النزوح السوري..عبء ثقيل يفوق قدرة لبنان

0

لا يُنكر أحد حجم التداعيات “الكبيرة” لأزمة النزوح السوري على لبنان. فالجارة “الشقيقة” التي تعيش في هذه الأيام الذكرى السابعة من عمر الأزمة، تركت الحرب الكونية على أراضيها، آثاراً كبيرة أنهكت الحجر والبشر في لبنان. تسليط الضوء على هذه التداعيات لا يتنافى طبعاً، مع الاعتراف بأن الاحتضان الشعبي والرسمي لهؤلاء النازحين أمر مفروغ منه وواجب إنساني لا يحتاج الى التفكير به مرتين، لكنّه في المقابل يحتاج الى خطط ومساعدات دولية جدية، تزيل عن كاهل لبنان الحد الأدنى من الأعباء.   كما يحتاج رؤى واضحة لتأمين عودة آمنة للنازحين، في ظل استمرار الأصوات السورية الرسمية المنادية بالعودة. تماماً كما تستمر الأصوات اللبنانية المحذرة من تفاقم التداعيات أكثر فأكثر. الأخيرة وصلت حداً غير مسبوق، تشعّبت مجالاتها. ولعلّ الجانب الاقتصادي كان أكثر المتضررين من هذا الواقع. خصوصاً أن أزمة النزوح نخرت عظام بلد يكاد يكون فيه النمو معدوماً. عجزٌ بأرقام قياسية، وديون بالجملة، فضلاً عن أزمات متلاحقة.

الوزير السابق رشيد درباس الذي تابع قضية النازحين إبان تسلمه وزارة الشؤون الإجتماعية ينطلق في الحديث عن هذه الأزمة، بالإشارة الى أنّه يكفي احتساب الفرق في النمو بين عامي 2011 حتى الآن، لنعلم التداعيات الكبيرة لهذه الأزمة على لبنان. يوضح درباس أن النمو عام 2011 بلغ 8 %، وأصبح عام 2018 نحو 1 %، ما يعني خسائر مباشرة أوجدها هذا الملف لا تقل عن 25 مليار دولار. الأمر لم ينته عند هذا الحد، ـ وفق المتحدّث ـ فإنّ اللائحة تطول. الاستهلاك العشوائي وغير المنظم للبنى التحتية ساهم في إضعافها، هذا بالإضافة الى المخاوف التي أوجدها الانتشار السوري غير المنظم. وهنا يُشدّد درباس على ضرورة إيجاد خطة وطنية واضحة لمواجهة هذه الأزمة والحد من تداعياتها، وإبعاد هذا الملف عن التجاذب السياسي، متوقفاً عند ضرورة تأمين عودة آمنة للنازحين الى بلدهم خصوصاً أن 43 % من المتواجدين على الأراضي اللبنانية ينتمون الى مناطق منخفضة التوتر.

مقلّد
بدوره، الخبير الاقتصادي الدكتور حسن مقلّد يتحدّث عن الانعكاسات السلبية لأزمة النزوح السوري على الاقتصاد اللبناني. يستهل حديثه بإرساء معادلة بسيطة. حجم سكان لبنان يبلغ 4 ملايين تقريباً. حجم النزوح السوري يُقدّر بمليون الى مليون و200 الف نازح، أي ما يعادل 25 الى 30 بالمئة من حجم سكان البلد، وهذا يحتم ـ وفق مقلد ـ ضرورة زيادة النمو الإقتصادي بنسبة توازي نسبة النمو السكاني، كي نتفادى التداعيات الخطيرة على البنية الإقتصادية، وهذا أمر يستحيل تطبيقه في لبنان الذي لا يزال غارقاً بعجز يسير نحو التوسع.

يُشدّد مقلّد على أنّ النزوح لم يترك مجالاً إلا وزرع آثاره السلبية فيه. البنى التحتية أول المتضررين من هذا الواقع. ضغط كبير تشهده شبكات المياه والكهرباء. المستشفيات أيضاً لم تفلت من هالة التداعيات. تماماً كما لاحق شبح الأزمة عملية التصدير عبر الحدود. الصادرات اللبنانية توقفت، ما أرسى تداعيات كبيرة. وهنا يستذكر مقلّد كيف ساهم تراخي الممسكين بزمام السلطة في لبنان إبان اندلاع الأزمة في تغذيتها. اعتقدوا أن الحكومة السورية ستسقط فوراً، فقللوا من المخاطر، سعياً وراء حصد أرباح لاحقة. إنهم لم يمارسوا دورهم الطبيعي في الضغط على المجتمع الدولي لجلب المساعدات الضرورية، فتحمّل لبنان بمفرده الثمن الباهظ للنزوح. يؤكّد الخبير الاقتصادي أننا أمام منعطف كبير جداً، إذ لم يعد هناك إمكانية للتغاضي عن هذا الملف الضاغط. وفق حساباته، لا شك أن ما بعد الإنتخابات النيابية سيشكل مفترق طريق في قضية النازحين.

عجاقة
يُوافق الخبير الإقتصادي البروفوسير جاسم عجاقة ما يقوله مقلّد. برأيه، إنّ حجم النزوح كبير جداً ويفوق بكل أبعاده قدرة الدولة اللبنانية سواء الاقتصادية، الاجتماعية، الأمنية، السياسية، وحتى الإنسانية. يشّدد المتحدّث على أنّ آثار هذا الملف تنقسم الى شقين مباشرين وشق غير مباشر. في المباشر تبرز المضاربة التي يخلقها تواجد النازحين على سوق العمل اللبناني، انطلاقاً من أن الشركات اللبنانية تأتي باليد العاملة السورية رخيصة الثمن. وفي المباشر أيضاً تبرز آثار استهلاك المرافق العامة من مياه وكهرباء وغيرها. أما الجانب غير المباشر فيتمثل بالخطر الداهم على الاستثمارات. كثر يخافون من الإستثمار في ظل الإحساس بعدم الإستقرار والثبات الأمني. يُعرّج عجاقة على الجانب الإجتماعي والديمغرافي الذي أصابه الكثير جراء النزوح، فنسبة التزاوج ازدادت، والولادات السورية تكاثرت في لبنان، ما أوجد خللاً ديمغرافياً. باختصار، إن الكيان اللبناني مهدد، ـ يقول عجاقة ـ ما يحتم ضرورة تأمين عودة آمنة للسوريين الى بلادهم تفادياً للأسوأ والأسوأ”.

رابط العهد

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.