن سدّ حاجات السوق الداخلي. وتطوّرت ​الصناعة​ بشكل تُلبّي طلب بعض الأسواق خصوصًا الأفريقية (​الذهب​ والأحجار الكريمة) وحصلّ إنفصال شبه كلّي بين ما يُنتجه لبنان من صناعة وبين الطلب الداخلي! أما القطاع الزراعي فقد تخّلى عن دوره لصالح الإستيراد مما أفقد لبنان أمنه الغذائي مع إعتماد الإقتصاد على إستيراد ​المواد الغذائية​ الأساسية مثل القمح! وبلغت صادرات لبنان في ذروتها أيضًا في العام 2012 مع 4.4 مليار دولار أميركي لتتراجع قيمتها إلى 2.96 مليار دولار أميركي في العام 2016.

ومراجعة بيانات الـ ITC، تُشير أن على رأس الصادرات اللبنانية الأحجار الكريمة، الذهب، الأدوات الكهربائية (ثلاجات، معدات تبريد…)، بعض أنواع المحركات والمكابس، آلات الرفع والتحميل والسلالم، بعض أنواع المواد ​البلاستيك​ية، عطور، بعض المواد الغذائية المُجفّفة، كتب وصحف وبعض المنتوجات الورقية… لكن معرفة أن حجم التصدير لكلٍ من هذه السلع لا يتعدّى عشرات الملايين من الدولارات (بإستثناء الذهب والأحجار الكريمة) كفيل بإستنتاج مدى ضعف الإستثمارات في القطاعين الصناعي والزراعي.

الإستنتاج الرئيسي مما ورد أعلاه أن القطاعين الصناعي والزراعي غيرّ مؤهّلين لمواكبة الطلب الداخلي و/أو الخارجي والسبب يعود إلى السياسة الإقتصادية المُتبعة والتي لم تُحفّز الإستثمارات في هذين القطاعين.

لذا هناك إلزامية في إعادة هندسة هذين القطاعين بما يُلبّي حاجتين أساسيتين:

الأولى – وتتمحور حول تخفيف إستيراد لبنان من البضائع الخارجية من خلال تلبية قسم من حاجة السوق الداخلي.

الثانية – وتتمحورّ حول دعم التصدير وذلك بهدف لجم عجز ميزان لبنان التجاري.

هذين المحورين كفيلين بحلّ نصف مشاكل لبنان الإقتصادية وبالتالي يُمكن للبنان معها أن يرتقي بإقتصاده إلى مستويات عالية.
لكن ما السبيل لتحقيق هذا الأمر؟
الجواب هو عبر سياسة إقتصادية تسمح بتقوية القطاعين الصناعي والزراعي ويكون عمادها التحفيز الضريبي. لكن المُلاحظ من خلال ​موازنة​ العام 2018 أن هذه السياسة ليست موجودة فعليًا وبالتالي لن يكون هناك أي تغيير جذري فعلي بل تحسّن بسيط.

من هذا المُنطلق، يخوض ​حاكم مصرف لبنان​ رياض سلامة مع ​جمعية الصناعيين​ مباحثات حول كيفية دعم الرأسمال التشغيلي للصناعيين بهدف التصدير. وعلى الرغمّ من غياب المعلومات حول تقدّم هذه المباحثات، إلا أنه من الواضح أن أي ​دعم مالي​ يُقدّمه مصرف لبنان (من مهام السياسة الإقتصادية للحكومة) سيُشكّل فارقًا لا يُمكن تقدير تداعياته قبل معرفة نوع وحجم الدعم الذي سيُقدّمه مصرف لبنان للقطاع الصناعي. فمثلًا، هل سيدعم مصرف لبنان القروض عبر تأمينه الأموال كما فعل بالرزم التحفيزية سابقًا أو أنه سيدعم الفائدة فقط؟ ما هو حجم الدعم الذي سيُقدّمه؟

لكن بمحاكاة صغيرة، يُمكن لنا تقدير هذه التداعيات. وبفرضية أن مصرف لبنان قام بتقديم رزمة تحفيزية بقيمة مليار دولار أميركي بفائدة 3 إلى 4%، فإن التداعيات على النمو الإقتصادي ستكون إضافة أكثر من 1.5% على النمو الإقتصادي بحكم أن كل وظيفة في القطاع الصناعي، تخلق العديد من الوظائف في القطاعات الأخرى. وبما أن هذا الدعمّ موجّه للتصدير، فإن ذلك يعني أن قيمة الزيادة في الصادرات قد تتراوح بين 500 إلى مليار دولار أميركي.

لكن ماذا عن الصناعات التي سيتمّ دعمها؟ هذا السؤال يبقى بدون جواب طالما لم تنتهي المباحثات بين سلامة وجمعية الصناعيين، لكن هناك بعض الأفكار التي ستنطرحها والتي قد تكون جدّية في خيار الصناعات التي سيتمّ دعمها.

إن تخفيف ​عجز الميزان التجاري​ يعني خفض الإستيراد أو رفع التصدير. وبالتالي يُمكن القول أن خلق أو دعم صناعات محلّية بهدف تخفيف الإستيراد من الخارج يوازي دعم الصادرات. وعلى هذا الصعيد، تُشير البيانات إلى أن هناك سلع يستوردها لبنان، لا يُمكن إنتاجها في لبنان وعلى رأسها ​المشتقات النفطية​ التي تُشكّل 20% من حجم الإستيراد الإجمالي. لكن هناك بعض الصناعات كالصناعات البتروكيماية وصناعة البلاستيك وصناعة المواد الغذائية والأثاث والألبسة وغيرها والتي تصل إلى حدود الـ 7% من إجمالي الإستيراد (أي ما يوازي 1.35 مليار دولار أميركي) والتي يُمكن توفيرها، ناهيك عن أن الوظائف التي سيتمّ خلقها بهدف الإنتاج ستُنعش الإقتصاد من ناحية زيادة القدرة الشرائية وبالتالي زيادة الطلب على القطاعات الأخرى.

هذا الأمر يجب أن يتواكب بإجراء حكومي يتمّ من خلاله ملاحقة التهريب على الحدود كما وملاحقة المصانع غير الشرعية والتي قد تضرب كل هذا المُخطّط.

إن مثل هذه المبادرة من قبل مصرف لبنان ستُشكّل نقلة نوعية للقطاع الصناعي وفي حال تمّ تعميمها على القطاع الزراعي، سترفع من مستوى هذا الأخير. لذا يُمكن القول أن مبادرة سلامة هي ضربة “معلّم” بإتجاه حل مُشكلة العجز في الميزان التجاري.

رابط الإقتصاد

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.