ارتفاع الأسعار طال حليب الأطفال.. وأيلول المبلول آتٍ

0

ربيكا سليمان

“رحت لاشتري حليب لابني عمرو 5 اشهر قالتلي مدام زادوا 2000 ليرة على علبة الحليب وبعد ما كانت بـ16.000 صارت بـ18. أصحاب المعالي والسعادة اللي اتحفتونا انو الضريبة مش ع الفقير او انو برايكن حليب الاطفال من الكماليات! الله بيحاسبكن ونحن رح نحاسبكن”.
هذا تحديداً ما نشرته إحدى الزميلات الإعلاميات على صفحتها الخاصة على “فيسبوك” منذ أيّام قليلة. صرخة ليست يتيمة، إذ أنّ عدداً كبيراً من المواطنين ما انفكّ يشكو مؤخراً من ارتفاع الأسعار غير المبرّر والذي أعقب إقرار الضرائب لتمويل سلسلة الرتب والرواتب، علماً أنّ أسعار بعض المنتجات كان قد ارتفع منذ أشهر، وتحديداً بعيد إقرار مجلس النواب سلسلة من الضرائب! وعلى رغم إصرار أغلبية السياسيين والمعنيين على التأكيد بأن “الواحد المضاف” على ضريبة القيمة المضافة لن يكون بالغ التأثير ولن يمسّ بالفقير، ها هو منشور الزميلة يدحض “حساباتهم” ليتبيّن أنّ حليب الأطفال الذي يُفترض أن يكون مُستثنى من أي ضريبة إضافية، قد ارتفع سعره في غضون أيام قليلة بعد إقرار الضرائب! ومن المعروف أن قانون الضريبة على القيمة المضافة، في مادتيه 16 و17، قد أعفى بعض الخدمات والمنتجات منها، على سبيل المثال: التعليم، الخدمات الطبية، الزراعة الخام، الجرائد والأوراق والكتب، المنتجات الغذائية المخصصة للأطفال بكلّ أنواعها، الخبز والطحين…وعليه، يُفترض ألا يزيد سعر حليب الأطفال بأي شكل من الأشكال! فكيف حدث ذلك؟ ببساطة حدث ذلك لأن المادة 17 التي تعفي الغاز (للاستهلاك المنزلي) والمازوت من الضريبة على القيمة المضافة، لا تأتي على ذكر البنزين، ما يعني حُكماً تأثره بزيادة الواحد في المئة! وإذ تتأثر عملية إنتاج السلع ونقلها مباشرة بارتفاع أسعار المحروقات، فإن أسعار كلّ السلع والخدمات حتى تلك المعفيّة من الضريبة على القيمة المضافة سوف ترتفع حكماً. لكنّ أسعار المحروقات لم ترتفع مؤخراً! أكثر من ذلك، فإن قانون الإجراءات الضريبية لم يصبح ساري المفعول بعد كونه يفتقر إلى إمضاء رئيس الجمهورية لنشره في الجريدة الرسمية، فلماذا ارتفعت الأسعار؟! يشرح البروفيسور في علم الاقتصاد جاسم عجاقة أنّ ثمة ظاهرة معروفة في عالم الاقتصاد تدعى آلية التوقعanticipation ، بحيث تبدأ الأسواق عادة باستيعاب غلاء الأسعار منذ اللحظة الأولى التي يُعلن فيها عن القانون. لكنه في الوقت عينه، يلفت إلى أنّ القوانين تحظّر على التجار رفع السعر عن غير وجه حق، مشيراً في حديث لـ”لبنان24″ إلى “ثلاث مخالفات أساسية يحذّر التجار من ارتكابها، وهي: رفع السعر حدّ أن يضاعف سعر الكلفة، استغلال ظرف معيّن للتلاعب بالأسعار بشكل غير مبرر (وهو ما ينطبق اليوم)، واحتكار البضائع (أي تخزينها ريثما يرتفع سعرها)”. وإذ يبدو عجاقة شبه متأكد من أن أكثر من 40% من التجار والمحلات التجارية مخالف اليوم (لناحية رفع الأسعار بشكل غير مبرر)، يشير إلى أنّ ما يحصل مؤسف لكنه “مفهوم” إذا ما بحثنا عن الأسباب والمحفزات. ويلفت عجاقة إلى أنّ السلطة السياسية فاقدة السيطرة على الأسعار بسبب هيكلية الاقتصاد اللبناني وتركيبته، فهناك عدّة أمور ناقصة، وعلى رأسها القدرة على تطبيق القوانين. ويذكر عجاقة بأن قانون حماية المستهلك “يُطّبق بالتي هي أحسن”، ليس لأن ثمة تقصيرا أو إهمالا من قبل حماية المستهلك ووزارة الاقتصاد، بل لأن عدد المراقبين قليل جداً ولا يكفي لعملية رقابية فعّالة (140 عنصراً لـ 80 ألف مؤسسة)، إضافة إلى عوامل أخرى مثل الصلاحيات (وزارة الاقتصاد لا يمكنها أن تدخل إلى المدارس كون هذه الأخيرة تابعة لوزارة التربية)، والفساد المستشري حتى العظم. في موازاة ذلك، ثمة قانون أساسي “غائب عن السمع بل رايح في كوما”، كما يصفه عجاقة، وهو ذاك الذي ينظم العلاقة بين التجار. ومن المعروف أنّ عدد التجار في لبنان يُحصى على أصابع اليدين، وبالتالي ثمة احتكار للسوق وممارسة لما يُعرف بـ”الاتفاق المبطن” فيما بينهم لتحديد الأسعار (وهذا الأمر يعدّ جريمة اقتصادية). ويُذكّر عجاقة بأن أسعار النفط انخفضت عن مستوياتها السابقة بشكل كبير بيد أنّ أسعار السلع لم تنخفض بدورها، فهل من يفسّر هذا الأمر سوى أن هناك احتكارا واتفاقا ضمنيا يحصل بين التجار؟! من ناحية أخرى، بلغت عجاقة إلى أنّ هيكلية الاقتصاد اللبناني تعتمد على الاستيراد، “فلبنان يستهلك سنوياَ 17 مليار من الخارج”، وهذا الخلل في الاقتصاد يعزز “هيمنة” التجار واحتكارهم. بأسف وحزن، يقرّ عجاقة بأن “قصة الإصلاح ليست حقيقية وصادقة” بدليل ما حدث مؤخراً من فرض ضرائب عشوائية لا تستند إلى خطة اقتصادية علمية. وإذ يشير إلى أنه كان أمام السياسيين فرصة ذهبية لإقرار إصلاحات كبيرة لكنهم فشلوا في ذلك، لا يترددّ بالتعبير عن مخاوفه من الآتي، مرجحاً عدم قدرة لبنان على الخروج من الهاوية التي سقط فيها! وإذ يؤكد أن كلّ الأسعار آيلة إلى الارتفاع بنسب عالية تتراوح بين 10 إلى 15% (ولعلها قد ارتفعت)، فإنه على يقين بأن الصرخة الكبيرة لن تُسمع فعلياً قبل أيلول:” اللبناني لم يشعر بالجوع حتى الساعة، لكنه على الأرجح سيبلل كلّ أيلول بدموعه مع بدء المدارس وارتفاع الأقساط المدرسية غير المبرر”. وإذا كانت السلطة السياسية برأي عجاقة تلكأت عن القيام بواجباتها لناحية إعداد دراسة حقيقية لمعرفة تداعيات الضرائب ذلك أنّه ليس صحيحاً أنهم كانوا يدرسون السلسلة طوال خمس سنوات إنما كانوا يتفاوضون عليها فاتبعوا أخيراً مقولة عادل إمام “يا رب تيجي في عينو”، فإن الآتي أعظم. “لوين رايحين؟”يجيب عجاقة مختصراً الأفق الأسود بالآتي: “السلة الضريبية وخصوصًا زيادة الضريبة على القيمة المُضافة ستنقل 170 ألف شخص من الطبقة المُتوسطة إلى الطبقة الفقيرة! نحن ذاهبون إلى شبه ثورة اجتماعية، وأعتقد أن الشتاء المقبل سيكون عاصفاً بالنسبة إلى الحكومة نظراً إلى ردود الفعل الشعبية المرتقبة”!

رابط لبنان 24 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.