استقرار سعر صرف الليرة حجر أساس المجتمع

0

في مطلع العام 2017، وتحديداً في 5 كانون الثاني (يناير)، أطلّ حاكم مصرف لبنان الدكتور رياض سلامة على اللبنانيين، وعلى المعنيين بقطاعات المال والمصارف والاقتصاد خصوصاً، ليعلن عن واحدة من أبرع استراتيجياته على مدى أكثر من ربع قرن من قيادته المصرف المركزي. 
أطلّ الدكتور سلامة في حديث لبرنامج “كلام الناس” محاوراً الزميل الإعلامي مارسيل غانم على قناة LBC، متعمِّقاً في شرح مقتضيات المصلحة في أن يبقى القطاع المصرفي اللبناني منخرطاً في “العولمة المالية” وقال: “مسار انخراط لبنان في العولمة المالية كان صعباً، وأن هناك الكثير من الشكوك حيال نوايانا ولكننا نجحنا.. وأنا أحاكَم وأحاسَب كل يوم، لكن أهم حكم علي هو حكم الأسواق، فخلال مدة 24 سنة، فشل غيرنا ونحن نجحنا”.
والاستراتيجية الفذة التي أعلنها الحاكم هي “الهندسة المالية” التي كانت حيوية في تجنيب القطاع المصرفي اللبناني أية تداعيات سلبية، نتيجة الظروف السياسية والأمنية التي تسود المنطقة، وقد تولّى الدكتور سلامة شرحها للرأي العام ردّاً على محاولات التشويش التي ظهرت في بعض الأوساط، لغايات معروفة.
وشعوراً منه بالمسؤولية الوطنية، عمد للمرة الأولى إلى مواجهة الرأي العام بالوقائع، موضحاً أن مصرف لبنان وضع هذه الهندسة المالية عندما استشعر باقتراب أزمة مالية خطرة قد يقبل عليها لبنان، تمثّلت باجتماع عوامل عدة، منها ارتفاع عجز ميزان المدفوعات في مقابل عدم نمو الودائع وتراجع موجودات مصرف لبنان 10% .
وتجنباً للجوء مصرف لبنان إلى رفع الفائدة، ذهب إلى خيار اعتماد هندسة مالية تتمثل باستبدال مصرف لبنان سندات دين بالليرة اللبنانية لديه بسندات دين بالعملات الأجنبية بقيمة ملياري دولار (مليار دولار بفائدة 6.85 في المئة، 500 مليون دولار بفائدة 6.4%، 500 مليون دولار بفائدة 6.25%).
وأجازت الهندسة المالية لمصرف لبنان الشراء من المصارف الخاصة سندات خزينة بالليرة اللبنانية بقيمتها الإسمية وباستحقاقات تقل عن 12 سنة مع فوائدها غير المستحقة (تراوح بين 7.08 في المئة و8.74 في المئة سنوياً) مقابل بيعها سندات دين بالـدولار لديه (يوروبوندز، شهادات إيداع) على أن تدفع المصارف قيمة هذه السندات من أموال خارجية (نحو ملياري دولار) أو داخلية، ولقيت تلك الهندسة تشجيع العديد من المؤسسات الدولية، بوصفها خياراً ضرورياً في هذه المرحلة، بعد استنفاد الوسائل الأخرى لتجنيب البلد أية انتكاسة نقدية.
ويقرأ الخبراء نتائج هذه الهندسة بأنها عززت احتياطات مصرف لبنان بالعملات الأجنبية، فارتفعت إلى مستويات قياسية، كما أنها تحافظ على الاستقرار المالي والاجتماعي، وتطمئن الأسواق والمستثمرين والمودعين، وتساعد الحكومة على مواجهة استحقاقاتها بالعملات الأجنبية، ولا سيما أن مؤشرات المالية العامة سجلت تدهوراً في الأشهر الأخيرة من العام الفائت، وأهمية الهندسة المالية تكمن أيضاً في اعتمادها في الظرف السياسي الحرج الذي كان يعانيه لبنان (قبل انتخاب رئيس للجمهورية وتشكيل حكومة) وهي أكدت قدرة المصرف المركزي على تمويل القطاعين العام والخاص من دون الحاجة للّجوء إلى التمويل الخارجي.  الخميرة الصالحة 
وهكذا، يستطيع اللبنانيون أن يقولوا بكل ثقة: إن في المؤسسات اللبنانية بعض الخميرة الصالحة لبناء الدولة، وفي الطليعة الدكتور رياض سلامة، فالمال والقطاع المصرفي والإقتصاد في أيدٍ أمينة، بقيادة الدكتور سلامة، فهل من الصدفة أن يتوافق السياسيون على التجديد له لـ 6 سنوات أخرى، ولو كانوا مختلفين على كل شيء آخر.؟
يكفي لبنان فخراً ما للدكتور رياض سلامة من موقع علمي ومكانة مهنية ترفع لها القبعة في أعلى المحافل المالية والمصرفية الدولية، فهو صُنِّف مراراً، أفضل حاكم مصرف مركزي في العالم، آخرها في 2016، وأما الأوسمة وشهادات التقدير التي حظي بها على أرفع المستويات العالمية فتضيق بها جدران مكتبه، ويكفي لبنان فخراً أن يترأس الحاكم اللبناني في 2012، اجتماعات مجلسي محافظي البنك الدولي وصندوق النقد الدولي في طوكيو، وأن يكون بين 2013 و2015 رئيساً مشاركاً في مجلس الاستقرار المالي للشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وأن يترأس حتى 2013 مجلس محافظي صندوق النقد العربي، وأن يكون عضواً في مجلس محافظي هذا الصندوق وصندوق النقد الدولي، ويكفي لبنان فخراً أن يكون رياض سلامة، اول حاكم مصرف مركزي عربي يقرع جرس افتتاح بورصة نيويورك، وذلك في آذار/مارس 2009.
فحسناً فَعلتم أيها المزايدون إذ صمتُّم، وأيها الطامحون أو الطامعون إذ خضعتم أخيراً للحق والمنطق والمصلحة الوطنية، وحسناً أنكم اعترفتم بخطأ خياراتكم وتعريض الاستقرار النقدي والمالي والاقتصادي للخطر..!
في حواره مع الزميل مارسيل غانم، عبر “كلام الناس” شرح الدكتور سلامة تفاصيل الهندسة المالية التي اعتمدها وفصّل أبعادها، مظهراً كيف استطاع من خلالها أن يُجنّب لبنان أزمات نقديّة خطرة، وأن يحافظ على استقرار صرف الليرة، عبر استبدال سندات دين بالليرة اللبنانية بسندات دين بالعملات الأجنبية، “بغية تجنيب لبنان أية انتكاسة نقدية، فأراح الأسواق والمستثمرين من الهواجس والقلق، ولا سيما أن ثمّة مؤشرات مالية عامة سجلت تدهوراً ملحوظاً في الأشهر الأخيرة من العام الفائت، وفق ما أشارت إليه التقارير الاقتصادية “.
وقال: “لقد أخذنا الدولارات من المصارف في الهندسة المالية، وكل المصارف شاركت، وكلها أتت بالدولار إلى المصرف، ومقابل هذه الدولارات حصلت على حسم السندات، وبعض المصارف كان له القدرة على الإتيان بالدولار إلى المصرف أكثر من غيره.. وكل مصرف تعاطى مع الهندسة المالية بحسب حجم مشاركته، كاشفاً أن “أحد المصارف قال له أنه حولّ 4 مليارات الى يوروبوند، وهذا ما لم يحصل من قبل”.
وأضاف: “بعد الهندسة المالية التي قمنا بها زادت الودائع وارتفع تصنيف لبنان من سلبي الى مستقر، ووصل احتياطي المصرف إلى 42 مليار دولار”، مشيراً إلى أن “حدود الهندسات هي عدم خلق التضخم المالي”، لافتاً إلى أن “ما قمنا به أفاد الدولة اللبنانية، ولكن ليس صحيحاً أن لبنان بلد مفلس”.
وشرح سلامة: “ما قمنا به هو استعجال المصارف ليعطونا دولارات مع دفع فائدة مسبقة، ولم يكن هناك كلفة على أحد في الهندسات التي قمنا بها، ونحن نريد تشجيع القطاع الخاص على الاستدانة بالليرة اللبنانية التي حافظنا عليها وهي اليوم في وضع أفضل مما كانت عليه قبل الهندسة” وأوضح “إننا لم نعطِ أرباحاً للمصارف بل دفعنا فوائد مسبقة”.
وأضاف: “لم يردني أي تقرير من لجنة الرقابة على المصارف بأن هناك مصرفاً في الخارج يعاني من مأزق، ولجنة الرقابة تتدخل وترسل التقارير عادةً عن وضع المصارف ولم يحصل الأمر قبل الهندسات المالية، وسأل: “هل يعقل أن يردني تقرير عن وضع ما غير صحيح في المصارف ولا أتصرف؟ ولذلك، أنا أستغرب آراء البعض غير المنطقية، فنحن عملنا بأموال المصارف، ونأمل في أن يتمكن مصرف لبنان معي أو مع غيري أن يحافظ على الاستقرار النقدي ودعم الليرة”، مشيراً إلى أن “الدول التي انخفضت فيها العملة ازدادت فيها أسعار المواد الأولية وازدادت البطالة”.
وتابع: “هدفنا الأساسي استقرار سعر صرف الليرة وهذا هو حجر أساس المجتمع اللبناني، واستقرار الليرة وسعر صرفها حمى كرامة اللبنانيين وجنبّنا غلاء معيشي”، مشيراً إلى أن “الثقة التي نحظى بها تأتي من الثقة التي حققناها بالليرة اللبنانية. وتثبيت سعر صرف الليرة اللبنانية ادى الى استقرار الوضع الاجتماعي وحمى المجتمع اللبناني من الغلاء المعيشي” وقال: “الوضع النقدي والمالي مستقر في لبنان بعكس كل الدول المحيطة”.
وأكد “أننا نستبق المشاكل في لبنان ونجد الحلول ونحصل على الأموال التي نحن بحاجة إليها بفضل الثقة والقطاع المصرفي مستقر وناجح، ونحن نحاول الحفاظ على الأموال التي جمعناها وإذا أرادت الدولة الاستثمار، فالأموال موجودة، وهذا غير متوافر في دول أخرى” وأضاف: “عنواننا الأساسي في مصرف لبنان وعنواني الشخصي هو الحفاظ على استقرار الليرة، وما من مرّة طُلِب مني سياسياً المسّ بالليرة اللبنانية”.
وقال: “المستفيد في موضوع الهندسات المالية ليس فقط المصارف والبنوك بل القطاع العام برمته والمجتمع اللبناني” وتوقع نمواً في لبنان ضمن حدود 2% في العام 2017، وقال إن “التوقعات النهائية لا نضعها قبل تموز/يوليو، ولكن جو الاستقرار السياسي يبشر بالأفضل” وكشف سلامة أن حجم الدين العام بلغ 74 ملياراً و500 مليون دولار.
مداخيل فورية بـ 4 آلاف مليار ليرة 
قامت الهندسة المالية التي اتبعها مصرف لبنان في الأشهر الأخيرة من العام 2016 على أساس استبدال سندات دين بالليرة اللبنانية لديه بسندات دين بالعملات الأجنبية بقيمة ملياري دولار بالتنسيق مع وزارة المال، وبفوائد تراوحت بين 6.25% و 6.85% بحدها الأقصى.
وقام المركزي بشراء سندات خزينة بالليرة من المصارف اللبنانية بقيمتها الإسمية بـ11325 مليار ليرة باستحقاق أقل من 12 سنة مع فوائدها غير المستحقة تتراوح بين 7.08% و8.74% بحدها الأقصى، فيما قام في المقابل ببيعها سندات دين بالدولار ومنها يوروبوند وشهادات إيداع، شرط أن تدفع هذه المصارف قيمة هذه السندات من أموالها الخارجية أو من أموالها الداخلية، ووصل حجم شهادات الإيداع التي تم بيعها للمصارف الى 5.5 مليارات دولار وبفائدة 7%، وساهمت هذه الخطوة للمركزي والقطاع المصرفي في تحقيق مداخيل استثنائية وفورية بالليرة بنحو 4000 مليار ليرة نتجت من مقاسمة قيمة الفوائد غير المستحقة.
دعم الاحتياط وحماية المصارف 
ويرى الخبير الاقتصادي الدكتور غازي وزني أن من أهم الأسباب التي دفعت مصرف لبنان إلى إتمام هذه الهندسات هي حماية الاستقرار النقدي وتأمين حاجات الدولة والاقتصاد من هذه العملات نتيجة الأزمة الدستورية، خلال الشغور الرئاسي، وتراجع مداخيل الدولة بالعملات الاجنبية، اذ إن تقلص تحويلات المغتربين بنسبة 7% وتراجع الاستثمارات الأجنبية المباشرة بنسبة 45% والصادرات بنسبة 33% ونمو الودائع غير المقيمة بنسبة 5% وتراجع مداخيل السياحة بنسبة 40%، وزيادة الاستيراد أكثر من 30%، حوّل ميزان المدفوعات من فائض يقارب 3.3 مليارات دولار الى عجز يفوق 3.2 مليارات دولار.
ويؤكد وزني أن من أبرز أهداف الهندسة تعزيز احتياطات مصرف لبنان بالعملات الأجنبية لحماية الاستقرار المالي والاجتماعي، ودعم ميزانيات المصارف وتعزيز رساميلها الخاصة والمؤونات الضرورية لتلبية المعايير المحاسبية الدولية (IFRS9) وبحسب وزني، منحت الهندسات القطاع المصرفي مداخيل استثنائية هائلة قاربت 5.6 مليارات دولار، إضافة الى سيولة مرتفعة بالليرة لدى المصارف ما دفعت بمصرف لبنان لإصدار شهادات إيداع بالليرة وبفائدة 5% لامتصاصها بقيمة تخطت الـ 5 آلاف مليار ليرة.
وتعليقاً على إصدار اليوروبوند الذي بلغ حجمه 3 مليارات دولار، يشير وزني الى حجم الاكتتاب الذي بلغ 6 أضعاف ووصل الى 17.8 مليار دولار لرغبة المصارف في استبدال شهادات ايداع بالدولار لدى المركزي بمعدلات فوائد تراوح بين 6.25% و6.50% (الهندسة المالية) بسندات يوروبوند لدى وزارة المال بفوائد تراوح بين 6.85% و7.25% .
واعتبر وزني أن حملة البعض على حاكم مصرف لبنان في الفترة الماضية مجحفة بسبب الإنجازات الكبيرة التي حققها الحاكم في العقدين المنصرمين على صعيد حفاظه على الاستقرار النقدي، وتطور ونمو وانتشار القطاع المصرفي، ودوره في تنشيط الاقتصاد وحماية القطاعات الاقتصادية. وفي هذا السياق، رأى الخبير الاقتصادي البروفسور جاسم عجاقة أن المطامع في منصب حاكم مصرف لبنان في الفترة السابقة هي التي أجّجت الحملة ضد الحاكم، من باب الهندسة المالية، حيث تم استخدام معلومات منقوصة سربها البعض. 
وسمحت الهندسة للمصارف، بحسب عجاقة، بتحويل فائضها من الدولارات إلى سندات أصدرها مصرف لبنان في الوقت الذي قام فيه المصرف بتحويلها إلى سندات سيادية بفضل الهندسة المالية، والطلب على الدولار كان نتيجة الكمية العالية من الدولارات التي تمّ جمعها بواسطة الهندسة، وبالتالي فإن الأشخاص الذين قالوا إن الهندسة خلقت شحاً في الدولار، يقولون اليوم إن هناك فائضاً بالدولار على الرغم من الهندسة المالية، وهذا يعكس مدى إعتماد هذه الأبواق على الشائعات ليس على المضمون. 
ويعتبر عجاقة ان الهندسة انعكست إيجاباً على الاقتصاد من خلال:
أولاً – دعم احتياط مصرف لبنان بالعملات الأجنبية فيما نرى أن الاحتياطات في العملات الأجنبية في الدول المجاورة تتهاوى، وقد ارتفعت احتياطات مصرف لبنان بالعملات الأجنبية إلى مستويات قياسية من 33.2 مليار دولار في حزيران (يونيو) 2016 الى 52 مليار دولار منتصف آذار (مارس) الفائت، الأمر الذي شكل دعماً لليرة التي، ومن منظار إقتصادي بحت، تتعرض لضغوط هائلة نتيجة تراجع الإقتصاد وميزان المدفوعات الذي وصل إلى مستوى تاريخي. ولكن الهندسة أدّت إلى إعادة التوازن له وهي شبه مُعجزة في ظل الظروف الحالية. 

ثانياً – شكّلت الهندسة دعماً للمصارف التي تُشكل حالياً العمود الفقري لمالية الدولة، وبالتالي فإن الهندسة دعمت متانة الدولة بدعمها للمصارف. 
ثالثاً – أدّت الهندسة إلى دفع المصارف إلى خفض الفوائد على القروض التسليفية بحكم الفائض بالليرة اللبنانية. 
ويتابع عجاقة: “رأينا أن الفوائد على القروض السكنية تنخفض بشكل ملحوظ فاتحة المجال أمام العديد من الشباب اللبناني للاستفادة والتملّك، كما أن الفائض بالسيولة الناتج من هذه الهندسة دفع المصارف إلى تليين شروط القروض الاستثمارية وهذا أمر لافت في وقت يحتاج فيه لبنان إلى استثمارات”. 
الفوائض أنعشت الموازنات 
وأوردت “موديز” في تقرير لها أن “الفوائض التي جَمعتها المصارف اللبنانية نتيجة الهندسة أنعشت ميزانياتها وتستدعي النظر بإيجابية إليها، وتم توظيف هذه الفوائض لتكوين مؤونات بـ 2% على إجمالي المحفظة التسليفية مع تطبيق المعيار الدولي (IFRS9) ومؤونات لمواجهة تدنّي قيمة الشهرة، ولإطفاء الخسائر على الإستثمارات في بعض المصارف التابعة لها في الخارج”..إذاً، لبنان مدين لرياض سلامة بسلامة قطاعه المصرفي والمالي، وهو الذي انطلق ذات يوم من لبنان، باحثاً عن العلم والخبرة والنجاح.
ابن أنطلياس 
رياض سلامة، والده السيد توفيق إبن عائلة عريقة من انطلياس هاجرت الى ليبيريا، حيث أسست متاجر كبرى، ووالدته السيدة رينيه رومانس سلامة، التي اشتهرت بأعمالها الخيرية والاجتماعية، وكانت عضواً فاعلاً في الصليب الأحمر اللبناني، ورحلت في العام 1982.. وقد ولد رياض سلامة في أنطلياس العام 1950 في عائلة مؤلفة من: منى (زوجة جو عيسى الخوري)، رمزي (رسام وروائي)، ورجا رجل الأعمال.
تربى في منزل جده في أنطلياس، وأشرفت على دروسه شقيقة والدته السيدة لورا تابت زوجة رجل الأعمال السيد فؤاد تابت، لأن والديه كانا مغتربين في ليبيريا ولم يعودا إلا عندما أصبح في الثامنة عشرة من عمره، وبالتالي فقد أمضى طفولته ومطلع شبابه بعيداً عنهما، وكانت الفترات القليلة التي قضاها معهما مهمة جداً بالنسبة اليه.
ولعل أبرز ذكرياته من تلك المرحلة تعود الى فترة الإجازات الصيفية التي كان يقضيها معهما في منطقة برمانا، حيث كان والده يملك “سيدرز أوتيل” وفي شبابه تملكه حلم التفوّق في المباريات الرياضية، إذ كان يمارس رياضة كرة تنس الطاولة التي وصل فيها إلى مراكز متقدمة.
تلقى رياض سلامة علومه في مدرسة الجمهور، ومن ثم التحق بالجامعة الأميركية في بيروت (AUB) وحاز إجازة في إدارة الأعمال، وهناك التقى ندى كرم ونشأت بينهما علاقة حب تطورت إلى تأسيس عائلة، مؤلفة من أربعة أولاد: ابنه نادي، وبناته نور ورنا وريم.
إثر تخرجه من الجامعة الأميركية، عقد رياض سلامة لقاء عمل مع مدير شركة ميريل لنش المالية الأميركية أهّله للتوظيف في هذه المؤسسة العالمية، وكان مسؤولاً عن عملية شراء الأسهم وبيعها، وخلال فترة قصيرة، اشتهر بصدقيته ونصائحه التي كان يزوّد الزبائن بها لشراء الأسهم المناسبة وكيفية تداولها، وأصبح مقصد رجال الأعمال العرب، وأشهر موظف في المؤسسة خارج أميركا، إذ حقق أعلى نسبة تداول في الأسهم، ومما ساعده في تلك الفترة، التدفقات المالية الكبيرة عند رجال الأعمال العرب، والتي تحتاج بطبيعة الحال إلى توظيفها في مؤسسات مالية.
وعلى رغم اندلاع الحرب في لبنان في العام 1975، استمر رياض سلامة في عمله في بناية ستاركو، ومن ثم انتقلت مكاتب المؤسسة الى منطقة الحمرا – أوتيل كفالييه، وبعد ذلك إلى الشانزيليزيه في باريس، واستمر زبائنه يتصلون به ويتزوّدون بنصائحه مستفيدين من خبرته، وحاز جوائز عدة كأفضل وأكبر متداول للأسهم في العالم.
في العام 1985، كافأته الشركة على نبوغه بتعيينه نائباً للرئيس ومستشاراً مالياً، وفي العام 1992، كان من جميل الأقدار للبنان أن يأتي إلى الحكم رجل الأحلام الوطنية العملاقة، الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وكان قد تعرّف إلى رياض سلامة الذي ذاع صيته في المحافل المالية والمصرفية والاقتصادية العالمية.
فقد اتصل به محامي الرئيس الشهيد رفيق الحريري الخاص، باسيل يارد، وطلب منه توظيف بعض الأموال الخاصة بالحريري، ثم تعرّف إليه الرئيس الشهيد، فوجد فيه صفات لامعة، أحبها ورحّب بها، لدرجة أنه عرض اسمه كحاكم لمصرف لبنان في العام 1993، ونشأت بين الرجلين علاقة صداقة واحترام، فكان الرئيس الحريري يستشيره في أمور كثيرة ويقف عند رأيه ويستمع إلى تحليلاته المقنعة، لا سيما في القضايا المالية التي خضّت لبنان مرات عدة.
استشرف الرئيس الشهيد، بما يملك من رؤية، أن رياض سلامة هو الأفضل لقيادة السياسة النقدية والمصرفية والمالية في زمن إعادة الإعمار والتأسيس لاقتصاد نوعي، وبعد عام، تحقق له هذا الهدف، ومنذ ذلك الحين، بات الاستقرار النقدي والمصرفي والمالي أمراً محسوماً، لا لصدفة، بل لأنه في عهدة الحاكم الحكيم.
وعندما جاء رياض سلامة إلى المصرف المركزي، كانت الحرب الأهلية دمّرت كل شيء، كانت الليرة تهتزّ، وكان التضخم قد ارتفع منذ العام 1987 إلى 110%، متسبباً بكوارث اقتصادية واجتماعية، خصوصاً للفئات المتوسطة والفقيرة، لا سمح الله أن نستعيدها، وكانت المصارف في حاجة إلى ورشة تأهيل حيوية، كي تتمكن من الصمود ومواكبة التحديات الجديدة.
بكل جرأة، وبرؤيوية نادرة، وهدوء الواثق، نجح رياض سلامة في تثبيت سعر صرف الليرة، ومضى في خطة مركّزة لتقوية العملة الوطنية والقطاع المصرفي في آن معاً، فصيانة الليرة هي السبيل الى إرساء نمو اقتصادي واجتماعي مستدام، وايماناً منه بقوة الليرة ومناعة الاقتصاد الوطني، رفع أسعار الفائدة إلى أعلى السقوف عالمياً لجلب أكبر حجم من التدفقات المالية إلى المصارف اللبنانية كي تحقَّق الأرباح والنمو، شرط الاستثمار بالليرة اللبنانية، ثم أصدر قرارات وأنجز تشريعات لدمج المصارف وزيادة اكتتاباتها، وأطلق العمل في بورصة بيروت، وهكذا، تحقَّق الهدف المزدوج: استقرار الليرة وازدهار المصارف.. وكان ذلك ركيزة استقرار لبنان في اقتصاد ما بعد الحرب.
تأثر رياض سلامة بوالده الذي كان يتمتع بحكمة وعقلانية، وكان يقول له دائماً “الحياة صعبة، والنجاح لا يأتي إلا بعد الجهد والمثابرة والسهر” وبدوره نقل هذه المبادئ إلى أولاده، مع حرصه على نشوء علاقة صداقة بينه وبينهم، وعلى متابعة خطواتهم المدرسية والجامعية.
رياض سلامة متواضع جداً مع عائلته الكبيرة وأقاربه، يهوى المطالعة والكتابة ومشاهدة الأفلام في منزله على شاشة كبيرة.. يملك “كاريزما” تسحر الحاضرين، وشخصية مميزة تستدعي الاحترام، لا يتخذ القرارات بشكل عشوائي، بل يُشبع القضايا درساً وتمحيصاً وتحليلاً قبل اتخاذ القرار النهائي.
مستمع جيد، قليل الكلام، متحفظ ومتوازن، يلجأ إلى المشي والسباحة كل يوم مما يتيح له مجال التفكير الهادئ والعميق، يحرص منذ بداية حياته المهنية، على أن يكون أول الواصلين إلى مكتبه وآخر المغادرين، ويحكى أنه كان يبقى في مكتبه في مصرف لبنان، خلال إنجاز عملية شراء “الميدل إيست” حتى الساعة الثالثة فجراً.. إنه رجل لا يستمع إلا إلى صوت ضميره، ولا ينزلق في المهاترات السياسية.
وعلى رغم الضعف الذي تشكو منه بنية الاقتصاد الوطني، واستمرار تراجع الوضع المالي على وقع تزايد حجم المديونية، استطاع رياض سلامة، الحفاظ على الاستقرار النقدي في أصعب الأوقات، والحفاظ على سلامة الوضع المصرفي وتمكينه من مواجهة الضغوطات واحتواء الصدمات، بأقل خسائر ممكنة، مع الابتعاد دائماً عن اتخاذ أي من التدابير الاستثنائية التي لجأت اليها عدة بلدان أخرى في ظروف مماثلة.
وقد حقق رياض سلامة هذه النتائج بفضل كفاءته العلمية والعملية، فعمل على تحقيق أهدافه، عبر التدابير الاحترازية ومن خلال الهندسات المالية المتنوعة، التي تتطلب خيالاً وقدرة على الابتكار، ونظرة متكاملة الى متطلبات كل مرحلة وفقاً للمعطيات المتوافرة فيها، ولا شك أن مثل هذه السياسات ما كانت لتنجح لولا علاقات التعاون والثقة المتبادلة التي أرساها حاكم مصرف لبنان مع قادة المؤسسات المصرفية.
إن نجاح السياسات النقدية والمصرفية التي انتهجها مصرف لبنان بقـيادة رياض سلامة، لم تحقـق الاستقرار النقدي الذي كان عاملاً مهماً في اجتذاب الاستثمارات وفي تعزيز المدخرات الوطنية فحسب، بل كان ايضاً عاملاً في تقـدم القـطاع المصـرفي وتطوره وفي تحديث منتجاته وخدماته، وفي تحفيزه على التوسع خارج الحدود، ليكون اليوم أكثر القطاعات المصرفية العربية انتشاراً.
لكل هذا، من الطبيعي أن يحظى رياض سلامة بمبادرات تكريم وتقدير ومن بينها تكريمه من خلال مجلة “يورو موني” كأفضل حاكم بنك مركزي في العالم، وهو أول حاكم مصرف مركزي عربي يقرع جرس افتتاح بورصة نيويورك، وذلك في آذار (مارس) 2009.
إن همّ رياض سلامة اليوم يتركز على حماية الليرة اللبنانية والقطاع المصرفي والمالي في لبنان، وهو لم يتراجع عن هذا الهدف مهما اشتدت الصعاب والصدمات الخارجية، والخلافات السياسية الداخلية، وهوالمتفائل والمؤمن بمستقبل لبنان.
رابط مجلّة الإداري  

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.