اللبنانيون يستيقظون: المياه تغرق القطاع السياحي وخسائر متفاوتة وصلت الى 100%

0

مجد بو مجاهد

بات اللبنانيون أكثر وعياً لواقعهم البيئي. وإذا كانوا لا يتظاهرون او ينددون بعالي الصوت، لكنهم أقلّه يعون أين يسبحون وعلى ضفاف أي نهرٍ يتناولون غداءهم. صور وأنفة، وجهتان مفضلتان، اكتظاظٌ شعبيٌّ لافت وتنظيمٌ يعوّل عليه. هناك، ما من مطامر نفايات تحكم شاطئ البحر أو تطوّق محيطه. على امتداد ساحل بيروت الواقع يختلف. انحسارٌ لافت في أعداد المرتادين، بشهادة أصحاب المنتجعات السياحية والمواطنين على السواء. لكن ذلك لا يعني أن اللبنانيين في كليّتهم أيقنوا ارتدادات شبح تلوّث المياه. فثمة فئة واسعة منهم لا تزال لا تأبه، تجهل، أو تتجاهل “الفداحة”، وهي تشكّل العنصر الأول المشغّل المنقذ للشواطئ والمنتجعات المستثمرة على ضفاف الأنهر. 

لكن المعضلة قد لا تتظهّر داخلياً بقدر ما تحمل انعكاسات جمّة تشوّه صورة لبنان السياحية في أعين الأجانب. ولعلّ أصدق الأمثلة، السمعة السيئة المرتبطة بمدينة نيوديلهي الهندية. تلوّث مياه المدينة يدفع الشركات الى تحذير مبعوثيها، الذين غالباً ما يزورونها في اطار ورش عمل، وتنبيههم الى ضرورة اتخاذ تدابير وقائية تجنباً لأي عارض. والحل يكمن في استخدام أدوية مضادة لملوثات المياه، ووضعها في الكوب قبل ساعةٍ ونصف ساعة من الشرب. وإذا كان زوّار نيوديلهي، رغم عظمة مرافقها السياحية والأثرية، لا يثقون بمياهها، فكيف يثقون بما تقدّمه مطاعمها من مأكولات؟ وإذا كان لبنان يسير على خطى نيوديلهي، فما أدراك بحجم التأثير المستقبلي على القطاع السياحي؟ للعامل الأمني ـ السياسي الدور الأبرز في استقطاب السياح، وتأتي الاستثمارات في المرتبة الثانية، فيما يمكن ان تحتلّ المياه الدرجة الثالثة من اهتمام الزائر الأجنبي، وفق ما يقول لـ”النهار” الخبير الاقتصادي البروفسور جاسم عجاقة. فيما يشكّل القطاع السياحي 25% من الناتج المحلي الاجمالي، ويشغّل 25% من اليد العاملة المحلية. وفي حين أن أزمة المياه الملوثة في لبنان تنعكس سلباً على السياحة الداخلية في حدود 2 الى 5%، فإن اللبناني يتمتع بثقافة انتقاء المقصد المناسب، على عكس السائح الأجنبي. وحدها المنتجعات المتاخمة للأنهر والشواطئ الملوّثة تتأثر سلباً بنسبة تراوح بين 30 و 50% في ظلّ الأوضاع الراهنة. وهذا يعني أن الأرباح انخفضت هذا العام الى النصف. أما الشواطئ وضفاف الأنهر الملوثة المستثمرة لغرض السباحة، ودائماً وفق عجاقة، فإن نسبة الخسائر فيها قد تصل هذا العام الى 100%. وإذا ما أردنا تسليط الضوء على المنتجعات والمطاعم المتضررة، فإنها تشمل أغلبية الاستثمارات المتاخمة للمعالم السياحية. تحمل المحاذير التي يضعها السائح نصب عينيه شقين: الأول يتمثّل في استهلاكه للمياه الملوثة، والثاني في مطابقة الطعام المقدّم في المطعم للمواصفات المطلوبة. العامل النفسي يؤدي دوره السلبي على الزبون، في حال تبين ان المرفق السياحي قائم على نهرٍ ملوّث، كتلك القائمة على مجاري نهر الليطاني على سبيل المثال. هذا ما انتج معادلة جديدة، يتبعها اللبناني بشكلٍ عام، تقضي بزيارة المعلم الأثري أو السياحي والتوجه لتناول الغذاء في مكانٍ آخر، يثق بالخدمات التي يقدمها. وبات اللبنانيون أكثر انفتاحاً على العروض السياحية المقدّمة من الدول المجاورة، فاذا بهم يقصدون الشواطئ التركية بدلاً من اللبنانية. عملياً، يؤكّد رئيس الاتحاد اللبناني للنقابات السياحية في لبنان أمين خياط لـ”النهار” ان نسبة خسائر المنتجعات السياحية جرّاء التلوّث بلغت في السنوات الأخيرة 25%. لكن الرقم المذكور ايجابي، اذ ان أزمة تلوّث مماثلة في دول العالم المتطور كانت لتعطّل القطاع بنسبة 80%، بل انها كانت لتؤدي الى استقالة حكومات. ينتقد خياط المواطن المتخاذل بأسلوب ساخرٍ ولاذع. ويقول ان “اللبناني مجنون”، وآخر ما يشغل باله، ما اذا كان يتناول طبقاً لا يراعي المعايير الصحية، او يسبح في بركة ملوّثة. تشغله المظاهر والأضواء والاحتفالات لا أكثر. وفي رأيه ان التنبه للطعام يبقى أولوية، لأن المطاعم في أغلبيتها تتعاقد مع شركات مياه موثوق بها وتقدّم أنواع المشروبات الروحية الشهيرة في السوق، لكن لا بد للعين ان تسلّط على عملية الطهي. لعلّ التحليلات والطروحات والأفكار المقدمة لحلّ معضلة تلوّث المياه في لبنان، لا تعدو كونها تنظيرا لا يدخل في سبل الحل الحقيقي للأزمة. والمعالجة، إذا توافرت، تراها بدائية الطابع. واذا كانت الماكينة الاقتصادية تتضرر جرّاء تلوّث المياه، وتعتبر أكثر أهمية من البترول في النظرية الاقتصادية، إلا أنها في لبنان، لا تدخل في أولويات المجتمع نظراً الى قدرة اللبناني على تأمين حاجته منها، وان عمد الى شرائها في أشهر الصيف. ويبقى التخوف من أن تلتحق أزمة المياه في لبنان بأزمة الكهرباء والنفايات. إذ إن معدّل الاستهلاك السنوي المتاح للفرد الواحد من المياه الصالحة في لبنان والشرق الأوسط انخفض من 3500 الى 2000 متر مكعّب مع بداية الألفية الثالثة. وعاد ليبلغ 1200 متر مكعب عام 2015. ومن المتوقّع، في حال استمرار الوضع على هذا المنوال، ان يبلغ المعدل المتاح نفسه 600 متر مكعب سنة 2035.

رابط النهار 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.