تحذير دولي جديد للبنان من باب خفض التصنيف: تآكل المالية العامة وضعف النمو وغياب الإصلاحات

0

موريس متى

تلقت الدولة اللبنانية ضربة كبيرة مع خفض وكالة “موديز” للتصنيف الإئتماني تصنيف سندات الخزينة اللبنانية طويلة الأمد في خطوة كانت متوقعة نتيحة استمرار حدة الأزمة المالية وتداعيات الحرب السورية والوضع السياسي غيرالمستقر وغيرها.
أصبحت كلفة اإلقتراض على سندات الخزينة بالعملة األجنبية أعلى نظرًا الى ارتفاع المخاطر، بعدما قامت وكالة “موديز” للتصنيف اإلئتماني بخفض تصنيف لبنان على سندات الخزينة طويلة االمد من B2 إلى B3، فيما حافظت الوكالة على التصنيف ذاته على سندات الخزينة بالليرة اللبنانية (Ba2)، أما تصنيف سقف سندات الخزينة بالعملة األجنبية على الأمد البعيد فقد تم خفضه بشكل كبير من B1 إلى Ba3. مما يعني أن المُشكلة تتمثل في تكوين إحتياط مُهمّ من العملات الأجنبية، وهذا مايسعى اليه مصرف لبنان من خلال عملياته المالية. وبرّرت الوطالة الدولية خفض التصنيف بالتدهور المستمر للمالية العامة، وضعف النمو وزيادة الدين العام، وتآكل البنى التحتية نتيجة اللجوء السوري، وكلها عوامل تجعل لبنان أكثر تأثرًا بالصدمات الخارجية. فيما قامت الوكالة من جهة أخرى برفع النظرة المستقبلية لهذا التصنيف من سلبية الى مستقرة نتيجة مجموعة عوامل، منها زخم العمل الحكومي، والسجل الممتاز للدولة اللبنانية حيال التزامها تسديد فواتير خدمة الدين العام حتى في أصعب الظروف. كما نوّهت “موديز” بالإحتياطات الأجنبية للدولة في البنك المركزي والتي تخطت قيمته 54 مليار دولار في منتصف شهر آب الجاري، والتي تعززت نتيجة إرتفاع قاعدة الودائع الوافدة وبمساعدة من العمليات المالية التي قام بها مصرف لبنان وتُعرف بالهندسات المالية. وقد نجح المركزي في تكوين هذه الإحتياطات الضخمة بالعملة الأجنبية وتوفير سيولة محلّية وفيرة، مما يُشكّل حاجزًا ضد الصدمات ودرعًا للودائع المصرفية. وها هي موديز تؤكد أن أي خفض جديد قد يطاول تصنيف لبنان، يُمكن أن يأتي نتيجة تراجع هذه الإحتياطات وما قد يتضمّنه ذلك من انخفاض ملحوظ في الودائع الوافدة والذي يؤدّي حتمًا إلى زيادة الضغط على ميزان المدفوعات، ويُهدّد بدوره قدرة المصارف اللبنانية على الإستمرار في تمويل الحكومة.
التغيير الهيكلي في المخاطر الإئتمانية للبنان هو الذي دفع بوكالة “موديز” إلى خفض تصنيفها للبنان. فبحسب التقييم، لم يتخط نمو الإقتصاد الحقيقي 1.8% والتضخم عند 1.3% والعجز في الموازنة قارب -1.8% من الناتج المحلّي الإجمالي، وعجز في الحساب الجاري عند -8.18% من الناتج المحّلي الإجمالي، بالإضافة الى دين عام خارجي 98.3% مع نسبة تحفيز للنمو ضئيلة جدًا.
في هذا السياق، يعتبر الخبير الإقتصادي والإستراتيجي البروفسور جاسم عجاقة، ان خفض التصنيف هو نتيجة طبيعية للعجز المُزّمن في الموازنة الناتج من الإنفاق المُفرط للحكومات المتعاقبة، والذي تحوّل تلقائيًا إلى دين عام ضاق معه هامش التحرك في المالية العامّة بحيث تحوّل مصرف لبنان والمصارف التجارية إلى الشريان الأساسي لإستمرار حياة الدوّلة.  وأضاف: “لا يُمكن الإستمرار على النمط تحت طائلة خفض تصنيف لبنان الإئتماني إلى خانة الـ Bonds Junk أي خانة سندات المراهنة او سندات الخردة، وهذا الأمر يضرب القطاع المصرفي الذي يتعرّض بنسبة كبيرة لهذا الدين”.  ويُتابع “لمصرف لبنان دور أساسي في تأمين التمويل للدولة من خلال سلطته المعنوية على المصارف التجارية. لكنّ  لهذا الأمر حدودًا ويتوجب على السياسيي فهم هذا الأمر ولجم الإنفاق العام”.  أمّا عن العلاقة التي تربط خفض لبنان الإئتماني من قبل “موديز” والهندسة المالية التي أطلقها مصرف لبنان، يقول “عادة تقوم وكالة التصنيف بإطلاع السلطات النقدية على تقريرها قبل نشره، ومصرف لبنان رد على هذا الخفض من خلال عمليات مالية إضافية ستُعزّز بالتأكيد إحتياطاته الأجنبية”. 
بدوره، يعتبر الخبير الإقتصادي الدكتور غازي وزني أن خطوة “موديز” تأتي نتيجة عدم قدرة الحكومة على إحتواء العجز في المالية العامة والذي وصل الى ما يقارب 6.8% من الناتج المحلي إستنادًا الى مشروع موازنة 2017 في وقت يمكن ان يصل فيه الى 10، % مع إضافة الإعتمادات المطلوبة لتمويل إستئجار بواخر الكهرباء. ويربط قرار الوكالة أيضًا بعدم قدرة الحكومة على وقف تنامي الدين العام الذي يتجه نحو 80 مليار دولار بحلول نهاية سنة 2017 اي ما يشكل 149% من الناتج المحلي، وعدم قدرة الحكومة على تنشيط االقتصاد الذي لن تتخطى نسبة نموه 1% هذه السنة. وتأتي هذه الخطوة بحسب وزني، في ظل فشل الحكومة في إتمام اي إصلاحات جدية على صعيد البنى التحتية من كهرباء وطرق وإتصاالت. وبالفعل، أكدت “موديز” أن القدرة التنافسیة في لبنان تراجعت منذ العام 2011 نتیجة غيابة اإلستثمارات في البنی التحتیة، ونقص اإلصلاحات اإلقتصادی رالبالد عن العودة وهي عوامل توخ مرتفعة الت نمو إلی تسجيل مع دل لناتج المحلي اإلجمالي الحقیقي وذلك حتى ولو ان حسرت مخاطر السلسلة. ويعتبر وزني ايضًا ان كل هذه الأسباب ستُحوّل ميزان المدفوعات من فائض يُقارب 1.25 مليار دولار في 2016 الى عجز مرتقب يتجاوز الملياري دولار في 2017. ويشير الى ان تقرير”موديز” هو تحذير جديد للحكومة تجاه المخاطر المالية واالقتصادية التي تواجه لبنان، مما يفرض عليها العمل على وضع مشروع موازنة 2018 على اساس مقاربة إقتصادية إجتماعية إصالحية تعتمد تنشيط االقتصاد وتحسين االوضاع االجتماعية مع ضبط االنفاق وخفض العجز في المالية العامة.
رابط النهار

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.