هكذا يُهدر مال الدولة.. وعلى عينك يا مواطن!

0

غنوة غازي

منذ سنوات وروائح الهدر والفساد تفوح من أروقة السياسة في لبنان، حتّى كاد الحديث عنها في الإعلام يغدو اجتراراً لحقائق يظنّ اللبنانيون أنهم يفقهون أسرارها ودهاليزها. أما من أين تتمّ السرقة؟ وكيف؟ فهنا بيت القصيد، وهنا “الشطارة اللبنانية الموصوفة” في التفاف أركان السلطة التنفيذية على القوانين لسنوات وسنوات بهدف تحقيق الإثراء غير المشروع.. وعلى عينك يا مواطن!
في هذا السياق، وللإضاءة على أبرز مزاريب الهدر والفساد في الدولة اللبنانية، التقت “الأنباء” الخبير الإقتصادي والاستراتيجي البروفيسور جاسم عجّاقة، الذي عدد بالتفصيل أبرز هذه “المزاريب”، وهي:

أولاً: ملف الكهرباء، ملف العار. فقيمة تحويلات وزارة المال لمؤسسة كهرباء لبنان بين عامي 2008 و2016 بلغت 16 مليار دولار تم تحويلها لتغطية العجز في المؤسسة. فأين ذهبت هذه الأموال التي كان يفترض توظيفها لسد عجز المؤسسة من أجل تأمين أفضل خدمة للمواطن اللبناني؟ ثانياً: التوظيف السياسي والعشوائي والإنتخابي في قلب الدولة. فالمستغرب أن نسبة الموظفين في ملاك الدولة تمثل نقطة في بحر نسبة الأجراء أو المياومين. وهناك بدعة إسمها “عقود المصالحة”. وقد وصفها مجلس شورى الدولة بأنها “هرطقة قانونية”. هذه البدعة تسمح لكل وزير بتوظيف من يريد دون التصريح للدولة، ومن ثم يلزم الدولة بدفع حقّ هذا الموظف وفق ما سمّي “عقد المصالحة”. والأخطر في هذه المسألة هو أن هؤلاء الموظفين غالباً لا يستوفون الشروط المطلوبة للوظائف، أو لا وظيفة محددة لهم أصلاً. وهؤلاء لا يمرّون عبر مجلس خدمة مدنية ولا يخضعون لأي شروط أثناء توظيفهم، وكثيرون منهم حتّى لا يداومون في مكاتبهم! لكن الدولة تدفع أجورهم بفضل “عقود المصالحة”، وهذه الأموال كلّها تعتبر سرقة موصوفة من خزينة الدولة. ثالثاً: بدعة “اللجان”. فعادة الموظف في الدولة له مهمّة محددة. وإذا طُلبت منه مهمات إضافية يتم ضمّه إلى لجان معيّنة تتقاضى تعويضات مالية تأخذ عدة أشكال، لكن الأكثر شيوعاً هو تقاضي مبلغ من المال مقابل كل اجتماع تعقده هذه اللجنة. وهنا نحدّث بلا حرج عن موظّفين يتقاضون تعويضات مالية عن وجود إسمهم في أكثر من لجنة، دون حد أدنى من الرقابة على عملهم. وهنا كان يجب أن تتضمن سلسلة الرتب والرواتب مثلاً بنداً يقرّ الحد بنسبة 10 % فقط من رواتب اللجان.
رابعاً: ما يسمّى “بند السفر”. فقسم كبير من مؤسسات الدولة تحدد قيمة معيّنة لبنود السفر التي تضمّ كلفة تذاكر السفر والإقامة في الفندق والمصروف من طعام وشراب، يضاف إليها ما يسمّى “تعويض” لتغطية بعض التكاليف الإضافية. للأسف هذا التعويض يصل في بعض المؤسسات في الدولة اللبنانية حتى 1500 دولار باليوم الواحد! من هنا فإن بند السفر هذا يمثل باباً للهدر كارثياً.
خامساً: ما يسمّى “بند التجهيزات”. ويقصد بهذا البند أثاث المكاتب. فهل هناك حاجة فعلية لتغيير أثاث المكاتب في الوزارات والإدارات بصورة سنوية؟! ثم من يراقب أين تُصرف أموال التجهيزات؟
سادساً: ملف الأملاك البحرية والنهرية. فاليوم لدينا اعتراف بوجود 493 أو 500 ألف متر مربّع من أملاك الدولة تمّت مصادرتهم لمصلحة أفراد. نعطي مثالاً على ذلك محلّة الزيتونة بي ببيروت، حيث تم استئجار المتر المربع الواحد من الدولة اللبنانية بقيمة 2500 ليرة لبنانية، ليتم تأجيره اليوم بقيمة 2500 دولار! وإذا افترضنا اليوم أن الدولة رفعت قيمة إيجار المتر المربّع الواحد من أملاكها إلى 200 دولار فقط، فيمكنها بذلك تحصيل مليار دولار لخزينتها! سابعاً: التهرّب الضريبي، حيث تتراوح قيمة الهدر بين 5 و10 % من الناتج المحلي الإجمالي، أي ما يقدّر بـ 2.5 إلى 5 مليار دولار أميركي سنوياً. أما المتورّطون بقضايا التهرب الضريبي فهم: الجمارك اللبنانية بفروعها الثلاث المرفأ والمطار والحدود البرية، التهرب بواسطة التخمين العقاري، شركات الـ “أوف شور*”، أصحاب الشقق الشاغرة، والمهرّبون عبر الحدود البرية مع سوريا.
ثامناً: المناقصات، حيث يعمد يتفق بعض الوزراء سلفاً مع شركات أجنبية معينة دون سواها لتلزيمها مناقصات بهدف تحصيل أرباح مادية لهم من جرائها. وهذه الأرباح يتم تحويلها إلى شركات الـ أوف شور الخاصة بهؤلاء الوزراء في الخارج!
عبر هذه المزاريب يُهدر المال العالم لمصلحة قلّة من المنتفعين من خير الدولة تحت شعار “دود الخلّ منو وفيه”. ورداً على سؤال عن المسؤول عن هذا الواقع، جزم عجاقة بأن “كل وزير مرّ في مختلف الحكومات المتعاقبة مسؤول”. أما عن سبب غياب أجهزة الرقابة، فأجاب أن “التفتيش المركزي موجود، والنيابة العامة المالية موجودة وديوان المحاسبة موجود”، داعياً لـ “تحرير هذه المؤسسات الرقابية من التدخل السياسي وتفعيل عملها”.
كل هذه الحقائق موجودة في دولتنا “العليّة”، التي لم تجد معيناً لها سوى رفع نسبة الضرائب وإرهاق المواطن العادي بالمزيد من الأزمات المعيشية. فأين الحكومة من شعار استعادة الثقة؟ وما هي الإجراءات العملية التي اتخذتها لسدّ مزاريب الهدر والفساد هذه ووضع حد لشجع الطامعين بمال الناس والدولة وأرزاقهم؟!
(*) غنوة غازي – “الأنباء”
* شركات الـ “أوف شور” هي عبارة عن شركات تنفيذية عالمية يحق لها العمل في مختلف البلدان حول العالم، وهي تحظى بتخفيضات ضريبية مهمّة في البلدان التي تعمل فيها. وقد كشفت وثائق بنما السريّة مؤخراً أسماء سياسيين لبنانيين كبار استفادوا من التهرّب الضريبي عبر شركات “اوف شور” خاصة بهم خارج لبنان لتحقيق أرباح طائلة من العمل في الداخل اللبناني”!
رابط الأنباء  

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.